قضايا وآراء

الإيدز في مصر.. بين خطر يهدد وتصريحات تهدئ

1300x600
"لقد تعجل الأطباء بإبلاغ الشرطة من شدة خوفهم والفزع غير المبرر، وكان يجب عليهم التمهل واتباع الطريق الإداري لأن الموضوع بسيط"..

كانت هذه التصريحات الصحفية هي أول رد فعل لعميد كلية الطب في جامعة المنصورة على تقدم عدد من أطباء مستشفى الطوارئ في المنصورة؛ بشكوى بقسم الشرطة ضد مدير المستشفى يتهمونه فيها بأنه قد خدعهم ولم يبلغهم بأن المريضة مصابة بمرض الإيدز بحسب التحليلات الطبية، وأنهم قد تعرضوا للعدوى أثناء إجرائهم عملية جراحية بقسم العظام في المستشفى، ضمن فريق طبي شمل عشرة أفراد، وأنهم قد فوجئوا بحقيقة المريضة من نائب مدير المستشفى. وأضاف الأطباء أنه كان يجب على الإدارة إبلاغهم قبل إجراء العملية، حتى يتم اتخاذ الاحتياطات الطبية المعتمدة لمثل تلك الحالات. وطالب محررو البلاغ باتخاذ الإجراءات القانونية ضد إدارة المستشفى، وإجراء التحاليل اللازمة لهم ولجميع الأفراد المتعاملين مع الحالة تحسبا لإصابة أحدهم بالمرض..

كانت شكوى الأطباء واضحة ومحددة وموثقة علميا، حيث أن الإيدز يمكن انتقاله عن طريق وخز الإبر والآلات الحادة الملوثة بدم المريض، وذلك بنسب متفاوتة حسب كمية التلوث، كما ورد في الدليل القومي لمكافحة العدوى بوزارة الصحة، الإصدار الثالث في عام 2016.

بعدها شاهدنا سيادة العميد يتنقل بين عدد من الفضائيات، مؤكدا على تسرع الأطباء بإبلاغ الشرطة، وإن كان قد أكد على حقيقة أن مرض الإيدز ينتقل فعلا عن طريق وخز الإبر، ولكن بنسبة أقل من "فيروس كبدي ب"، وأنه تم صرف العلاج فورا للأطباء لحين التأكد من تحليلات المريضة بمعامل وزارة الصحة!! وكانت النصيحة منه بضرورة اعتبار أن كل من يدخل المستشفى مصابا بالمرض، ويجب اتخاذ كافة الاحتياطات لمنع العدوى بصورة روتينية مع أي مواطن، خاصة وأن مرضى الطوارئ جميعهم حالات عاجلة، ومن الصعب تحليل الدم لهم والتأكد من خلوهم من المرض.

كانت هذه هي الواقعة التي أثارت الخوف لدى المواطنين خلال شهر آب/ أغسطس الجاري، وتشمل عدة محاور عن حقيقة انتشار مرض الإيدز في مصر، وكيفية انتقاله بين المواطنين، ولماذا سارع الأطباء بإبلاغ الشرطة، وما هو مغزى تصريحات عميد كلية الطب، وأيهما أفضل تهويل الأمر أم التهوين من خطورته...

انتشار مرض الإيدز (HIV) في مصر:

