قضايا وآراء

قراءة في تجربة حركة النهضة في عهد "الترويكا"

1300x600
أسهمت أحداث ما بات يُعرف بـ"الربيع العربي" بصعود الحركات الإسلامية السياسية كما في مصر، والسياسية المرنة في تونس إلى السلطة. إذ اعتقد بعض الباحثين أن وصول الإسلاميين إلى سدة الحُكم تحول وانعطاف في بنُية النظام العربي؛ الذي تميز عبر عقود من الزمن بالدكتاتورية والدولة البوليسية وغياب الديمقراطية. وقد اقترنت علاقة هذه الحركات بالأنظمة في هذه المرحلة بالإقصاء السياسي، والنفي، والاعتقال، ما أدى إلى الاصطدام المباشر وغير المباشر مع النظام.. إلخ.

وبعد سقوط بعض الأنظمة العربية في تونس ومصر وليبيا واليمن انطلق مارثون التحول الديمقراطي؛ فبدأ في تونس التي استطاعت (نسبيا) حصد نجاحات متعلقة بالاستحقاق الديمقراطي، كالانتخابات والتوافق الحزبي والتداول السلمي للسلطة. تمر عملية التحول الديمقراطي بعدة مراحل وهي: مرحلة ما قبل التحول، والتي تحدُث عندما تتم المواجهة مع النظام الديكتاتوري الحالي، إذ تتميز هذه المرحلة بوجود خلافات بين النخبة الحاكمة وقوى المعارضة.

أما المرحلة الثانية فهي لحظة انهيار منظومة السلطة من مؤسسات النظام، وصولا إلى إجراء انتخابات نزيهة. المرحلة الأخيرة هي التماسك الديمقراطي، وعندها يحدث توافق بين النظم الاجتماعية مع النظام الجديد الديمقراطي. وبمعنى آخر، فإن عملية التحول الديمقراطي تعني "الانتقال الكلي من النظام التسلطي القديم إلى نظام ديمقراطي"، إلا أنها تمر بعملية معقدة وشاملة تستوجب التغيير الجذري للنظام السابق. وتقترن عادة بهذه الظاهرة مصطلحات لها المعنى نفسه، مثل: الإصلاح السياسي، والتحول الديمقراطي، والانتقال الديمقراطي، والدمقرطة.. كإشارة لعملية الانتقال أو التحول من النظم الديكتاتورية إلى نظم شعبية وديمقراطية.

انطلقت حركة النهضة كرد فعل على سياسات الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة، والذي تبنى الإطار الغربي في سياسات الدولة (العلمانية، الثقافة الغربية، التنوير، التحديث الأوروبي، إقصاء المؤسسة الدينية، فصل الشريعة الإسلامية عن مسائل الأحوال الشخصية).

وتعد حركة النهضة حزبا سياسيا وطنيا ذا مرجعية إسلامية، تأسس العام 1972 باسم "الجماعة الإسلامية" ثم استبدلت اسمها في العام 1989 واتخذت اسم "حركة النهضة". ويعد راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو وعلي العريض أبرز قيادات الحركة، وقد تأثر مؤسسوها بأفكار حركة الإخوان المسلمين في مصر، إلا أنها طورت خطابها الديني والسياسي لذلك تُصنف ضمن الحركات الإسلامية المرنة.

وقد تصادمت الحركة بنظام الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة والذي مارس ضدها الإقصاء والقمع، حيث اعتُقلت قياداتها في أيلول/ سبتمبر 1981. وبعد تولي زين العابدين بن علي مقاليد الحُكم في تشرين الثاني/ نوفمبر 1987، تم الإفراج عن أغلب قيادات النهضة. وقد شاركت الأخيرة في الانتخابات التشريعية في نيسان/ أبريل 1989. ثم قامت في العام نفسه بطلب ترخيص قانوني قُوبلَ بالرفض من السلطة الحاكمة، فتوترت العلاقات بين الحركة والنظام مما اضطُرَ راشد الغنوشي إلى مغادرة البلاد في أيار/ مايو 1989 إلى الجزائر.

