كتاب عربي 21

عولمة فوبيا الإسلام السياسي

1300x600
يشير الجدل البيزنطي حول تحويل آيا صوفيا من متحف إلى مسجد في تركيا، وما تبعه من إقامة أول صلاة جمعة فيه، إلى المدى الذي بلغته مسارات عولمة فوبيا الإسلام السياسي، وهي دينامية جديدة برزت من خلال حملة إمبريالية عالمية منسقة مع دكتاتورية إقليمية، تنامت وتيرتها منذ الانقلاب على ثورات الربيع العربي، وهو ما يؤكد على أن الكولونيالية والإمبريالية الأوروبية ووريثتها الإمبراطورية الأمريكية لا تزال تتحكم في تصورات وقرارات الأنظمة الوطنية الما بعد كولونيالية بأداءاتها المادية وحالتها السيكولوجية، حيث يصوَّر الإسلام بعد تسميته بالإسلاموية كخطر جيوستراتيجي كوني يهدد الوجود الأمني الإنساني ويلوّث المجال البيئي الكوكبي.

تستند عولمة فوبيا الإسلام إلى خلق ذوات تابعة ومفردنة في دول ما بعد الاستعمار، من خلال السلطة السيادية القمعية القانونية للأجهزة الأيديولوجية للدولة الوطنية ما بعد كولونيالية، التي تعمل على إنشاء ذوات طائعة ماديا وسيكولوجيا.

وفي ملاحظة ثاقبة، يؤكد إدوارد سعيد في حواره مع دافيد بارساميان، على أن الكولونيالية الثقافية نجحت في دمج منظور المستعمِر في رؤى الشعوب المستعمَرة، حتى شعرت هذه الأخيرة بأنها غير قادرة على فعل أي شيء دون وصاية الأول ودعمه، وفهمت كذلك أن التشريع لا ينبغي أن يصدر من ثقافة وقيم مجتمعاتها، ولكن من مجتمع الأول وقيمه هو.

ولذلك لم يكن الإسلام وتسميته القدحية الإسلاموية بالنسبة للغرب والغربانية سوى مشروع يوظف جيوبوليتيكاً ضد أعداء بلوتوقراطيات شمال الأطلسي والإمبراطورية الأمريكية البيضاء. وقد حاجج أستاذ النظرية الاجتماعية وفكر ما بعد الاستعمار في "جامعة ليدز" البريطانية، سلمان سيّد، في كتابه الماتع "استعادة الخلافة: تفكيك الاستعمار والنظام الجدي"؛ بأن ظهور كينونة مسلمة هو مخِلٌ بالنظام العالمي الموجود، ليس من حيث الأمن أو الثقافة فقط، بل كذلك من حيث الفلسفة. وإن ظهور كثير من الأفعال السياسية باسم الإسلام يمكن وصفها بطريقة مفيدة باعتبارها الإسلاموية. وقد تمّ وسم ظهور الإسلاموية بتطوّرين: إزاحة الغرب عن المركز، والمحاولة المتصاعدة في شدّتها لإيقاف تلك الإزاحة عن المركز من خلال إعادة تقرير تفوّق البيض.

في كتابه البالغ الأثر "الاستشراق"، كرّس إدوارد سعيد جهوده للكشف عن كيفية نشوء وتشكل "الشرقي" كآخر للذات الغربية. فالاستشراق حسب سعيد أسلوبٌ "قائم على تمييز وجودي (أنطولوجي) ومعرفي (إبستمولوجي) بين الشرق و(في معظم الأحيان) "الغرب"، يرمي، في جوهره، إلى "السيطرة على الشرق، واسْتِبْنائه، وامتلاك السيادة عليه".

ويؤكد سعيد على وجود رابط قوي بين الاستشراق من جهة وبين الاستعمار من جهة ثانية، ويرى في الاستشراق عاملاً مساعداً للاستعمار في فرض سيطرته وهيمنته على الشرق. فالاستشراق في نظر سعيد في مستواه العميق أنموذج للطرق العديدة التي أصبحت عليها الاستراتيجيات الأوروبية في معرفة العالم المستعمَر، بقدر ما هو وسيلة الغرب الكولونيالي الأنجع للهيمنة على الشرقيين من خلال التعرف عليهم.

وقد جدد سعيد في كتابه "الثقافة والإمبريالية" والذي يعدّ امتداداً لكتاب "الاستشراق"، تأكيده على اعتبار الثقافة الركيزة الأكثر صلابة لمحو ذاكرة الشعوب أو لتثبيتها، ولطمس الهوية الوطنية والقومية أو للدفاع عنها. فقد ادعت الإمبراطوريات الحديثة أن استعمارها للبلدان المتخلفة أو انتدابها عليها هو عمل إنساني ورسالي لإنقاذ هذه البلدان من الفقر والجهل المطبقين.

في هذا السياق، تتكشف فكرة أسلمة الدولة الوطنية الما بعد كولونيالية، عن كونها أسطورة تستثمرها الأنظمة الوطنية العربية داخلياً، وتضخمها للتهرب من استحقاقات الإصلاح والتحول الديمقراطي، وتوظف نظرية الأسلمة خارجياً لتبرير التوجهات السلطوية، ولدغدغة المشاعر الغربية في ظل تنامي الأحزاب اليمينية والشعبوية، وبروز ظاهرة "الإسلاموفوبيا".

وحسب الخبيرة في الإسلام السياسي كاري روزفسكي ويكهام، فإن تصوير جماعة الإخوان على أنها متشوفة للسلطة وقادرة على الاستيلاء عليها وفرض نسختها من الشريعة على المواطنين غير الراغبين، إنما يشكل صورة كاريكاتورية تبالغ في تضخيم سمات مخصوصة للإخوان في حين تتجاهل أخرى، وتقلل من مدى التغير الذي مرت به الجماعة بمرور الوقت.

