أفكَار

إرث جودت سعيد أو "غاندي العرب" في عيون أنصاره ومخالفيه

نقاش فكري هادئ لأطروحات المفكر السوري الراحل جودت سعيد
نقاش فكري هادئ لأطروحات المفكر السوري الراحل جودت سعيد

بعد وفاة المفكر السوري، جودت سعيد، يوم السبت 29 يناير/كانون الثاني 2022، تجدد الجدل حول أفكاره وآرائه الإشكالية، بين مشيد بفكره ومؤيد له، وبين منتقد لأفكاره ورافض لها بشدة إلى درجة تضليله، بل وإخراجه من دائرة الإسلام، والحكم عليه بالردة.

عُرف سعيد بأنه داعية (اللاعنف) وغاندي العالم العربي، وهي الدعوة المركزية التي كرس كتاباته وأبحاثه وأحاديثه للدعوة إليها والتبشير بها، والتحذير من خطر العنف والمواجهات المسلحة، وهو ما أثار عليه الكثيرين باعتبارها فكرة غارقة في المثالية.

للمفكر السوري عدة كتب ومؤلفات، عالج فيها جملة من الأفكار المتعلقة بالفكر السنني، وفاعلية الإنسان، وعوامل نهوض الحضارات وانهيارها، وفلسفة التاريخ، وأهمية القراءة والفكر في صناعة الإنسان وتغيير ما بنفسه وسلوكياته، من أشهرها "حتى يغيروا ما بأنفسهم"، "اقرأ وربك الأكرم"، "مذهب ابن آدم الآول"، "الإنسان حين يكون كلا وحين يكون عدلا"..

اللافت في أطروحات سعيد وآرائه أنها قُوبلت في أوساط إسلامية واسعة بمواقف جذرية رافضة، لم يجد أصحابها سبيلا لحملها على تأويلات سائغة ومقبولة، حسب منتقديه ومهاجميه، فإذا كان الأمر كذلك، فما هي تلك الأفكار التي عرضت صاحبها لذلك السيل من التضليل ورميه بالزندقة؟ وهل هي حقا مصادمة لأصول ومبادئ شرعية ثابتة، ولا يمكن بحال قبولها بأي وجه من وجوه التأويل السائغ؟

وتعليقا على الجدل الدائر حول أفكار سعيد، وصف الباحث السوري، المتخصص في العلوم الشرعية، أحمد زاهر سالم جودت سعيد "بأنه صاحب آراء هدامة ومناقضة للتمسك بالكتاب والسنة، ومن يريد تفريغ الإسلام من محتواه، وتقديم إسلام جديد يختلف عن الإسلام المنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وتلقيناه بالسند المتصل".

 

                       أحمد زاهر سالم.. باحث سوري في العلوم الشرعية

وأضاف: "لقد تضخمت عند الأستاذ جودت ما يسميها آيات الآفاق والأنفس، فجعلها حاكمة على آيات الكتاب والسنة، وأسلم لها مفاتيح النسخ لآيات الكتاب والسنة، ويدعي بجهل وغرور أن آيات الآفاق والأنفس قطعية، وأن آيات الكتاب والسنة ظنية احتمالية، وقد أخطأ في الأمرين معا"، على حد وصفه. 

وواصل سالم حديثه لـ"عربي21" بالقول: "هذه الدعاوى خروج عن منهج العلم والفكر الإسلامي، وهو ضلال مبين ينافي الاحتكام للكتاب والسنة، وينافي التسليم لهما.." متسائلا: "فيا عجبا كيف يُدعى هذا الرجل بالمفكر الإسلامي بعد كل هذه الجرأة في الخروج عن آيات الكتاب والسنة، وتقديم آيات الآفاق والأنفس عليها"؟

واستدل سالم على ذلك ببعض أقوال سعيد التي قالها في حوار مسجل معه، منها قوله: "المسلمون يخافون من التأمل في آيات الأنفس والآفاق؛ لأنها قد تؤدي إلى نسخ ما عندهم من آيات الكتاب، وأنا أقول لا حرج في ذلك، لأن آيات الأفاق والأنفس ستأتينا بوحي جديد أهم من الكتاب، ولا يبقى من آيات الكتاب إلا ما شهدت له آيات الأنفس والآفاق".