تعرضت الحركة إلى قمع شديد منتصف العام 1991 بعد اتهامها بمحاولة اغتيال الرئيس زين العابدين بن علي. نتيجة لذلك هاجر مُعظم قياداتها إلى الخارج حتى سقوط نظام زين العابدين بن علي في الرابع عشر من كانون الثاني/ يناير 2011. وفي آذار/ مارس من العام نفسه تم منح الحركة اعترافا قانونيا من قبل حكومة محمد الغنوشي المؤقتة، وأصبح حزب النهضة أبرز القوى السياسية في المشهد التونسي.

أسهمت الثورة التونسية (2010- 2011) في تغيير ميزان القوى بتنامي دور قوى وأحزاب سياسية، وتلاشي أحزاب أخرى، لذلك تمكنت حركة النهضة الإسلامية من الظهور بقوة بعد عقود من الإقصاء، خاصة وأنها تتمتع بتنظيم جيد كحزب سياسي.

بعد سقوط نظام زين العابدين بن علي عادت رموز الأحزاب السياسية من الخارج، أمثال زعيم حزب النهضة راشد الغنوشي، ومحمد المنصف المرزوقي، المعارض السياسي لنظام ابن علي، لتبدأ مسيرة التحول الديمقراطي في تونس.

أعلنت الأحزاب السياسية التي ولدت من رحم الثورة عدم الاستعداد لخوض الانتخابات بتاريخ 24 تموز/ يوليو 2011، إذ أنها تريد تعريف الجمهور ببرنامجها الانتخابي. في المقابل، كانت الأحزاب التقليدية جاهزة لهذا الاستحقاق الديمقراطي، مثل حزب النهضة والحزب الديمقراطي التقدمي وحركة التجديد وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية.

استطاعت حركة النهضة أن تنتقل من حركة مُعارضة إلى الحزب الحاكم بعد مِشوار طويل تخلله النفي والاعتقال؛ إلى التنظيم ولم شَمل الحزب بصولات وجولات، منها تطور الخطاب الديني والدعوي والمرونة تجاه قضايا المجتمع. وفي الانتخابات الأولى بعد الثورة شاركت حركة النهضة بقاعدة شعبية عريضة، وقدمت الأخيرة برنامجا انتخابيا في أيلول/ سبتمبر 2011، تضمن البرنامج المكون من 52 صفحة رؤية الحزب وخطتهُ لحكم تونس، حيث تحدث عن طرح النظام البرلماني بديلا عن النظام الجمهوري الذي يُركز السلطات بيد الفرد الواحد المتمثل بالرئيس، ثم تبنى الحزب الدولة المدنية وليس الدينية في خطوة براغماتية، والاعتماد على الاقتصاد الحر والعقد الاجتماعي.

وفي الثالث والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر 2011 عُقِدت انتخابات "المجلس التأسيسي"، وقد حصد حزب النهضة الغالبية الساحقة، حيث حصل على (89) مقعدا من أصل (217) بنسبة 40 في المئة من إجمالي الأصوات. ساهمت عوامل عدة في فوز حزب النهضة بأغلبية المقاعد، منها خطاب النهضة الذي ساوى بين المواطنين التونسيين جميعا، والخبرة التنظيمية الطويلة للحزب، حيث أن له قاعدة شعبية قديمة، ثم التمييز الذي أبداه البرنامج الانتخابي والذي شمل مختلف نواحي المجتمع التونسي.

وقد تحالف حزب النهضة مع أحزاب سياسية أخرى وشكل معهم ائتلاف "الترويكا"، والذي بموجبه تسلم حمادي الجبالي رئاسة الحكومة التونسية عن حزب النهضة، وتولى محمد المنصف المرزوقي رئاسة الجمهورية عن حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، وتسلم مصطفى بن جعفر رئاسة المجلس التأسيسي عن حزب التكتل من أجل العمل والحريات.

وقد مثلت الترويكا التونسية التعددية السياسية ومبدأ الشراكة السياسية والقبول بالآخر، وهذا ما بدا جليا بين حزبين علمانيين وحزب إسلامي. تم توكيل مهام أساسية للائتلاف، أهمها: صياغة دستور تونسي، والتحضير للانتخابات البرلمانية خلال عام من انتخابه. وقد جاء هذا الائتلاف في ظل أزمة اقتصادية خانقة نتيجة الأحداث السياسية.

