قضايا وآراء

شركاء إسرائيل

من يتآمر على الشعب الفلسطيني؟- جيتي
قد لا يجد سكان قطاع غزة الوقت للتفكير بحجم المؤامرة التي تُحاك ضدهم من أجل تهجيرهم بشكل كامل، وقتل أكبر عدد من أطفالهم ونسائهم وتسوية بيوتهم بالأرض، فهم يقضون الليل والنهار في البحث عن مكان آمن لقضاء ليلة واحدة، وهم يدركون والعالم يدرك كذلك بأنه لم يعد هناك مكان آمن في غزة بكاملها. وفي زخم استعصاء التآمل بالنسبة للشعب المحاصر في غزة، نرى نحن (ممن يعيش خارج قطاع غزة)، كل يوم خيوطا جديدة للمؤامرة على هذا الشعب، ونلمس واقعية انخراط بعض العرب إلى جانب إسرائيل؛ بغية تصفية القضية الفلسطينية بشكل كامل. وكأننا نحن العرب محكمون بقَدَرِ الخيانة والتآمر بعضنا على بعض، وكأننا لا نتعلم الدروس من التاريخ، بأنّ الأمم والحكومات على مر الزمن، وقف بعضها إلى جانب بعض، دون الأخذ بعين الاعتبار أحقية المواقف.

من منا ينسى كيف ظهر الخطاب العنصري الأوروبي بعد شن روسيا حربا غير محقة على أوكرانيا، وكيف بدأ الصحفيون والساسة الأوروبيون يميزون هؤلاء بناء على لون البشرة والعيون، وكيف قالوا لنا بشكل واضح: "هؤلاء ليسوا شعوب الشرق الأوسط المعتادة على القتل والتشريد"؟!

أما القادة العرب، فهم يصنعون في الخفاء عكس ما يقولون في العلن، فعلى الرغم من أنّ شعوب العالم الحرة أكدت أحقية القضية الفلسطينية، وبأن هذا الشعب يعاني من الظلم والتهجير والقتل والتعذيب والتهجير القسري والممنهج، إلا أن القادة العرب يمارسون أدوارا مزدوجة؛ فهم يدّعون المشاركة في إغاثة الشعب الفلسطيني عبر ارسال المساعدات، وخلف الأبواب المغلقة يدعون إلى الاستمرار في الحرب إلى حين القضاء على حركة المقاومة الإسلامية "حماس".

كيف ننسى بهذه السرعة تقسيمهم هذا العالم إلى حديقة أوروبا وغابة العالم؟ لم تتردد الإمبريالية الغربية لحظة واحدة في دعم إسرائيل وتجيهزها بكل ما يلزم للاستمرار في الحرب على شعب قطاع غزة. وعلى الرغم من أن قادة العالم الغربي معروفون بالمرواغة والتحايل، إلا أنهم كانوا واضحين وصريحين للغاية، في دعم إسرائيل في ارتكاب عمليات المجازر الجماعية ضد أهل فلسطين.

وأما القادة العرب، فهم يصنعون في الخفاء عكس ما يقولون في العلن، فعلى الرغم من أنّ شعوب العالم الحرة أكدت أحقية القضية الفلسطينية، وبأن هذا الشعب يعاني من الظلم والتهجير والقتل والتعذيب والتهجير القسري والممنهج، إلا أن القادة العرب يمارسون أدوارا مزدوجة؛ فهم يدّعون المشاركة في إغاثة الشعب الفلسطيني عبر ارسال المساعدات، وخلف الأبواب المغلقة يدعون إلى الاستمرار في الحرب إلى حين القضاء على حركة المقاومة الإسلامية "حماس".

هذا النوع من المراوغة السياسية واللعب غير النظيف، أشارت إليه صحيفة "لكسبرس" الفرنسية حين أشارت إلى أن الإمارات تقدم دعما سريّا لإسرائيل لمواجهة حماس، حيث تشير الصحيفة إلى أنّ الإمارات هي الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تمتنع عن توجيه أي انتقادات لاذعة للكيان الصهيوني، فيما يبدو أن العلاقات الاقتصادية والعسكرية لها الأسبقية.

