قضايا وآراء

#الأطقم_الطبية في مصر أو #المتقاعسون.. برأي رئيس الوزراء

1300x600

نص دستور 2012 لأول مرة في تاريخ الدساتير المصرية على حق المواطن في رعاية صحية بجودة عالية، وكانت موازنة الصحة عام حكم الرئيس مرسي رحمه الله تبلغ نسبة 4.8 في المئة من إجمالي الناتج المحلي، مع وعد رئاسي بأن تزيد بنسبة 1.4 في المئة سنويا لتصل إلى المعدل العالمي، وهو 9 في المئة من الناتج المحلي، بنهاية الفترة الرئاسية، أي بعد أربع سنوات.

ومن ناحية أخرى، كان الاهتمام بالأطقم الطبية في عهد الرئيس مرسي رحمه الله قد بلغ أقصى درجاته، وحيث أن الشغل الشاغل لنقابة الأطباء منذ منتصف الثمانينيات كان المطالبة بالحقوق المالية للأطباء وتحقيق الأمان المالي لهم في عملهم، فقد جاءت موافقة مجلس الشورى المبدئية في شهر حزيران/ يونيو 2013 على مشروع قانون #كادر_المهن_الطبية ليشمل جميع العاملين في المجال الطب بمن فيه الإداريين، وتم تحديد الجلسة العامة بمجلس الشورى للموافقة النهائية في منتصف شهر تموز/ يوليو 2013، ولكن جاء #الانقلاب_العسكري في 3 تموز/ يوليو بخطوة استباقية، حيث تم حل مجلس الشورى وبالتالي إجهاض بارقة الأمل للأطباء وزملائهم في حياة كريمة. في السنوات التي تلت الانقلاب تراجعت الصحة إلى خلفية الاهتمامات الفعلية، برغم كثرة التصريحات والدعاية الإعلامية.

وبالرغم من أن دستور 2014 نص على موازنة للصحة بنسبة 3 في المئة من الناتج المحلي تزداد سنويا لتبلغ المعدل العالمي، إلا أن الأرقام توضح العكس والنقيض تماما، حيث تراجعت النسبة إلى 1.8 في المئة عام 2014، وبدأت في التراجع لتصل اعتمادات موازنة الصحة في العام الماضي (2019/2020) إلى 1.1 في المئة فقط من الناتج المحلي.

وهنا نلاحظ لجوء الحكومة إلى حيلة إحصائية بإضافة مخصصات مستشفيات الجيش والشرطة، أيضا المياه والصرف الصحي، إلى أرقام موازنة الصحة، لتصل ظاهريا وبصعوبة بالغة إلى قرابة نسبة الـ3 في المئة الواردة بدستو 2014، وإن كان المفروض أن تبلغ النسبة العالمية بعد مرور ستة سنوات في 2020. وهذا ينعكس بالتالي على الإنفاق الحكومي على الصحة، والذي بلغ 30 في المئة فقط من إجمالي الإنفاق الصحي لمصر بحسب منظمة الصحة العالمية. ونظرا لنقص التمويل الحكومي للصحة، فقد كان من المتوقع عدم وجود خطة صحية أو استراتيجية مستقبيلة، وهذا يفسر ويوضح فكرة الإعلان عن ما يسمى #المبادرات_الرئاسية كل فترة.

ومن المؤسف أن تلك المبادرات تعتمد في المجمل على القروض والديون الخارجية، مثال #مبادرة_100_مليون_صحة والممولة بقرض من البنك الدولي قدره 530 مليون دولار، بما يوازي قرابة عشرة مليارات جنيه مصري، وتشمل عدة محاور منها فيروس سي والأمراض غير السارية، مثل السكري والسمنة والتقزم، ومخصصات أخرى لتنظيم الأسرة وتطوير عدد قليل من وحدات ومستشفيات الصحة. وبجانب القروض كان التركيز على التبرعات في وعاء سيادي هو صندوق تحيا مصر، وينفق على جوانب أخرى مثل مراكز الغسيل الكلوي وغيرها.

ومن المعروف أن القروض والتبرعات وإن كانت تفيد وقتيا لتحقيق بعض حالات النجاح، إلا أنها لا تضمن الديمومة ولا الاستمرارية، وهما من أساسيات الخدمة الصحية الجيدة، وبهما يتم تقييم مستوى الصحة في أية دولة بحسب حجم الإنفاق الحكومي الدائم والمستمر.

والدليل على ذلك هو إعلان منظمة الصحة العالمية عن مؤشر الرفاه لعام 2019، وفيه جاءت مصر والعراق من أسوأ عشرين دولة على مستوى العالم في الرعاية الصحية. وكان ضعف الإنفاق الحكومي على الصحة من أهم البنود العشرة لتعييم الأداء الصحي لدول العالم.

واستمرارا لمشكلة عجز التمويل الحكومي للصحة، فقد بدأ وباء كورونا ينتشر في العالم كله، في حين كان الخطاب الرسمي المصري يتغافل عن الوباء وعن مدى خطورته.