وتابع ومنها قوله: "الكتاب والسنة لم يكن يعطي شيئا حتى الآن، عندما قال القرآن والسنة قالوا (لا تزنوا) لكن لم يعط شيئا، ولكن آيات الآفاق والأنفس عندما تقول (لا تزنوا) لأن هناك مرض الإيدر، فهذا يجعلني أرتجف، فصارت بعد هذا آيات الكتاب ليس لهو لزوم". وتصريح جودت سعيد بقوله: "إن آيات الأنفس والآفاق هي التي تحكم على آيات الكتاب: هي التي لها حق نسخ آيات الكتاب، وصحيح أنني الآن متمسك بها، ولكن قد يأتي يوم تقوم آيات الآفاق والأنفس فتنسخ كل شيء عندنا من آيات الكتاب، ولا حرج في ذلك..". 

ووفقا للباحث السوري سالم فإن "من أخطر ما قاله جودت وعلمه لتلاميذه اتهام علماء الأمة سلفا وخلفا المفسرين والمحدثين، وأئمة المذاهب الفقهية الأربعة وغيرها بأنهم لم يفهموا الإسلام، وأنهم قضوا عليه، وأن الإسلام لم يطبق إلا في عهد الخلفاء الراشدين، وأن الفقهاء ليسوا هم ورثة الأنبياء، وأن كتب التراث سبب تخلفنا، يقول ذلك بعبارات شنيعة، يستحي منها كل من شدا طرفا في العلم، وعرف شيئا من الكتاب والسنة، وتاريخ الأمة ودرس وفهم أصول الفقه وأصول الحديث وغيرها". 

ولفت الانتباه إلى أن "بعض الناس يحصر الإشكال في فكر جودت سعيد في فكرة اللاعنف، وهذا تقزيم للموضوع ففكر الرجل أخطر من ذلك وأشنع، وما تحمله فكرة اللاعنف من مخالفات شرعية واضحة ورد للنصوص إنما هي فرع انفلات الرجل من المنهجية العلمية السديدة، وانتفاخ الأنا عنده انتفاخا، جرأه أن يقول: إن المفسرين والفقهاء قضوا على الإسلام، ولم يفهموه".  

من جهته قال الكاتب والباحث البحريني، أحمد الديري: "الفكرة المركزية في أطروحة جودت سعيد هي فكرة "اللاعنف"، وهذه الفكرة لكونها تصطدم مع مفهوم الجهاد، واستخدام القوة عند الجماعات الإسلامية التي ترى أن الإسلام قائم على استخدام القوة والسيف والعنف، وهي التي حملتهم على مهاجمته بقسوة وشدة، ودفعتهم لإغلاظ القول عليه". 

 

                            أحمد الديري.. باحث بحريني

وأضاف: "هم لا يرون أنه يستند في فكرته تلك إلى أصول وأسس شرعية، وهي الفكرة التي ينازعه فيها بشكل حاسم وقوي كل الذين يرون أن القوة هي العنصر الأساسي والمركزي في نشر الإسلام وإقامته".
 
وتابع لـ"عربي21": "أنا لا أريد الدفاع في هذا المقام عن جودت سعيد، ولكنني أود توضيح أن فكرة الجهاد واستخدام القوة لا تنتمي إلى أصول الدين، وهي ليست من أركان الإسلام والإيمان التي نعرفها جميعا، على عكس بعض الجماعات التي جعلت من مقتضيات الإيمان الولاء والبراء، والبراءة تقتضي استخدام العنف، وأن تتبرأ من الذين لا يؤمنون بالإسلام ليس بقلبك ولا بيدك فحسب، وإنما كذلك بيدك بالقوة والعنف". 

