بورتريه

آنا ماري شيمل.. كان آخر عهدها بالدنيا أن قرئ القرآن على قبرها

عربي21
كانت وصيتها أن يقرأ القرآن الكريم على قبرها، الذي وضع عليه قول الإمام علي بن أبي طالب :"الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا". 

رحلاتها إلى معظم الأقطار العربية والإسلامية جعلتها أشهر المستشرقين على المستوى الدولي. 

عميدة المستشرقين خاصة الألمان منهم، وتعد من الأوائل المعدودين في الدراسات الصوفية الإسلامية، وفي الفنون الإسلامية والخط العربي. 

تعاملت مع التراث الإسلامي بجدية ومصداقية وشغف بعيدا عن أية تصورات ومواقف مسبقة. 

رأت أن التصوف ليس زهدا رومانسيا يقتصر على نفي الدنيا، بل إنه إحياء للقلوب وخلع للمعنى على ما لا معنى له. 

نشأت طفلة وحيدة شغوفة بكل ما يتعلق بالشرق، ومعجبة بكل ما هو روحاني وصوفي في الإسلام والأديان الشرقية الأخرى. 

آنا ماري شيمل المولودة عام 1922 في مدينة إرفورت بوسط ألمانيا لعائلة بروتستانتية تنتمي إلى الطبقة الوسطى، كان والدها من عائلة من صناع النسيج عمل في خدمة البريد والتلغراف.  

بدأت في تعلم اللغة العربية ولم تتجاوز الخامسة عشر من عمرها، كما تلقت دروسا في مبادئ الدين الإسلامي والتاريخ العربي والإسلامي إلى جانب تعلم اللغات الفارسية والتركية والأوردية. 

في عام 1939 نزحت مع الأسرة إلى برلين وفيها بدأت دراستها الجامعية في الاستشراق. وبعد عامين أنهت رسالتها للدكتوراه حول "مكانة علماء الدين في المجتمع المملوكي" تحت إشراف المستشرق الألماني ريشارد هارتمان وهي في التاسعة عشر من عمرها، ونشرتها عام 1943 في مجلة "عالم الإسلام" تحت عنوان "الخليفة والقاضي في مصر في العصور الوسطى المتأخرة". 

عملت مباشرة بعد دراستها الأكاديمية كمترجمة عن التركية في وزارة الخارجية الألمانية. وفي وقت الفراغ واصلت اهتمامها بتاريخ المماليك حتى تمكنت من عمل فهارس لتاريخ ابن إياس. وفي عام 1945، قبيل نهاية الحرب العالمية الثانية بقليل، انتهت من رسالة الدكتوراه في جامعة "برلين" عن الطبقة العسكرية المملوكية. 

وبعد قليل تم إجلاؤها مع بقية موظفي الخارجية، ولكن سرعان ما قبض الأمريكان عليها وأرسلت بعد اعتقالها إلى مدينة ماربورغ.  

وكان من حسن حظها أنها انتهت من رسالة الأستاذية قبل سقوط النظام النازي كما أنها عاشت في فترة الحكم النازي حياة بعيدة تماما عن السياسة وكانت حياتها أكاديمية وبحثية. لذلك عندما أُعيد تنظيم الجامعات الألمانية بعد الحرب التحقت في جامعة "ماربورغ" كأستاذة للغة العربية. 

ولم يأت عام 1951 حتى كانت قد حصلت على شهادة دكتوراه ثانية تحت إشراف المستشرق الألماني برتلي سانت هيلر صاحب كتاب "الشرقيون وعقائدهم" وكانت رسالتها حول "مصطلح الحب الصوفي في الإسلام".  

ولاحقا ترجمت بناء على طلب بعض علماء الاجتماع الألمان مقاطع طويلة من مقدمة ابن خلدون.  

لكن زيارتها لتركيا عامي 1952 و1954 فتحت لها أبواب التدريس في "كلية الإلهيات" في جامعة أنقرة. 

وواصلت بعد عودتها إلى ألمانيا عام 1961 التدريس بجامعة "بون"، ثم عادت للعمل بالخارجية الألمانية، وشاركت ألبرت تايله رئيس تحرير "مجلة فكر وفن" في الإشراف على إصدار المجلة التي تمولها الخارجية الألمانية وتصدرها مؤسسة "جوته" الألمانية. 

واستمرت مشاركتها بالمجلة حتى عام 1973 قدمت خلالها أشعارا لأغلب الشعراء العرب المعاصرين لها مثل بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وصلاح عبد الصبور وعبد الوهاب البياتي وفدوى طوقان ونزار قباني وأدونيس ومحمود درويش ومحمد الفيتوري وغيرهم من الشعراء الذين نقلت بعض أشعارهم إلى الألمانية. 

 وكانت كذلك تمد القارئ العربي في كل عدد بشيء من شعر جلال الدين الرومي ومحمد إقبال وغيرهما من الشعراء المسلمين غير العرب. 

كما اهتمت كذلك بإحياء تراث الشاعر والمستشرق والمترجم فريدريش روكرت فقامت بتحقيق أعماله وكتابة ترجمة لحياته وأعادت إليه الاهتمام كأهم ناقل للآداب الشرقية إلى الألمانية. 

