كتب

وصف الأرض المقدسة في بلاد الشام.. شهادة حية لرحالة ألماني

عندما نقرأ يوميات رحلة بورشارد ندرك جيدًا إلى أي مدى كان "الكتاب المقدس" في حاجة إلى الطوبوغرافيا..
عندما نقرأ يوميات رحلة بورشارد ندرك جيدًا إلى أي مدى كان "الكتاب المقدس" في حاجة إلى الطوبوغرافيا..
الكتاب: "وصف الارض المقدسة"
المؤلف: الرحالة الألماني بورشارد من دير جبل صهيون
ترجمة وتعليق: سعيد البيشاوي
الناشر: دار الشروق للنشر والتوزيع، 2016


في القرن الثالث عشر من الميلاد، جاب الرحالة الألماني بورشارد أو بروكارد أو بروخارد ـ الذي اقترن اسمه بجبل صهيون ، بسبب إقامته على هذا الجبل عشر سنوات أو أكثر، ولكن يبدو أنه لا يوجد دليل إيجابي (مقنع) يؤكد ذلك ـ الأراضي المقدسة، وعرض بورشارد سيرة رحلاته في الأرض المقدسة (ومنها سوريا) وفي أرمينيا في ظل سيطرة المغول، في مؤلف له بعنوان "وصف الأرض المقدسة" تضمن مؤلفه تسجيلاً لطبيعة الأرض المقدسة وعمرانها ومدنها الأساسية وآثارها وخصوصاً فلسطين التاريخية ومعالمها المقدسة. وعلاوة عليه فإنه وصف نباتاتها وحيواناتها، كما قام بعرض لشتى الفرق الدينية فيها.

أشار مترجم النسخة الإنجليزية لرحلة بورشارد إلى أن الرحالة كان واسع الإطلاع، فقد "نقل عن هوراس [هوراس Horace : هو شاعر روماني عاش في الفترة الواقعة بين سنتي 65 ـ 8 ق.م] وكذلك عن جيروم ويوسيباوس". وما كتبه المؤرخ اليهودي يوسيفوس فضلاً عن قراءته لقصائد الشاعر الروماني هوراس.

وإلى جانب ذلك كان بورشارد مطلعًا على ما كتبه معاصروه، فعلى سبيل المثال اعتمد على جاك دي فيتري في كتاب تاريخ الشرق، واستمد منه كثيرًا من المعلومات، ولعل كل ذلك جعل وصفه الأرض المقدسة متميزًا عما سبقه من الرحالة الأوروبيين، الأمر الذي جعل الرحلة اللاحقين يعتمدون عليه في كثير من الأمور، وخاصة الرحالة مارينو سانوتو. وقد اعتبرت رحلته من أفضل رحلات الوصف التي قام بها حاج في القرن الثالث عشر الميلادي. وعلاوة على ذلك أصبحت رحلة بورشارد إحدى أعظم رحلات الوصف في أواخر العصر الوسيط.

الدوافع الحقيقية للرحلة

كتب بورشارد وصفه للأرض المقدسة، لحث الحجاج المسيحيين "لمشاهدة الأرض المقدسة وزيارتها حيث توجد كل كنائس المسيح التي أخبرنا عنها.. وقد وقر الاتباع الكبار قدس الأقداس، لأن تابوت العهد، كان يوجد وكأنه الملاك الجميـل مع الغطـاء الذهبي، والمن (الذي أنزل على بني إسرائيل)، والعصا التي أزهرت، كل هذه كانت أنواعا لأشياء موجودة. أليس ضريح المسيح أحق بأن يكون له مقام رفيع وشأن أكبر بالنسبة لنا، والذي بأي وقت يدخل به الإنسان، فإنه يراه عدة مرات في خياله قابعا متدثرا في الملابس الكتابية؟

وعندما يذهب المرء لأبعد من ذلك بقليل، فإنه يرى الحجارة تتدحرج، ويرى الملائكة تجلس هناك، ويبين للنساء منديل المائدة وبه الكفن. ولذلك فإن أي مسيحي عندما يرى هذه (الأشياء)، فإنه سوف لا يتعجل في القدوم إلى بيت لحم، لرؤية الطفل الرضيع يبكي في المذود، وقد أحضرته مريم العذراء لتضعه في الفراش (السرير) الموجود في المنزل الواقع تحت الصخرة المجوفة، التي يمكن رؤيتها في هذه الأيام، وتغني الملائكة بتسابيح للإله وسلام للرجال بحضور الكاهن، والأعجب من هذا كله، رؤية المجوس الثلاثة يركعون بعظمتهم أمام المذود، من غير أي مظلة فوق رؤوسهم تحميهم من الصخرة المتدلية؟

ثم دعه يعود إلى بيت المقدس حيث يمكن سماعه ورؤيته يعظ في المعبد، يعلم أتباعه الحواريين على جبل الزيتون يتناول طعام العشاء في جبل صهيون، يغسل أرجل أتباعه، معطيا لهم جسده ودمه، مصليا في الجسمانية ينزف دمًا، يقبل خائنه، يمشي مسحوبًا إلى السجن ببطء وتثاقل يتحدى بازدراء، يبصق، يحكم، يحمل صليبه، ينزل تحت ثقل الصليب بمساعدة سمعان القوريني أمام بوابة المدينة التي يمكن رؤيتها لغاية هذا اليوم، ومن أجل مصلحتنا يحتفل بالطقوس الدينية السريـة لآلامه فـي الجلجلـة (الموضع الذي صلب فيه) . إن الذكرى لكل واحدة من هذه الأماكن لا تزال تامة ومكتملة مثلما كانت عليه في ذلك اليوم، عندما حدثت هذه الأشياء هناك".