ولفت إلى أن "جودت سعيد قدم في أطروحاته قراءة أخرى لهذه القضية، تتمحور حول أن الإسلام قام على الرحمة، وأنها تقتضي عدم استخدام العنف (لا إكراه في الدين)، فهو قام بإعادة تأويل الحياة، أي البحث عما هو حي في الإسلام، وينحاز إلى الحياة، وهو ما قاده إلى الدعوة إلى (اللاعنف)". 

وقال: "من حق المخالفين لجودت سعيد أن يقدموا قراءاتهم التي يرون فيها أن الإسلام يوجب استخدام القوة والجهاد، ولكن تقديم قراءة أخرى تتمحور حول استبعاد فكرة القوة والعنف والجهاد في الدعوة للإسلام في واقعنا المعاصر لا تضر بالإيمان، بل ربما تخدمه بشكل أفضل، ولك أن تختلف مع جودت سعيد في ذلك، ولكن لا يقتضي منك هذا موقفا عنيفا، واستخدام المفردات العنيفة". 

ونبه الديري إلى أن "من مقتضيات فكرة (اللاعنف) التي كرس جودت سعيد كتاباته وأحاديثه وحياته لنشرها، هو القضاء على المعارك والصدامات المنتشرة بين المذاهب الإسلامية المختلفة، بل ربما أضحت تلك المعارك موجودة داخل المذهب الواحد، للأسف". 

بدوره قال الباحث اليمني، وسام العامري: "ما دفع بعض المعترضين لمهاجمة جودت سعيد دعوته المركزية لفكرة (اللاعنف) المطلق وبلا اعتدال، فمنهم من ضلله، ومنهم من كفره، وأنا لا أرى التضليل والتكفير مقبولا ولا مناسبا، مع خطأ الرجل في ذلك، فهذه الفكرة ليست واقعية، وهي مفرطة في المثالية". 

 

                             وسام العامري.. باحث يمني

وتابع: "هذه الفكرة تتعارض بشكل صريح مع سنة التدافع التي أقام الله عليها عمرانه البشري، ضمن جملة السنن الكونية التي يسير الله بها الكون والخلق، فإطلاق الفكرة هكذا جعلها غير مستساغة عند الكثير من الناس". 

ولفت العامري في حواره مع "عربي21" أنه "بعد قراءته لبعض كتب جودت سعيد أعجب به وبفكره، لكنه بعد أن استمع لبعض مرئياته المتأخرة وجدته يسفه الآخرين، ويخاطبهم بقوله أنتم لا تفهمون، وأنتم لا تعرفون، وهذا مقتل للمفكر، ويجعل الناس ينفرون منه، ولا يتقبلون كلامه". 

وختم حديثه بقوله: "وهذا ما جعلني أتحفظ على بعض أفكاره، وعلى أسلوبه، بعد أن أثنيت عليه في بعض مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة فيما يتعلق برده للنصوص المشرعة للقتال والجهاد لرد الظلم والطغيان الذي يقع على المسلمين من قبل أعدائهم، فكيف يتجرأ مثل جودت سعيد على فعل ذلك، وهو ما يجعل من الصعوبة بمكان الدفاع عنه، لكن الرجل أفضى إلى ما قدم، ودورنا انتقاد أفكاره وآرائه، وبيان ما أخطأ فيه". 