وقد شرع المجلس التأسيسي في تونس، بزعامة النهضة أثناء الفترة الانتقالية، بصياغة دستور تونسي جديد، بمشاركة حركة النهضة والأحزاب العلمانية والليبرالية واليسارية، ما حدا بوقوع خلاف سياسي بين الأيديولوجيات المختلفة، خاصة في ما يتعلق بمدنية الدولة ومسألة الشريعة والمرأة. وبعد مد وجزر استطاع المجلس التأسيسي إقرار أول دستور تونسي بعد الثورة، في 26 كانون الثاني/ يناير 2014.

أما في ما يتعلق بشكل النظام السياسي التونسي، فقد سارت حركة النهضة نحو دعم النظام البرلماني لاستئصال الحكم الفردي، حيث أن النظام البرلماني يوفر توزيعا للسلطات وتداولا سلميا للسلطة عبر الانتخابات وبمشاركة سياسية واسعة. في المقابل، رأى خصوم حركة النهضة أنها تسعى لاستحواذ السلطة كونها تملك أكبر نصيب في عدد المقاعد في المجلس التأسيسي. وفي النهاية قبلت حركة النهضة بإقرار النظام المختلط، إذ أن شركاء الحركة في ائتلاف الترويكا أبدوا رفضهم القاطع لتدعيم النظام البرلماني، فحزب المؤتمر من أجل الجمهورية - على سبيل المثال لا الحصر - رأى في النظام الجمهوري الأنسب كونه يعطي الرئيس صلاحيات؛ لما يُمثله الأخير من رئيس للقوات المسلحة.

كما تضمن الدستور الجديد مجموعة واسعة من الصلاحيات لرئيس الحكومة، باستثناء العلاقات الخارجية والأمن القومي.

برز خلاف آخر هو موضوع المرأة، إذ رأى الليبراليون أن الرجل والمرأة متساويان في الحقوق والواجبات. أما حركة النهضة فقد رأت أن العلاقة تكاملية وليست متساوية تماما. وفي النهاية أكد الدستور الجديد مساواة الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، وانطلقت مسيرة الحزب الناجحة. فبداية، وصول حزب إسلامي هو نجاح باهر وجرأة سياسية يشهد لها التاريخ بعد عقود من الإقصاء والنفي والاعتقال لقيادات وأفراد الحزب، ثم تطوير خطابها في ما يتعلق بالحريات والعدالة وتحديث الدولة التونسية، وكذلك تركيزها على موضوع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

وجاء موقف حركة النهضة خلال مشاركتها في إعداد الدستور التونسي بعد الثورة، بعد حالات من المد والجزر بينها وبين الأحزاب الأخرى، وتحديدا العلمانية واليسارية، بالقبول بعدم إقرار الشريعة الإسلامية مصدرا رئيسا من مصادر التشريع التونسي، ورأت أن ذلك هو محاولة للحفاظ على وحدة النسيج التونسي الموحد.

يُحسب لحركة النهضة أيضا نجاحها في إسقاط قانون يُطلق عليه: "العزل السياسي"، والذي يضم منع رموز النظام السابق والمنتمين لحزب التجمع الدستوري المنحل من المشاركة في الحياة السياسية. ولم يسقط القانون لولا تصويت الأغلبية البرلمانية التابعة لحزب النهضة ضده. ورأت حركة النهضة بأن إسقاط القانون هو فتح صفحة جديدة مع رموز النظام السابق.

نجحت النهضة في ترك بصمة تاريخية لها حين تنازلت عن مشاركتها في المجلس التأسيسي في كانون الثاني/ يناير 2014، بعد أن طالبت الأحزاب الأخرى خارج ائتلاف الترويكا باستقالة حكومة الترويكا لصالح حكومة تكنوقراط برئاسة مهدي جمع. إذ رأت الأحزاب أن حزب النهضة يُحاول احتكار السلطة بعد انقضاء مدة الفترة الانتقالية المحددة للمجلس التأسيسي.

يُحسب لحزب النهضة أيضا تسلمُه مقاليد الحكم في ظل ظروف اقتصادية صعبة، كون البلاد خرجت من ثورة تاريخية استطاعت أن تقضي على تاريخ من الاستبداد والدكتاتورية منذ 1957 وحتى العام 2011.