ويبدو بأن التعاون بين العرب وإسرائيل يذهب إلى أكثر من التأييد السياسي غير العلني لإسرائيل، حيث كشفت صحيفة "يسرائيل هيوم" الإسرائيلية عن تفاصيل خطة إسرائيلية أمريكية لتوطين سكان غزة خارج القطاع ونقلهم إلى أربع دول، هي العراق وتركيا واليمن ومصر. تؤدي إسرائيل والولايات المتحدة وحلفائهما "لعبة تغيير المصطلحات"، حيث تعارض الولايات المتحدة على سبيل المثال مفهوم التهجير القسري للفلسطينيين وتدعو إلى هجرة طوعية، والسؤال هو: كيف تتم الهجرة الطوعية؟

تتم الهجرة الطوعية عبر تسوية منازل الفلسطينيين بالأرض والانتقال من معركة الشمال إلى الجنوب في غزة، وتهجير الجميع نحو الحدود المصرية. هذا هو بالضبط المقصود بالهجرة الطوعية.

ومن خلال استعراض تطورات حرب الإبادة على الشعب الفلسطيني وتبعاته على الدول العربية في المنطقة، يتبين أنه على الرغم من الرفض الشعبي الواسع لأي علاقة مع إسرائيل والدعوات المتكررة لقطع هذه العلاقات، إلا أن الدول المطبعة لا تزال مصرة على موقفها في دعم إسرائيل، فلم تقم الإمارات مثلا حتى باستدعاء السفير أو السماح بالمظاهرات المؤيدة لفلسطين خلال مؤتمر المناخ أو بعده.

من خلال استعراض تطورات حرب الإبادة على الشعب الفلسطيني وتبعاته على الدول العربية في المنطقة، يتبين أنه على الرغم من الرفض الشعبي الواسع لأي علاقة مع إسرائيل والدعوات المتكررة لقطع هذه العلاقات، إلا أن الدول المطبعة لا تزال مصرة على موقفها في دعم إسرائيل.

لم يقف العرب عند هذا الحد وحسب، بل تتحدث وسائل إعلام عبرية عن أن الإمارات ودولة الاحتلال وقعتا اتفاقا لتشغيل جسر بري، بين ميناءي دبي وحيفا، مرورا بالأراضي السعودية والأردنية، بهدف تجاوز تهديدات الحوثيين بإغلاق الممرات الملاحية. ويبدو بأن هذا القرار جاء لإنقاذ إسرائيل من ورطة إغلاق الطرق البحرية للإمدادت والواردات والصادرات الإسرائيلية، التي كانت تمر عبر باب المندب والبحر الأحمر.

ويبدو أن هجمات الأحد الماضي ضد السفن التجارية الإسرئيلية بالصواريخ والطائرات المسيرة من قبل الحوثي، والانتقال من مرحلة احتجاز السفن إلى استهددافها، هو الذي دفع إسرائيل إلى البحث عن طرق برية بعيدة عن الممرات البحرية الخطيرة، كالطريق الذي يصل ميناء دبي بميناء حيفا عبر السعودية والأردن.

علينا ختاما أن نؤكد، أنّ الأنظمة الاستبدادية العربية تنظر إلى حماس بعين العداء؛ وذلك لأنها تذكير لها بقدرة الشعوب على إنتاج المقاومة ضد الاستبداد والديكتاتورية. وعليه، فإن الحائل الوحيد دون تحول هذا الخطاب العدائي والتأييدي لإسرائيل إلى خطاب علني، هو الخوف من الشعوب الثائرة التي تدعم حركات التحرر حول العالم، وعلى رأسها حماس. ولكن اليوم يجري خلط كبير وخطير بين العداء لحماس والتآمر على الشعب الفلسطيني لتهجيره من أرضه المتجذر فيها منذ آلاف السنوات، وعلينا أن نكون حذرين للغاية، من أن هذا التآمر يصب في مصلحة المشروع الاستبدادي الإسرائيلي والأمريكي.

twitter.com/fatimaaljubour