التعليقات (3)
أبو العبد الحلبي
الأحد، 20-02-2022 07:36 ص
توجد حملة أو هجمة غير مسبوقة من أشرس أعداء أمتنا منذ سبعينات القرن الماضي حتى اليوم و تتضمن عدة مسارات من أبرزها : هدم التعليم ، هدم الأسرة ، الطعن بعلماء الإسلام " السني تحديداً" الذين يمكن أن يتأهلوا ليكونوا قادة فكريين و سلوكيين للجماهير أو قدوة أو مرجعية و العمل على تهميشهم بما يمنع التفاف الناس حول أفكارهم . طرح الأستاذ المفكر جودت سعيد - رحمه الله – أفكاراً متعددة بناها بفضل الله ثم من مطالعاته و من اتصاله بالعلماء و من خلال فهم دقيق للوقائع الجارية و من خلال إدراك جيَد للأحكام الشرعية المراد تنزيلها على الوقائع و من خلال نظرة عقلانية لأحابيل السياسة و أفخاخها المرسومة من استعمار خبيث لا يرحم . حين يطرح عالم أفكاراً و يعترض بعض الناس على جزء منها فالأصل أن يكون الرد على الفكرة بفكرة من دون الاعتبارات الشخصية "المتشنجة" و أن يكون هنالك أدب في الحوار و جدال بالتي هي أحسن . عندما انطلق قطار ثورات الربيع العربي ، تمنى الكثيرون من كبار السن أن لا تكون سوريا إحدى محطاته لتوقعهم بأن العصابة الطائفية المتحكمة ستمارس أقصى درجات الإجرام ، و بضغط من هؤلاء الكبار استمرت الثورة سلمية لعدة شهور . لكن الاستفزازات الهائلة من طرف العصابة أدت لانشقاق عناصر عسكريين فشكَلوا الجيش السوري الحرَ ، و لسوء أداء الجيش الطائفي صارت مناطق سيطرته تتهاوى و كان ذلك فيه إغراء و استدراج لبسط سيطرة أحرار و فصائل ثورية ناشئة عليها . في ذلك الوقت ، تلقى هؤلاء نصائح من مخلصين بعدم التشبث بأي أرض و إذا كان لا بدَ من معركة فلتكن حرب عصابات ثورية فيها كرَ و فرَ على مستوى سوريا جميعها . لكنهم لم يستمعوا النصائح لأسباب يطول شرحها . صار كثيرون ينظرون للثورة كوسيلة لتغيير المجتمع عن طريق إزاحة رأس العصابة و الدائرة من حوله فقط ، و كان هذا تفكير خاطئ مائة بالمائة . من الغريب ، أن كثيرون لم يهتموا بالطريقة التي اتبعها رسول الله صلى الله عليه و سلم في تغيير المجتمع و التي كانت سلمية تماماً فلقد امتنع و صحبه عن استعمال السلاح 13 عاماً في فترة مكوثهم في مكة المكرمة مع أنهم أبطال صناديد يمتلك كل واحد منهم سلاحاً شخصياً يماثل أي سلاح لدى أي كافر معادي. كانت هنالك استفزازات كثيرة من جانب الكفار لاستدراج الفئة المؤمنة لمواجهة غير متكافئة ، لكن ردود الفعل كانت فقط الحثَ على الصبر "صبراَ آل ياسر فإن موعدكم الجنة" . كان النبي يقوم ببناء الرجال الأفذاذ الذين ستوكل لهم المهمات الصعبة فيما بعد فأوجد الكفاءة و الأهلية و كان في هذه العملية نجاح منقطع النظير . لو لم يكن للأستاذ جودت سوى هذا القول الذهبي (( لا يجوز الوصول إلى السلطة والحكم بالقوة وبالسيف، فكل من أخذ بالسيف، بالسيف يهلك، والتغيير بالقوة لا يغير المجتمع وإنما يذهب هرقل ويأتي هرقل)) لكفاه . بعد سكون العواطف المشحونة ، أدرك الكثيرون من نخبة سوريا أنه لا فرق حقيقي بين بشار و "قواد" الكثير من الفصائل و أنه من الحمق الاستجارة من الرمضاء بالنار . هل يقبل دين أو عقل أو منطق أن يتم استبدال "طاغية" ب "بطاغية" بتغيير مظهر مع بقاء الجوهر ؟؟؟
إبراهيم عمار الرحماني
السبت، 19-02-2022 07:40 م
ورد في الأثر : ( إذا أحب الله قوما منحهم العمل ومنعهم الجدل ، وإذا أبغض الله قوما منحهم الجدل ومنعهم العمل ) . على مسلمي اليوم التفكير مليا في هذه المقولة .
إبراهيم عمار الرحماني
السبت، 19-02-2022 06:53 م
ورد في الأثر : ( إذا أحب الله قوما منحهم العمل ومنعهم الجدل ، وإذا أبغض الله قوما منحهم الجدل ومنعهم العمل ) . على مسلمي اليوم التفكير مليا في هذه المقولة .