مدونات

نظرية التأطير.. والسباك العسكري!

أحمد نصار
إن أهم النظريات التي تدرس في كليات الإعلام نظرية "التأطير" Framing، التي من خلالها يمكن فهم تغير موقف الصحفي أو الإعلامي من القضية إذا تغيرت الظروف!

وتعرف نظرية التأطير الإعلامي على أنها "تلك العملية التي من خلالها يتم توظيف النص الصحفي للربط بين معاني مختلفة بعينها في عقل القارئ"! أي أن التأطير هو طريقة تناول الخبر أو الطريقة التي يقدم بها النص الإعلامي ويحدد طريقة فهم وإدراك المتلقي، وربما صياغة رد فعله المستقبلي وتوجيهه!

مثال:

"حادثة قطار في عهد الرئيس مرسي" يتناولها الإعلام بتحميل الرئيس مرسي والإخوان المسؤولية باعتبارهم غير جديرين بالحكم، رغم أن ذلك يصح إذا كانت مصر لا تعرف حوادث الطرق سابقا وفجأة ظهرت حوادث بشعة في عهد الإخوان! هنا يستخدم التأطير للنيل من خصم سياسي لا غيرة على مصلحة البلد!

وأنا لست ضد تحميل رئيس الوزراء بل ورئيس الجمهورية -وليس وزير النقل والمواصلات فقط- المسؤولية عن حادثة قطار راح ضحيتها تلاميذ أبرياء، لكن بشرط أن يكون هذا هو الموقف ذاته إذا كان السيسي أيضا هو الموجود على رأس السلطة! فلا يجب أبدا أن نكيل أبدا بمكيالين، فهذا عين النفاق!

لكن ما فعله إعلام الانقلاب أنهم حمّلوا مشكلات مصر وأزماتها طيلة 60 عاما من حكم العسكر إلى الرئيس الوحيد الذي أتى عن طريق الانتخاب، وقالوا له: مش قد الشيلة ماتشيلش! بينما في الأزمات ذاتها -التي لم تنتهي بالمناسبة بالانقلاب العسكري- يتم تبرير موقف الحكومة والتساؤل بدموع التماسيح وهو الرئيس حيعمل إيه! ولا أحد يذكر مطلقا بغلة عمر التي سيسأل عنها إذا عثرت في العراق!

***

(نظرية التأطير في كارثة الإسكندرية!)

نظرية التأطير كانت حاضرة بقوة في الكارثة البيئية التي شهدتها محافظة الإسكندرية التي تسببت في وفاة 7 أشخاص نتيجة سقوط كابل ترام محرم بك في الشوارع الغارقة في المياه (والماء موصل جيد للكهرباء كما نعلم)، هذا غير غرق أغلب مناطق المحافظة بمياه الصرف الصحي التي دخلت حتى على الناس في بيوتهم إلى مسرح بيرم التونسي وحتى القاعة الرئيسية لمكتبة الإسكندرية!

لم يتم تحميل السيسي أي مسؤولية عما جرى، ولا رئيس الوزراء ولا حتى وزير التنمية المحلية، بل تحولت الأنظار فقط إلى محافظ الإسكندرية الذي كان فيما يبدو منذ اليوم الأول له حلقة من حلقات صراع السلطة بين أجنحة النظام ورجال الأعمال!

تمت إقالة محافظ الإسكندرية، الذي شارك حتى إعلام الانقلاب في الهجوم عليه، تنفيسا للناس عن الكارثة التي ألمت بهم، دون الحديث مطلقا عن سبعة لواءات يشغلون منصب رؤساء الأحياء في المحافظة ويقع عليهم المسؤولية الحقيقية عما جرى، ولا عن المتسبب في اختيار هذا المحافظ المغرور الفاشل!

بل ذهب البعض إلى تأطير الكارثة في إطار أن المحافظ المدني لا يصلح وأن المحافظة تحتاج إلى محافظ عسكري!! رغم أنها في اعتقادي تحتاج إلى سباك عسكري!

***

(نظرية التأطير وأزمة الدولار!)

ونظرية التأطير استخدمها السيسي سريعا مع الفشل الاقتصادي الذريع الذي ضرب قيمة الجنيه في مقتل، ورفع سعر الدولار في بلد يستورد أغلب ما يحتاجه من أكل وسلاح ودواء! ألقى إعلام السيسي ونظامه باللائمة على محافظ البنك المركزي وأقالوه لأنه صرح أن مشكلة الدولار سببها افتتاح تفريعة قناة السويس الجديدة!

وبالطبع لم يتساءل أحد عن مساعدات خليجية وصلت قيمتها للسيسي عقب الانقلاب بقيمة 50 مليار دولار تقريبا، فضلا عن أن يطالبوا السيسي بالتنحي أو الاستقالة وتحميله المسؤولية عن ذلك!

ولما كانت الكارثة أكبر من أن تلصق بهشام رامز، فقد لجأ النظام وإعلامه إلى الحل السحري الذي يلجأ إليه كلما تعرض لهزيمة عسكرية أو سياسية أو أمنية، فألقى القبض على القيادي الإخواني ورجل الأعمال الشريف حسن مالك بتهمة التخطيط ضرب الاقتصاد المصري!

وأنا لن أدافع عن حسن مالك فهو غني عن ذلك، لكن يكفي أن نيابة أمن الدولة العليا نفت عن حسن مالك تهمتي الإضرار بالاقتصاد ورفع سعر الدولار، واكتفت بتوجيه تهما سياسية له على غرار الانضمام إلى جماعة وتنظيم محظور، وتمويلها!

وهنا عدنا لمربط الفرس، والمشكلة الرئيسية التي يخشاها أي نظام، وهي فكرة الرفض المطلق لوجود أي عمل منظم مقاوم للسلطة! فوفقا لناعوم تشومسكي؛ من المهم للحاكم حمل الناس على تأييد قرارات السلطة حتى لو بدت غير منطقية!! وطبعا دور الإعلام واضح في ذلك، فما الفائدة مثلا من إسقاط التهمة عن حسن مالك، إذا كان الإعلام -أو الأذرع الإعلامية التي تحدث عنها السيسي- لا يزالون يتحدثون عن المليارات التي وجدوها في شقة حسن مالك، والأغبياء يصدقون!!

لا أحد يذكر الناس بمليارات الخليج التي ضربها السيسي في جيبه، ولا عن إيرادات قناة السويس، ولا عن محافظ الإسكندرية الدكتور حسن البرنس المحبوس الآن! ولا أحد يربط للناس بين المقاطعة القوية للانتخابات وحدوث استقالتين في جسد النظام الأسبوع الأول بعد المقاطعة، واحدة اقتصادية (محافظ البنك المركزي) والأخرى سياسية (محافظ الإسكندرية)!

إن أشد ما يعيق استبداد السلطة هو وجود عمل تنظيمي مقاوم لهذا الاستبداد، لذا فحتى لو كان لدى البعض آراء مخالفة، فلابد من منعهم من تنظيم أنفسهم بأي شكل! فكما يقول تشومسكي في كتاب السيطرة على الإعلام: "إن وجود تنظيم" ما "هو أكبر عدو أمام النظام لصناعة الإجماع وإدارة الرأي العام"!! هل فهمنا الآن سر العداء الشرس لجماعة الإخوان المسلمين والإصرار الشديد على تفكيك التنظيم؟؟