ملفات وتقارير

الخرطوم وواشنطن.. تحسن دبلوماسي تشوبه المخاوف

في عام 1993 صنفت الولايات المتحدة السودان ضمن الدول الراعية للإرهاب- جيتي

اعتبر رئيس الحكومة السودانية المؤقتة، عبد الله حمدوك، الاتفاق على عودة السفير الأمريكي  إلى الخرطوم بعد انقطاع دام 23 عاما "خطوة مهمة نحو إعادة بناء السودان".

 

 

 


ورأى محللون بأن الخطوة الدبلوماسية تحمل مؤشرات إيجابية لكنها غير كافية على طريق إزالة الولايات المتحدة للسودان من "قائمة الدول الراعية للإرهاب" ورفع كامل العقوبات عنها، فيما استعرض آخرون مخاوف من شروط أمريكية تعرقل تحقيق ذلك.

وجاءت أولى هذه المخاوف على لسان حمدوك عبر دعوته للولايات المتحدة بأن "تُنحي مخاوفها بشأن مشاركة العنصر العسكري في السلطة الانتقالية"، وذلك خلال استضافته، الجمعة، في منبر مركز الفكر والأبحاث التابع لمعهد المجلس الأطلسي بواشنطن.

وواصل حمدوك خلال ذات اللقاء حثه للولايات المتحدة على تحقيق الهدف من زيارته التي استمرت ستة أيام والمتمثل في "إزالة العقوبات التي تسبب بها النظام السوداني السابق".

 

اقرأ أيضا: حمدوك: تقدم باتجاه شطب السودان من لائحة أمريكا للإرهاب

وذّكر حمدوك بـ"شبح الفوضى التي تلوح في السودان، وعواقبها على المنطقة حال استمرت واشنطن في إضعاف الحكومة المدنية الحالية، والحيلولة دونها وتدفق الاستثمارات الأجنبية، أو منع المؤسسات المالية الدولية من إقراض البلاد، أو إعفائها من وطأة الديون التي ترهق كاهل السودان".

وفي إشارة إلى آلية التعاطي السوداني مع أحد العراقيل الأمريكية المحتملة، أوضح حمدوك  بأن ملف "ضحايا الهجوم على السفينة الحربية الأمريكية كول والهجمات على السفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنزانيا، يُعالج من قبل فريق الحكومة السودانية المكلف بالأمر، وأن التوصل إلى تسوية واتفاق في هذا الصدد مهمة ممكنة وقابلة للتحقق".

التصالح الداخلي

 

 ويرى الإعلامي السوداني خالد الإعيسر بأن "هناك مؤشرات إيجابية كثيرة في السودان، استدعت هذا التطور النوعي في العلاقات السودانية الأمريكية".

ويرجح الإعيسر في حديثه لـ"عربي21" بأن التحول تم "على خلفية ثورة ديسمبر، وتوقيع السودان على التعهد العالمي للدفاع عن حرية الإعلام، والتطور في ملف مكافحة الإرهاب".

ومن وجهة نظره، فإن ما ينقص السودان في طريق التغيير هو "الوصول إلى توافق سياسي داخلي"، مؤكدا ذلك "يشكل عقبة حقيقية أمام رئيس الحكومة".

وقال: "لا يجب أن يتبع حمدوك ذات النهج الذي اعتمدته حكومة البشير، بتجاوز ملف السلام الداخلي والبحث عنه في واشنطن، الواقع أن أزمة النخب السودانية تكمن في البحث عن مصالح فئوية على الهموم الوطنية".

الشروط الأمريكية

 

 ويعتقد الإعيسر بأن الخطوة الدبلوماسية من الممكن أن تقود إلى "التطور في العلاقات الأمريكية السودانية وصولا إلى شطب اسم السودان من لائحة الدول الراعية للإرهاب"، منوها إلى أن ذلك "مبني على شروط أمريكية سرية غير معلنة، بعضها تحقق بالفعل من طرف السودان ما جعل الحكومة الحالية طرفا يمكن التفاوض معه".

ويضيف "ما تريده واشنطن هو الانتقال إلى الحكم المدني، فلدى الولايات المتحدة مخاوف من عودة الجيش إلى السلطة، ولديها بعض التحفظات على تنظيمات وشخصيات معينة في الحكم، وهي تضع بعض الشروط أمام السودان كموضوع تعويضات ضحايا السفينة كول والسفارتين الأمريكيتين بتنزانيا وكينيا كوسيلة ضغط يمكنها التنازل عنه".