وجاءت مشكلة الكوادر البشرية لتعبر بقوة عن فشل وهشاشة المنظومة الصحية تحت قيادة الانقلاب.

فمنذ إلغاء قانون كادر المهن الطبية عام 2013، قامت الحكومة بعدها بإصدار ما يسمى حافز المهن الطبية، حيث يتم منح مبلغ مالي ثابت لكل فرد من أعضاء الأطقم الطبية بحسب وظيفته (تتراوح بين 400 و800 جنيه شهريا)، في حين ظل بدل العدوى للأطباء كما هو بقيمة 19 جنيها مصريا، أي ما يعادل 1.2 دولار فقط شهريا، حيث تصدت الحكومة بقوة لإسقاط حكم قضائي برفع بدل العدوى.

وكانت ظاهرة هروب الأطباء للخارج هي البديل المتاح أمام أطباء مصر، فرارا من سوء الأوضاع وفساد بيئة العمل الصحية في زمن السيسي، لتصل نسبة هروب الأطباء إلى 60 في المئة، كما أعلنت وزيرة الصحة في تموز/ يوليو 2018، وما زالت النسبة في زيادة مستمرة وبدت واضحة منذ عام 2016. وبلغ عدد الأطباء المستقيلين من الحكومة رقما كبيرا يقدر بـ3500 طبيب، بحسب بيان نقابة الأطباء لعام 2019 فقط.. وبإجمالي يصل إلى عشرة آلاف طبيب استقالوا من الحكومة خلال السنوات الست الماضية.

وما زالت جائحة كورونا تبرز عددا من المظاهر المقلقة عن خطورة الانهيار في الفريق الطبي، حيث كثرت شكاوى الأطباء والتي رفعتها النقابة العامة إلى مجلس الوزراء في ست محاولات متتالية، شملت نقص الأدوات والآلات والمستلزمات والواقيات، ونقص التدريب والتأهيل لمواجهة الجائحة، وفساد بيئة العمل بما فيها من بوتوكولات ونظم مجهدة ومربكة للأطباء وجميع أعضاء الأطقم الطبية.

وحين خرج السيسي ليعلن منح الأطقم الطبية زيادة 75 في المئة في حافز المهن الطبية، فقد جاءت التصريحات لمجرد اللقطة الإعلامية، حيث أن الحافز نفسه مرتبط بأصل الراتب، وهو مبلغ قليل، بما يعني أن نسبة 75 في المئة الزيادة تلك لن تتجاوز 30 دولارا شهريا على أحسن الاحتمالات، في حين توقف بدل العدوى للأطباء عند حاجز 19 جنيها، أي ما يوازي دولارا واحدا وربعا شهريا.

وفي لقاء نقيب الأطباء مع رئيس الوزراء في بداية شهر حزيران/ يونيو الجاري، كانت الصورة واضحة بالنسبة لمطالب الأطباء العاملين، وتشمل توفير مستلزمات التحكم في العدوى بالمستشفيات، والتدريب، وتحسين بروتوكولات أداء الخدمة ومنها ساعات العمل، وضرورة إجراء مسحات بعد انتهاء فترة العمل بمستشفيات العزل الطبي لمرضى كورونا لضمان السلامة الشخصية، والتأكد من عدم نقل العدوى إلى الأسرة والمجتمع، وتوفير أماكن عزل طبي لأفراد الأطقم الطبية المصابين بعدوى كورونا. بالاضافة إلى طلب خاص بمن توفاهم الله، وهو أن يتم تعديل القانون رقم 16 لسنة 2018 الخاص بشهداء الجيش والشرطة، بحيث يشمل شهداء الأطقم الطبية في مواجهة وباء كورونا، حيث وصلت وفيات الأطباء إلى 4 في المئة من إجمالي الوفيات في مصر، وهي أعلى نسبة عالميا.

ولم يرد شيء عن قضية اعتقال عدد من الأطباء بتهمة نشر الشائعات؛ لأنهم تناولوا بعض المشاكل حول كورونا على وسائل التواصل الاجتماعي.

وعلى غير المتوقع، فقد فوجئ الجميع بتصريحات رئيس الوزراء الصادمة، والتي يتهم فيها الأطباء بالتقاعس والتقصير وأنهم تسببوا في زيادة نسبة الوفيات.

وأخيرا جاء المشهد الصادم بالحصار الأمني لمبنى النقابة العامة للأطباء في القاهرة، ومنع النقيب ورفاقه من عقد مؤتمر صحفي للرد على اتهامات الحكومة وعرض مطالب الأطباء العادلة.

واليوم تبدو الصورة الواضحة على مدى التعسف والتنمر من النظام المصري ضد الأطباء، مما يزيد من الضغوط النفسية عليهم، في وقت يقوم فيه العالم أجمع بالإشادة بدور الأطقم الطبية وتكريمهم والاهتمام بهم.