يشتكي بورشارد في رحلته، من "قلة حماس الشعب المسيحي، الذي أمامه عدد كبير من الأمثلة في هذه الأيام، ولكنه يتردد في انتزاع تلك الأرض من أيدي أعدائه، وهي الأرض التي قدسها عيسى المسيح عليه السلام بدمه، والذي ما تزال تسابيحه تغنى يوميا من قبل الكنيسة في كل أنحاء العالم".

الواقع أن الدافع الحقيقي لكتابة هذه الرحلة، هو، أن "بعض أولئك المسيحيين الذين تسيطر عليهم رغبة ملحة لتكوين فكرة معينة في مخيلتهم عن تلك الأشياء التي لا يستطيعون رؤيتها بأنفسهم. وفي نفس الوقت تدفعهم فكرة راسخة لتنفيذ رغباتهم الشديدة الخاصة برسم صورة واضحة (عن الأماكن المقدسة). ومن أجل ذلك فكرت بالأمر بقدر استطاعتي، وحسب مقدرتي، ودونت ملاحظات دقيقة، ووصفت الأرض المقدسة، بعد جهد كبير، وفي كل مكان مررت به، ولهذا أريد أن أقول للقارئ إنني سجلت في وصفي هذا أشياء غير ذات أهمية، وقد احتفظت بما شاهدته بنفسي في حينه، وفي نفس موقع (المشاهدة)، وفي حالة عدم تمكني من الوصول إلى موقع (من المواقع) فإنني كنت أشاهده من فوق بعض قمم الجبال المجاورة أو الأماكن القريبة بقدر استطاعتي، وقمت بتسجيل الإجابات التي حصلت عليها من النصارى المحليين أو المسلمين، أو أي بشر في الأرض كنت أسألهم (عن بعض الأماكن). وفي واقع الأمر، فقـد سرت مشيا على الأقدام في كل أنحاء الأرض (المقدسة)، التي تمتد حدودها من دان إلى بئر السبع، ومن البحر الميت إلى البحر الأبيض المتوسط، وقمت بالاستفسار الجاد عن الأماكن التي لم استطع الوصول إليها".

أقام الرحالة الألماني بورشارد في الأراضي المقدسة عشر سنوات. وتكمن أهمية هذا الكتاب في أن مؤلفه تطرق لجميع مظاهر الحياة الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية والسياسية في بلاد الشام في تلك الفترة من الحروب الصليبية، فضلاً عن أنه استقر فترة طويلة في الأرض المقدسة، وتجول في مختلف دروبها ومسالكها ووصف مدنها وقراها وقلاعها وأنهارها وعيونها.

التقسيمات الجغرافية

اختار بورشارد نقطة مركزية، ومن ثم إعداد البلاد كلها وترتيبها من حولها، وفق تنظيم صحيح، ولقد وقع اختياره على مدينة عكا لتكون هي المركز، لأنها معروفة أكثر من أي مكان آخر، ومع هذا فإن هذه المرينة ليست واقعة في وسط البلاد، بل هي قائمة على شاطئ البحر في الجزء الغربي من حدودها. ثم قمت برسم أربعة خطوط للزوايا الأربع في العالم، وقمت بتقسيم كل زاوية إلى ثلاثة أجزاء، بحيث تحاكي نهاية هذه التقسيمات الاثنتي عشرة ، الجهات الاثنتي عشرة للجنة. وقد أوضحت في كل من هذه التقسيمات المدن والأماكن المذكورة في الكتاب المقدس، ويمكن بهذا تسهيل إيجاد موضع كل مكان وموقع في العالم.

وقد أستمد الحجاج الحجاج الناجحون من بورشارد التقسيمات الجغرافية المتبعة لفلسطين، وسوريا والجزيرة العربية، وقد انتقد مترجم النسخة الإنجليزية لرحلة بورشارد هذه التقسيمات بقوله: "إن وصف بورشارد للأرض المقدسة بواسطة عدة خطوط وتقسيمات تتشعب من مدينة عكا، ترتيب لا يميل إلى الوضوح والتحديد، لكن هذا الترتيب كان قد نسخ على نحو متصل مع كثير غيره من قبل الرحالة مارينو سانوتو".