بمناسبة اليوم العالمي للإيدز، في 4 كانون الأول/ ديسمبر 2017، أعربت هيئة الأمم المتحدة (في تقرير عن مكتبها لمكافحة الإيدز بالقاهرة) عن قلقها بسبب انتشار فيروس نقص المناعة البشرية (إتش آي في) المسبب للإيدز، في مصر، حيث وصلت نسبة الزيادة إلى 40 في المئة سنويا، وأوضحت أن 27 في المئة فقط من المصابين يعلمون بإصابتهم ويتلقون العلاج. وأكدت في التقرير السنوي، ازدياد الوفيات المرتبطة بالإيدز بأكثر من الضعف بين عامي 2000 و2010 في مصر، وارتفاع نسبة الأطفال المصابين بالفيروس إلى 38 في المئة، عام 2016، مقابل 25 في المئة عام 2010. وشدد التقرير على أن الوصمة الاجتماعية ونقص التمويل لمعالجة المرض، يعيقان الجهود المبذولة للمكافحة، لافتا إلى أن الفيروس المسبب للمرض يصيب عددا أكبر من الشباب والمراهقين عن أي فئة عمرية أخرى، وأن مصر تأتي في المركز الرابع بالشرق الأوسط بعد إيران والسودان والصومال، من حيث زيادة معدلات الانتشار.

وتتباين تقديرات عدد المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية في مصر ، فيشير تقدير الأمم المتحدة إلى أن هناك أكثر من 11 ألف حالة، بينما تقدر وزارة الصحة المصرية العدد بحوالي 7 آلاف حالة مسجلة وتحصل على علاج ومتعايشة مع المرض، في حين تؤكد مراكز وجمعيات متخصصة في مكافحة الفيروس أن النسب تخطت 230 ألف حالة (باعتبار أن كل حالة مسجلة يقابلها واقعيا حوالي 20 حالة غير مسجلة)، وأن الوباء في مصر "مكثف"، بتخطيه حاجز الـ5 في المئة بالنسبة للفئات الأكثر عرضة للمرض، ذلك بينما لا يوجد خلاف بشأن معدل تزايد الإصابات الجديدة.

ما هو مرض الإيدز وكيف ينتقل إلى الإنسان؟

ظهر المرض في العالم رسميا في الخامس من حزيران/ يونيو 1981، عند اكتشاف مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها في أمريكا عددا من الإصابات بالالتهاب الرئوي لدى عدد من الرجال المثليين.

ما هو فيروس "HIV" المسبب لمرض الإيدز؟

هو فيروس يصيب الجهاز المناعي البشري، فيدمر خلايا الدم البيضاء المسؤولة عن المناعة حتى يقل عددها عن الحد المطلوب للقيام بوظيفتها المناعية لحماية الإنسان.

كيفية الإصابة وطريق العدوى:


- من خلال العلاقات الجنسية غير المحمية

- نقل الدم الملوث بالفيروس، ويشمل وخز الإبر، خاصة بين متعاطي المخدرات.

- الرضاعة الطبيعية من الأم المصابة للطفل.

- الحمل والولادة من الأم المصابة للجنين.

أي أن المرض ينتقل باختلاط سوائل الجسم بين المصاب وغير المصاب، باستثناء اللعاب والعرق والبول.

هل الإصابة بالفيروس تعني الإصابة بالإيدز؟

حمل الفيروس لا يعني أن الشخص أصبح مريض إيدز، فبالكشف المبكر واتباع إجراءات الوقاية، قد يظل الشخص حاملا للفيروس فقط، أو متعايشا مع الفيروس دون ظهور الأعراض المرضية.

بالنسبة لمصر فالوضع مختلف، فقد أبلغت مصر عن أول حالة إصابة بفيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز) في عام 1986. ومن بين الحالات المبلغ، عنها كانت العلاقات الجنسية هي الوسيلة الرئيسية للانتقال (49.1 في المئة ) ونقل الدم (6.2 في المئة)، وغسيل الكُلى (6.2 في المئة) والعلاقات المثلية (22.9 في المئة). وشكلت معدلات الإصابة بين مدمني المخدرات بالحقن نسبة 20.9 في المئة، وانتقال العدوى من الأم إلى الطفل بنسبة  1.6 في المئة، و5.2 في المئة من أسباب "غير معروفة".

والذكور أكثر عرضة للإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية أكثر من الإناث، ولكن هذا قد يكون راجعا إلى اختبار عدد أكبر من الرجال. وهناك أشخاص آخرون معرضون للإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية في مصر، من بينهم العاملون في المجال الطبي، والسجناء، وأطفال الشوارع، واللاجئون غير الشرعيين.