وعند سؤاله عن ماهية الشروط الأمريكية، أجاب الإعيسر بأن واشنطن لها "رغبة في أن تتم عملية السلام في جنوب السودان، ولديها مصالح إستراتيجية في الإقليم مع بعض الدول كما هو الحال مع مصر وإثيوبيا، وهي معنية بعملية الاستقرار في هذه الدول".

وأردف قائلا: "هناك ملفات عالقة باتفاقية السلام بين جنوب السودان والسودان، وعلى رأسها ترسيم الحدود، التي تعتبرها واشنطن قنبلة موقوتة يمكن أن تتفجر في أي وقت".

 

اقرأ أيضا: بعد 23 عاما.. عودة متبادلة لسفراء أمريكا والسودان

واستبعد الإعيسر أن يتم "رفع السودان من قائمة الدولة الراعية للإرهاب" عقب زيارة حمدوك، مرجحا أن "تجدد واشنطن عملية المراجعة لهذا الملف ستة أشهر إضافية، تنتظر خلالها توصيات الوكالات المعنية بهذا الملف".

ولفت إلى أن القضية المحورية في هذا القرار مرتبطة بـ"تحقيق السلام والعدالة في السودان خاصة في منطقة دارفور"، لأن القوانين الصادرة عن الكونغرس بإدراج السودان على لائحة الدول الراعية للإرهاب، صادرة فيما عرف "بقانون سلام دارفور".

وعند سؤاله عن تطورات مفاوضات تحقيق السلام التي تتم بين الحكومة والقوى المسلحة في جنوب السودان، أفاد بأن "العملية السلمية تشوبها بعض النواقص خاصة مع عدم مشاركة حركة عبد الواحد محمد نور فيها، والتي ترى بأن الحل الذي تتبناه قوى الحرية والتغيير يجب أن يعاد النظر فيه، ما يعني العودة بالسودان إلى المربع الأول"، مؤكدا "السلام في السودان لن يتأتى إلا بجلوس كل الفرقاء على طاولة التفاوض".

وينوه إلى وجود صراع يدور داخل الجسم الحالي للحكم، قائلا: "يبدو في الحوار بجوبا ملامح صراع غير معلن بين  قوى الكفاح المسلح وبين القوى المدنية داخل قوى إعلان الحرية والتغيير" والذي قد يؤثر على تطور العلاقات بين الخرطوم وواشنطن.

خلفية تاريخية

 

تراوحت العلاقات بين الخرطوم وواشنطن بين مد وجزر، لكنها دخلت في توتر تصاعد لاحقا في أعقاب تولي عمر البشير مقاليد الحكم عام 1989، حيث علقت الولايات المتحدة عام 1990 مجمل مساعداتها للسودان.

وزاد تدهور العلاقات مطلع التسعينيات إثر دعم السودان لجماعات إسلامية تصفها واشنطن بـ"المتشددة"، وإعلان وقوفه مع العراق في غزوه للكويت ومعارضته للتدخل الأمريكي في المنطقة.

وفي عام 1993 صنفت الولايات المتحدة السودان ضمن الدول الراعية للإرهاب، وظل اسم السودان على هذه القائمة الأمريكية حتى يومنا هذا.

وعلقت واشنطن لاحقا عمل سفارتها في الخرطوم في عام 1996.

وفي عام 1997، أصدر الرئيس الأمريكي، بيل كلينتون، أمرا تنفيذيا بفرض عقوبات اقتصادية ومالية وتجارية شاملة على السودان أثرت كثيرا على الاقتصاد والبيئة الاستثمارية في السودان.

وفي آب/أغسطس 1998، ضربت الولايات المتحدة بصواريخ كروز منشآت في العاصمة السودانية الخرطوم في أعقاب تفجير السفارتين الأمريكيتين في تنزانيا وكينيا.

وكان السفير الأمريكي توم كارني غادر الخرطوم قبيل هذا القصف ولم يعد أي سفير أمريكي إليها منذ ذلك الوقت، إذ ظل التمثيل الدبلوماسي الأمريكي على مستوى القائم بالأعمال منذ ذلك الوقت.

وفي تشرين الأول/أكتوبر 2006 وُقع "قانون سلام دارفور"، حجز بموجبه الكونغرس ممتلكات وأوقف تعاملات مع أفراد في حكومة السودان متهمين "بالإبادة الجماعية، وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية".

وعمد الرئيس السابق باراك أوباما في17 شباط/فبراير 2015، إلى تخفيف العقوبات، فسمح للشركات الأمريكية بتصدير أجهزة اتصالات شخصية، وبرمجيات تتيح للسودانيين الاتصال بالإنترنت.

ورفعت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في 6 تشرين الأول/ أكتوبر 2017، عقوبات اقتصادية والحظر التجاري الذي كان مفروضا على السودان منذ 1997.