 فازت عام 1965 بـ"جائزة فريدريش روكرت" التي تمنحها مدينة شفاينفورت بجنوب ألمانيا. وكانت هذه الجائزة فاتحة لعشرات الجوائز والأوسمة التي بدأت تنهال عليها من الشرق والغرب ولم تتوقف حتى وفاتها. 

وتتويجا لمسيرتها في التدريس دعيت عام 1967 للعمل في جامعة "هارفارد" لشغل كرسي الثقافة الهندو-إسلامية الذي أنشئ بناء على تبرع أحد مسلمي الهند الأغنياء. ورغم أنها لم تكن متخصصة في هذا المجال إلا أنها حصلت على الكرسي الذي رُبط الحصول عليه بضرورة ترجمة أشعار مير دارد الدهلوي وأسد الله غالب عن الأوردية وذلك بهدف أن يحصلا على شهرة مقاربة لشهرة عمر الخيام في نطاق الإنجليزية.  

إلى جانب اهتمامها بالتصوف والشعر العربي والإسلامي، واصلت آنا ماري شيمل اهتمامها بفن الخط الإسلامي وأصبحت مستشارة لشؤون الخط الإسلامي في متحف نيويورك. كما ركزت اهتمامها على تاريخ الإسلام في شبه القارة الهندية والدراسات والأشعار باللغة السندية والأوردية.  

ورغم أنها تقاعدت من التدريس إلا أنها عادت عام 1992، وبعد 25 عاما من العمل في "هارفارد" و"كمبردج"، إلى بون حيث واصلت الكتابة عن الإسلام بالألمانية والإنجليزية لتزيل عنه أية مفاهيم خاطئة ومتحاملة. 

ورغم مناوشات ومناكفات المناوئين أحرزت شيمل عام 1995 جائزة السلام الألمانية التي يمنحها اتحاد الناشرين الألمان ويسلمها رئيس الدولة الألماني. 

وفي سنواتها الأخيرة نشرت سيرتها الذاتية التي ترجمها إلى العربية عبد السلام حيدر ونشرها تحت عنوان "شرق وغرب: حياتي الغرب - شرقية" عام 2004 التي تضمنت عرضا لتنوع جهودها العلمية ولرحلاتها إلى المؤتمرات والمحاضرات عبر أوروبا وأمريكا الشمالية وإندونيسيا وباكستان وتركيا والهند وإيران وأفغانستان والدول العربية ودول وسط آسيا. وتعطي ترجمتها الذاتية فكرة عن شبكة العلاقات والصداقات التي كونتها عبر العالم. 

أنجزت آنا ماري شيمل أكثر من 100 كتاب ودراسة ومقال في مجال الدراسات الإسلامية حتى وفاتها في بون عام 2003 عن عمر يناهز الثمانين عاما، تاركة وراءها تراثًا غنيا من الدراسات الإسلامية، فضلا عما خلفته من احترام وتبجيل لدى كافة الدارسين والمتخصصين في الدراسات الإسلامية والشرقية في العالم. 

لم يحظ أحد من المستشرقين بتقدير العالم الإسلامي مثلما حظيت آنا ماري شيمل، وهو ما أدى إلى تكريمها والاحتفاء بها أينما حلت في عواصم عالمنا العربي والإسلامي. 

كانت فتاة صغيرة جذبها عالم الشرق منذ كانت طفلة، أمضت حياتها في بيتها محاطة بالكتب الإسلامية والسجاد الفارسي والخطوط واللوحات العربية، وكثيرا ما رددت قولها الشهير "سأظل أحب العالم العربي والإسلامي حتى وفاتي". 

ومن أهم كتبها: "وأن محمدا رسول الله"، "عنادل تحت الثلج"، "الشمس المنتصرة دراسة آثار الشاعر الإسلامي الكبير جلال الدين الرومي"، "الأبعاد الصوفية في الإسلام وتاريخ التصوف"، "عيسى ومريم في التصوف الإسلامي"، "الجميل والمقدس"، "الشرق والغرب حياتي الغرب شرقية"، "الإسلام بصيغة المؤنث المرأة في العالم الروحاني الإسلامي"، "روحي أنثى"، "نموذج مشرق للإستشراق"، "أحلام الخليفة: الأحلام وتعبيرها في الثقافة الإسلامية تفاصيل"، "أوروبا في مواجهة العالم الإسلامي"، "الإسلام دين الإنسانية"، "أسرار العشق المبدع في كتابات محمد إقبال". 

كانت آخر وصية لها "حين أموت، أريد أن يقرأ القرآن عند رأسي قبل أن أدخل حفرتي، ليكون آخر عهدي بالدنيا هذه الكلمات الإلهية".  

كان أول عهدها بالوعي أن تعلقت بالشرق العربي والإسلامي، وآخر عهدها أن ماتت وهي تحبنا أكثر. رغم الجدل الذي لم يحسم فيما إذ كانت قد أسلمت أم لا، وهو سؤال لم تجب عليه في حياتها!