عندما نقرأ يوميات رحلة بورشارد ندرك جيدًا إلى أي مدى كان "الكتاب المقدس" في حاجة إلى الطوبوغرافيا، لتأكيد روايات مُتخيلة، وخلق تواصل جغرافي بين قصص "التناخ" ورؤى الأنجيل، وكان يعزز ذلك بتلفيق تاريخ "كتابي" إلى المباني القديمة في المناطق التي زارها!

الثمار والحيوانات في الأرض المقدسة

أشار بورشارد إلى الأشجار المثمرة والحبوب والخضروات التي اشتهرت بها الأراضي المقدسة أثناء فترة الوجود الصليبي فيها، وذكر أن "الأراضي المقدسة خصبة وغنية جدا بالقمح، الذي يزرع وينمو دون أدنى جهد. كما تجود الأرض بالعديد من الأعشاب الطبية، أو العطرية: الشومر، والمريمية، والسذاب، والورود التي تنمو في كل الأراضي المنبسطة التي تلائمها. وينمو القطن من شجيرات معينة ، يبلغ ارتفاعها ركبة الرجل، وتشبه أوراقها (أوراق شجيرات القطن) أوراق العنب، ولكنها أصغر منها، وينمو فوق هذه الأوراق القرنات Pods."

 وأمدنا بمعلومات هامة عن أهم الصناعات التي تعتمد على المنتجات الزراعية، فذكر صناعة السكر وشرح المراحل التي تمر به هذه الصناعة، فضلا عن انفراده بذكر طواحين السكر التي أقامها الصليبيون في الأراضي المقدسة. وهناك بعض الفاكهة تبقى على الأشجار طوال العام (على مدرا السنة)، ويستطيع المرء أكلها في جميع فصول السنة.

ويجد المرء على الأشجار بنفس الوقت أزهارا وثمارا نصف ناضجة، (وأخرى) ناضجة، وثمارا أكثر من ناضجة، وهكذا فإن لديهم في بعض الأحيان أربعة أصناف من الفاكهة مع بعضها. ومن هذه الثمار ما يسمى البرتقال، والليمون، وتفاح آدم. وهناك أيضا فاكهة تدعى الخوخ يتم تصنيعها وحفظها في عكا بطريقة فائقة وجيدة. وهناك أيضا نوع آخر من الفاكهة يدعى الجنة (الموز)، وهو فاكهة لذيذة جداً. ويوجد كثير من كروم العنب في الأرض المقدسة، ويعتبر نبيذ الأرض المقدسة (من النوع) الجيد والمشهور جداً.

ويكثر في الأرض المقدسة التين والرمان والعسل، والزيت والخصراوات بجميع أنواعها مثل الخيار والقرع وفاكهة أخرى عديدة. وهناك توجد بوفرة الخنازير البرية، وإناث الظبي، والأرانب البرية  والجمل والسمان التي من الرائع رؤيتها، وهناك العديد من الأسود، والدببة، وأنواع مختلفة من الحيوانات البرية. وعلاوة على ذلك، هناك أعداد غير محدودة من الجمال والجمال العربية وحيدة السنام، والُمُهر، والجواميس، وباختصار، ويوجد هناك كل الأشياء الجيدة في العالم.

الأديان المختلفة في الأراضي المقدسة

يقيم في الأراضي المقدسة رجال من جميع الأمم التي (تقطن) تحت السماء، وكل واحد منهم يتبع مذهبا خاصا. وللحقيقة فإن رجالنا اللاتين هم الأسوأ من جميع أهل الأرض. وبالإضافة إلى اللاتين يوجد المسلمون، والسريان وهم مسيحيون وجميع الأرض مليئة بهم، واليونان فهم من المسيحيين أيضا.

وهناك أيضا الأرمن، والجورجيون، والنساطرة واليعاقبة، والكلدانيون المديون، والفرس والأثيوبيون، والمصريون، وعديد من الشعوب الأخرى الذي يعتنقون المسيحية. وأعداد هؤلاء غير محدد. وعلى أي حال، يوجد المدينيون في الأرض المقدسة، ويطلق عليهم الآن اسم البدو والتركمان.

ذهب ج. س.م لورانت إلى القول بأن بورشارد نفسه قد أخرج الكتاب مرتين، ففي المرة الأولى قدمه كنشرة خاصة أخذت شكل رسالة مرفقة بخريطة، وقاد نجاح هذه النشرة إلى إخراج نسخة مصححة نشرت على شكل كتاب، وظهر منذ ذلك الحين تعارض عظيم في النص، وذلك عندما نقارن طبعة منه بأخرى.

صدرت ترجمتان عربيتان لرحلة بورشارد؛ الأولى أنجزها د. سعيد عبد الله البيشاوي عام 1994، وصدر منها عدة طبعات (دار الشروق، عمان). والثانية صدرت عام 1999 (دار الفكر العربي، دمشق)، وأنجزها د. سهيل ذكار، في الجزء السابع والثلاثون من الموسوعة الشامية في تاريخ الحروب الصليبية تحت عنوان : "رحلات غربية (1187 ـ 1350) ".

*كاتِب وباحِث فلسطيني
التعليقات (0)
الأكثر قراءة اليوم