أخيرا استطاعت حركة النهضة أن تُقدم أنموذجا إسلاميا مقبولا؛ امتاز بالبراغماتية والمرونة وتلمُس الواقع والتكيف مع الأحداث دون تفريط أو إفراط.

في مقابل مسيرة حركة النهضة الناجحة، هناك عوامل وعثرات ساهمت في خطوات مُرتبكة للحركة خلال فترة حكم الترويكا. فبداية لم تُحقق حكومة الترويكا بقيادة حزب النهضة، نهضة اقتصادية ملموسة. ثم لم يُنجز المجلس التأسيسي مهمة صياغة الدستور (والذي كان من المفترض خلال عام) إلا بعد فترة من تسلمه المهام، ثم فشل المجلس في إجراء انتخابات برلمانية خلال فترة حكم الترويكا.

وفي عهد حكومة ائتلاف الترويكا، واجهت الأخيرة عمليات إرهابية قامت بها بعض الجماعات السلفية المتطرفة، ما أدى إلى تدهور الوضع الاقتصادي والأمني. وبسبب ذلك تم تمديد الفترة الانتقالية التي أثارت حفيظة الأحزاب الأُخرى، وتخوفها من استغلال حركة النهضة للأحداث الدامية الإرهابية للاستحواذ على السلطة. لذلك طالبت المعارضة وعلى رأسها جبهة الإنقاذ الوطني، والتي تأسست في تموز/ يوليو 2013 (المكونة من أحزاب سياسية معارضة تمثلت في حركة نداء تونس، الجبهة الشعبية، الاتحاد من أجل تونس، وحركة تمرد السياسية)؛ حركة النهضة بالاستقالة وحل المجلس التأسيسي المكون من الرئيس المنصف المرزوقي والوزير الأول حمادي الجبالي.

أما المعضلة الثانية وربما الأخطر فهي سلسلة الاغتيالات السياسية التي تعرضت لها تونس، ومنها اغتيال شكري بلعيد في نيسان/ أبريل 2013، فزادت من حدة الخلاف بين الحكومة والمعارضة، إذ إن الأخيرة اتهمت حزب النهضة صراحة بالتواطؤ مع الحركات الإرهابية السلفية. وبناء على ذلك قدم حمادي الجبالي، رئيس الحكومة في ائتلاف الترويكا، الاستقالة لصالح علي العريض

 تكرر مسلسل الاغتيال حتى عصفَ بزعيم التيار الشعبي محمد البراهمي في تموز/ يوليو 2013. وقد أدى ذلك إلى تعقيد الأزمة السياسية في تونس، فقامت الاعتصامات والاحتجاجات أمام المجلس التأسيسي، مطالبة بحله وتقديم استقالة الحكومة، في مقابل رفض حركة النهضة وشركائها ذلك، والذي تزامن مع الإطاحة بحكم الإخوان المسلمين في مصر، خصوصا مع مطالبة المعارضة التونسية بتدخل الجيش للإطاحة بحكم النهضة كما في مصر، إلا أن الجيش التونسي التزم الحياد.

وفي ضوء ذلك انطلق الرباعي الراعي للحوار في تشرين الثاني/ نوفمبر 2013، والمكون من الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد العام التونسي للصناعة والتجارة وعمادة المحاميين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، والذي تمكن من جمع الفرقاء السياسيين على طاولة واحدة لحل الخلافات بينهم. وبناء على ذلك، وافقت حركة النهضة وحلفاؤها في تشكيلة الترويكا على تقديم الاستقالة والتنازل عن الحكومة. وفي 27 كانون الثاني/ يناير 2014 قدم علي العريض الوزير الأول استقالة حكومته لصالح حكومة خبراء ومختصين.

يُستشف من تجربة حركة النهضة في حكم الترويكا بأنها تجربة فريدة في التاريخ التونسي المعاصر، بحيث أن حزب النهضة تسلم أول حكومة بعد الثورة وهو بذلك انتصار ديمقراطي، ثم المرحلة الحرجة التي جاء فيها حكم الترويكا من أزمات اقتصادية وسياسية كالاغتيال السياسي. وفي النهاية جاء تنازل النهضة عن رئاسة الحكومة ليثبت دعائم التحول الديمقراطي، لذلك توصف التجربة بـ"الناجحة المُرتبكة".