لماذا سارع الأطباء بتحرير بلاغ رسمي في الشرطة؟

واضح من صيغة البلاغ أنه موجه ضد إدارة المستشفى، وبالتالي فإنه لم يكن من المنطقي أن يتم سلوك الطريق الإداري، كما طلب عميد كلية الطب، كما أن حادثة طالبة طب الأسنان في جامعة الإسكندرية، في شهر آذار/ مارس 2018، ما زال عالقا بالأذهان؛ لأنها رغم شكواها المتكررة من تعرضها لوخز آلة ملوثة بدماء مريض إيدز، إلا أنه لم يستجب لها أحد وقتها. ومن ناحية أخرى، فإنه برغم تصريحات عميد الكلية بأن حالات الطوارئ تكون عاجلة وغالبا لا يتم إجراء التحليلات كاملة، إلا أن هذه المريضة كانت قد خضعت لجميع التحليلات الطبية وتأكدت إصابتها بالمرض فعلا، من خلال الاختبار المبدئي للمرض، ولكن حدث نوع من التراخي من الإدارة، ولم يتم إبلاغ الفريق الطبي لاتخاذ إجراءات التحكم في العدوى لمثل تلك الحالات.

دلالات وتداعيات حادثة مريض الإيدز بمستشفى طوارئ المنصورة

من دراسة هذه الحادثة تبرز عدة نقاط هامة:

أولا: من حق الأطباء الاهتمام بحالتهم الصحية، ومعهم الفريق الطبي كاملا؛ لأن وخز الإبر ينقل الإصابة بفيروس الإيدز، حيث أن الأطباء لا يملكون الإمكانيات المادية لمواجهة العدوى، أيا كان نوعها، خاصة وأن الطبيب المصري ما زال يتقاضى مبلغ 19 جنيها فقط شهريا تحت مسمى "بدل العدوى"، ولن تتم زيادته بأية صورة من الصور بعد حكم المحكمة الإدارية العليا في شهر تموز/ يوليو 2018؛ بإلغاء حكم صادر لصالح الأطباء في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2016..

ثانيا: التوصية بأن يتم اتخاذ كافة الإجراءات كاملة مع جميع المترددين على المستشفيات والمراكز الصحية؛ هو أمر غير متوافق مع واقع الصحة في مصر حاليا، حيث يوجد نقص دائم في جميع التجهيزات والآلات ومستلزمات التحكم في العدوى، من واقيات ومطهرات وغيرها، في ظل نقص الإنفاق الحكومي على الخدمة الصحية، سواء بالنسبة لمستشفيات وزارة الصحة، والتي تبلغ موازنتها 1.2 في المئة من إجمالي الناتج المحلي لعام 18/2019، أو بالنسبة للمستشفيات الجامعية، بحسب تصريحات وزير التعليم العالي في مجلس النواب في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر2017، حيث أعلن أن ما ورد من الحكومة هو مبلغ 1.2 مليار جنيه فقط، وأنها تستكمل احتياجاتها من جمع التبرعات، وأن نصيب المواطن من الإنفاق الصحي هو 150 جنيها سنويا فقط، وهي لا تكفي لتقديم خدمة صحية مناسبة.

وبين الخوف المجتمعي من انتشار مرض الإيدز، من خلال الممارسات الطبية داخل المستشفيات في أقسام الطوارئ وغرف العمليات ومراكز الغسيل الكلوي وغيرها، وبين سعي المسئولين نحو التهوين من خطورة العدوى والتقليل من شأن المرض، سوف يظل المواطن المصري هو الضحية، وصحته مهدرة تحت مطرقة ضعف الإنفاق الحكومي وسندان محاولات استيعاب الكارثة عبر تصريحات تلفزيونية.