إن الإشكالية الغربية مع الإسلام وما تسميه الإسلاموية، أنها تتوافر على أجندة تؤسس لكينونة مناهضة لسياسات ومصالح الغرب. فجماعة "الإخوان المسلمين" التي تعد أهم الحركات الاجتماعية الدينية المحافظية في العالم العربي، تنشد الحفاظ على هوية المجتمعات الإسلامية.

فقد نشأت "الإسلاموية" كرد فعل على الاجتياح الكولونيالي والإمبريالي للعالم الإسلامي، ونشوء الحركة الصهيونية وتأسيس وطن قومي لليهود على أرض فلسطين، وعلى وقع صدمة انهيار وسقوط الخلافة الإسلامية (العثمانية).

وقد تطورت الإسلاموية كأيديولوجيا سياسية في إطار الدولة ما بعد الكولونيالية، وتشكُل الدولة الوطنية (العلمانية)، وأصبحت أهداف وغايات الإسلاموية مناهضة الإمبريالية والصهيونية، واستعادة "الخلافة" كرمز للهوية السياسية الدينية الإسلامية، والنضال من أجل قيام "دولة إسلامية" عبر استخدام وسائل وآليات "دولتية" إصلاحية سلمية؛ تفضي إلى أسلمة الدولة الوطنية الما بعد كولونيالية، التي ورثت قيم ومؤسسات الدولة التي أنشأتها الكولونيالية في المنطقة، رغم أن البروفيسور وائل حلاق حاجج باستحالة هذه المهمة.

إن الاتجاه المهيمن في الغرب في دراسة الإسلام والإسلاموية وما بات يسمى دراسات المناطق، لا يخرج عن أفق المنظورات الاستشراقية والثقافوية الوقحة، التي غرسها خبراء وزارات المستعمرات، وأساتذة الكراهية الكبار، مثل برنارد لويس وصموئيل هنتنغتون. فالاستشراق الجديد أكثر سخفا من القديم وأشد كرها للمسلمين، وهو ما يزال يقدم خبرته لخدمة مصالح الإمبراطورية والإمبريالية، ويستند في ذلك على جيش من المخبرين المحليين لتزويده بالمواد الخام المسمومة، بغرض الهيمنة والتحكم والسيطرة.

لقد بيّن طلال أسد، أن مهمة الليبراليّة تتمثل في "إعادة تشكيل التقليد الإسلامي على شاكلة المسيحيّة البروتستنتيّة الليبراليّة". وهي تُصوّر مقاومة المسلمين لهذه المهمة الجليلة، حسب جوزيف مسعد، على أنها رفضٌ للحداثة ولقيم الليبراليّة، كالحرّيّة، والتحرّر، والمساواة، والحقوق المدنيّة، والمواطنة الديمقراطيّة، وحقوق النساء، والحقوق الجنسيّة، وحرّيّة العقيدة، والعلمانيّة، والعقلانيّة.. إلخ.

إن مهمة الإسلام والإسلاموية الجليلة في التصورات الكولونيالية والإمبريالية الغربية، وربيبتها الدكتاتوريات الإقليمية الما بعد كولونيالية، تقتصر على مواجهة أعدائها. فقد وُظف "العامل الديني" الإسلامي إبان الحرب الباردة دوليا لمواجهة الاتحاد السوفييتي والعالم الاشتراكي، واستُثمر داخليا لمواجهة الحركات القومية واليسارية، ومع نهاية الحرب الباردة، وعقب أحداث 11 أيلول/ سبتمبر جرى استدعاء الإسلاموية لمواجهة واحتواء خطر الجهادية. وتنامت نظرية إدماج الاعتدالية الاسلاموية، وأن الأنظمة الدكتاتورية والثقافة الدينية المتطرفة للمنطقة العربية تمثل محركا أساسيا للتطرف والعنف والإرهاب، وأن الحل يكمن بتغيير ثقافة المنطقة وإحداث إصلاحات على طبيعة الأنظمة المحلية السلطوية، حيث اعتبر الإسلام السياسي بمثابة جدار وقاية ضد التطرف العنيف والإرهاب.

بعد أحداث الربيع العربي عادت فوبيا الإسلام السياسي بصورة لا نظير لها، وأسدل الستار على نظريات اشتمال الاعتدال، ومقولات جدار الوقاية إلى الأبد، وعادت منظورات الاستقرار المرتبط بدولة ما بعد الاستعمار الوطنية، وباتت الإسلاموية رهينة الثالث المرفوع تتقلب بين تعريفها إما كحزام ناقل للتطرف والعنف، أو اعتبارها إرهابية.

خلاصة القول أن ثمة عولمة لفوبيا الإسلام السياسي لا نظير لها، ويمكن فهم عقيدة الإسلاموفوبيا عموما كأحد ذرائع التسلط والتحكم والسيطرة الكولونيالية والإمبريالية على العالم الإسلامي للحيلولة دون تأسيس كينونة مسلمة، ولتبرير السياسات الرأسمالية النيوليبرالية، وكذلك يمكن فهم فوبيا الإسلام السياسي الذي تستخدمه الأنظمة الدكتاتورية الما بعد كولونيالية الموسومة بالوطنية لقمع أي تجربة استقلالية. فالكولونيالية وما بعدها وجهان لعملة واحدة، لكن ما يحتاج إلى فهم أكثر هو ما نبهنا إليه إدوارد سعيد، أن الكولونيالية الثقافية نجحت في دمج منظور المستعمِر في رؤى الشعوب المستعمَرة، تلك هي المعضلة الكبرى.

twitter.com/hasanabuhanya