قضايا وآراء

صَفعةُ رئيس

1300x600
لم تكن حادثةُ صفع رئيس الجمهورية الفرنسية "إيمانويل ماكرون" في منطقة "لادروم" بجنوب شرق البلاد، يوم الثامن من حزيران/ يونيو 2021، الأولى في تاريخ الجمهورية الخامسة، بل سبقتها صفعات، ورمي بالبيض، وإفراغ أكياس الطحين على رؤوس كبار المسؤولين، بل تعرض بعض رؤساء فرنسا لمحاولات اغتيال، كما حصل لكل من "الجنرال ديغول" و"جاك شيراك". وفي كل مرة كانت تحصل واقعة من هذا النوع، كان القضاء يقول كلمته وفق الأحكام والإجراءات المرعية، وهو ما نطق به في حاثة صفع الرئيس ماكرون قبل أيام، حيث تمّ الحكم على المتهم بثمانية عشر شهرا، منها أربعة شهور نافذة، ناهيك عن الغرامات المالية المقررة قانونيا.

استحوذت صفعة الرئيس الفرنسي على مجمل تفاعلات مواقع التواصل الاجتماعي، وتصدرت صفحات الصحف الفرنسية والدولية، كما تناسلت المقالات، وتنوعت مضامينها في قراءة طبيعة الحادث، ومن كان وراءه، وما الغرض أو الأغراض التي توخى منفذ الصفعة الوصول إليها.

فبينما اعتبر الرئيس المصفوع ما تعرض له عملا فرديا منعزلا، صادرا من شاب لم يتجاوز عمره الثماني والعشرين سنة، أراد التعبير بطريقته عن رفضه سياسة رئيسه وأسلوب تدبيره شؤون البلاد، هاتفا "تسقط الماكرونية"، اعتبر رئيس حكومته أن ما حصل "مسيء للديمقراطية"، ومناقض لقيمها وتقاليدها العريقة، الراسخة في الثقافة السياسية الفرنسية. والواقع، أن حادث الصفعة حظي بإدانة كل مكونات الطبقة السياسية، يمينا ويسارا ووسطا، ونبّه الجميع إلى خطورة الانزلاقات التي قد تحصل في الحياة السياسية الفرنسية عموما.
مظهر من مظاهر التعبير عن المواجع التي ألمّت وتلمّ بالديمقراطية الفرنسية، كما أنها تترجم جانبا من التعقيدات التي تُوتّر العلاقة بين المجتمعين السياسي والمدني داخل فرنسا

فلو وضعنا حادث الصفعة في سياقه الفرنسي العام، وتأملنا في خلفية منفذه، يمكننا الوصول إلى استنتاج مفاده أن الصفعة، بما حملت من أبعاد رمزية وأفعال مادية، مظهر من مظاهر التعبير عن المواجع التي ألمّت وتلمّ بالديمقراطية الفرنسية، كما أنها تترجم جانبا من التعقيدات التي تُوتّر العلاقة بين المجتمعين السياسي والمدني داخل فرنسا.

فعهدة حكم الرئيس "ماكرون" (2017- 2022)، شهدت حتى اليوم سلسلة من الوقائع والأحداث جعلت السلطة، تحديدا مؤسسة الرئيس، وجها لوجه مع تعبيرات المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والنقابية. وعلى الرغم من وجود قنوات للحوار، وآليات مفتوحة للإنصات المشترك، فقد ظل المجتمع مفتوحا على فصول من الحراك الاجتماعي، والتظاهرات السلمية، والعنيفة أحيانا.
عهدة حكم الرئيس "ماكرون" (2017- 2022)، شهدت حتى اليوم سلسلة من الوقائع والأحداث جعلت السلطة، تحديدا مؤسسة الرئيس، وجها لوجه مع تعبيرات المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والنقابية

وفي كثير من اللحظات لم تفض الحوارات إلى نتائج مرضية، تسمح للحياة أن تعود إلى أوضاعها الطبيعية. نذكر منها على سبيل المثال، الإضرابات المتتالية لعدد من القطاعات الاقتصادية المنتجة، والتظاهرات المستمرة لشهور لأصحاب "السترات الصفراء"، وردود فعل المجتمع حيال الإجراءات الاحترازية المعتمدة لمواجهة جائحة "كورونا"، ناهيك عن الاهتزازات التي مست مكانة فرنسا الدولية، وتحديدا في مناطق اعتبرت باستمرار من مجالاتها التقليدية، كما هو حال مستعمراتها السابقة في دول أفريقيا جنوب الصحراء.

يمكن لحادث الصفعة أن يكون فعلا منعزلا، كما قال الرئيس المصفوع نفسه، كما يمكن اعتباره من الأعمال غير المقبولة المتكررة في المجال السياسي الفرنسي، حيث لم يشذ الرئيس "ماكرون" عن نظرائه السابقين، من رؤساء أو وزراء أولين، تراوحت الأفعال ضدهم بين محاولة الاغتيال، والرشّ بالدقيق، أو الرشق بالبيض، أو التجريح بكلمات وألفاظ مهينة لمقامهم ومكانتهم الدستورية والرمزية، غير أن ما حصل قد يكون له وقع خاص على مستقبله الانتخابي، أي الاستحقاق الرئاسي الذي لم يعد يفصل الفرنسيين عنه سوى بضعة شهور (2022).

فالرئيس "ماكرون" سائر بإصرار نحو انتزاع عُهدة جديدة (2022-2027)، وهو مُدرك بأن ولايته، التي على وشك الانتهاء، لم يُراكم خلالها ما يجعل فوزه المقبل محسوما وبدون تحديات. وفي الآن معا، يعي خطورة تصاعد اليمين (الجبهة الوطنية) واستجماع قواه، بعدما اقترب من النصر أكثر من مرة خلال الاستحقاقات الرئاسية السابقة. كما يعرف حق المعرفة أن استراتيجيته في اللعب على وتر تجميع قوى اليمين والوسط وجزء من اليسار لمواجهة خطر اليمين؛ لن تفيده هذه المرة، كما أفادته في انتخابات 2017.

إنه حقا أمام تحد كبير للدخول قويا في الرئاسيات المقبلة، علما أن الخريطة السياسية الفرنسية كما تركها عند فوزه في انتخابات 2017؛ ما زالت في جوهرها على حالها.. يسار ضعيف ومشتت وبدون قيادات بديلة قادرة على إرجاع الروح للمشروع الاشتراكي واليساري عموما، ويمين ووسط يشكو من مظاهر الوهن نفسها، وحركة "الجمهورية إلى الأمام"، التي صنعتها "الماكرونية"، أضاعت الكثير من بريقها مقارنة مع لحظة انطلاقها.
إنه حقا أمام تحد كبير للدخول قويا في الرئاسيات المقبلة، علما أن الخريطة السياسية الفرنسية كما تركها عند فوزه في انتخابات 2017؛ ما زالت في جوهرها على حالها

هناك دلالات أخرى لصفعة الرئيس الفرنسي "ماكرون"، داخل فرنسا، والصورة التي يمكن أن تكون لها مقارنة مع سياقات سياسية أخرى مختلفة عن فرنسا، كما هو حال بلادنا العربية. فاللافت للانتباه أن ذيول الصفعة انتهت فورا بمتابعة الرئيس الفرنسي جولته في منطقة "لادروم" (la drome) بجنوب شرق فرنسا، وقد قام القضاء بما وجب عليه أن يقوم به في حق منفذ الصفعة، ونال جزاءه بحسب أحكام القوانين ذات الصلة، وهو الآن ينفذ مدة السجن الصادرة في حقه، وبعد أربعة شهور سيكون حرا طليقا.

فلو وقع هذا الحادث في بلداننا العربية، لكانت للصفعة نتائج وأحكام مختلفة، وربما لتعرض صاحبها لما لا يمكن تصوره من التنكيل والتعذيب، علما أن الصفعة في حق أي شخص سلوك مرفوض، وغير مقبول على الإطلاق، فبالأحرى إذا كان في حق رموز السيادة، وبدون أي أساس قانوني مشروع يدعو إليه ويستوجب الإقدام عليه.