قضايا وآراء

العرب: من البلطجي الأمريكي إلى أزعر الحارة

1300x600
ارتبطت الصراعات والتوترات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط في العقد الأخير، بظاهرة تراجع النفوذ الأمريكي، وهو تراجع اختياري نتيجة تقييم القادة الأمريكيين للفرص والمخاطر المتوقعة في المنطقة، في ظل انتفاء الضرورة للوجود الأمريكي العسكري، بعد حصول متغيرين شكلا انعطافة في السياسة الأمريكية: اكتفاء أمريكا ذاتيا من النفط، والاطمئنان على أمن إسرائيل التي أصبحت ترتبط بعلاقات جيدة مع بعض دول المنطقة.

تشير التقديرات إلى أن الولايات المتحدة تكبدت منذ سنة 2003، تاريخ غزوها للعراق، خسائر بقيمة ثلاثة تريليونات دولار، وهي لم تعد قادرة، نتيجة متغيرات على مستوى الاقتصاد العالمي، على الاستمرار بالسوية ذاتها في الإنفاق، من أجل مشاريع يستحيل تحقيقها في منطقة؛ أهم ما يميزها الصراعات الدائمة وعدم الاستقرار، وأن واشنطن تفاضل الاستثمار في قضايا ومناطق قد تعود عليها بعائدية أكبر بكثير. من هنا جاء التوجه شرقا لكبح الصين من التحوّل إلى قوّة منافسه على الصعد الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية.

في هذه الأثناء، شهدت المنطقة تنافسا محموما بين مجموعة من القوى التي رأت في الفراغ الذي تتركه الولايات المتحدة الأمريكية فرصة للتمدّد في الفضاء الجيوسياسي الذي يتشكّل بمجمله من دول عربية، ويفتقد لقوّة عربية قادرة على إحداث توازن القوّة مع الأطراف الإقليمية والدولية المتدخلة، في ظل تراجع قوّة مصر إلى أبعد الحدود، وغياب المشروع العربي الذي يمكنه تحفيز القوى العربية.

غالبا ما استخدمت الأدبيات السياسية مصطلح القوى الصاعدة لوصف الأطراف الإقليمية والدولية، التي تسعى لملء الفراغ الأمريكي في المنطقة. وقبل ذلك، كانت هذه القوى منكفئة داخل حدودها، إما بسبب ضعف بنيوي وأزمات داخلية (روسيا وإيران) أو بسبب انشغالها في قضايا خارج إطار الجغرافية العربية (تركيا)، رغم أن الجزء الأكبر من عناصر قوّة هذه الأطراف، الذي تستثمره في صعودها الراهن، قد جرى بناؤه على صدى الانسحاب الأمريكي الذي شكّل حافزا ومحركا لهذه القوى.

ليس ذلك كل شيء، بل إن جميع المؤشرات تدل على أن الانسحاب النهائي الأمريكي لن يتأخر كثيرا، وإن تباطأ بعض الشيء، إلا أن واشنطن قد فككت بالفعل الكثير من ركائز وجودها وحيثيات قوتها، وتتخلص من مناطق نفوذها قطعة إثر قطعة. ولم يعد ينفع القيام باستعراضات قوّة بين الحين والآخر عبر جلب حاملة طائرات أو مدمرة للتجول في بحار ومحيطات المنطقة.

في ظل هذا الوضع، يبدو العرب هم أكثر الأطراف تضررا، وتبدو المنطقة العربية بمنزلة "مريض" القرن الواحد والعشرين، الذي تحاول القوى الخارجية تسريع دخوله مرحلة السبات السريري للانقضاض عليه قطعة وراء قطعة. فالطرف العربي كان أكثر الأطراف تضررا من التدخل الأمريكي في بداية القرن، الذي نتج عنه استنزاف المقدرة العربية وتدمير حواضن القوّة العربية، وتحطيم الأمن القومي العربي، وتدمير النظام العربي الذي أرهقته التجاذبات والخلافات.

واليوم، يبدو العرب أكثر المتضررين من الانسحاب الأمريكي من المنطقة، بسبب الخلل الهائل في توازن القوّة بينهم وبين القوى الإقليمية، مع إضافة القوّة الروسية التي تعتبر عنصرا سلبيا على الأطراف العربية كافة، التي، وللأسف، ينظر البعض لها بوصفها موازن للقوى في مصلحتهم، ويستدعونها للتدخل لإدارة أزماتهم، كما في سوريا وليبيا، وربما العراق ولبنان قريبا.

لا يمتلك العرب الكثير من الخيارات لمواجهة هذه التطورات، وهم لم يستطيعوا وقف الانهيار في قوتهم ومركزهم الاستراتيجي، مع أن مؤشرات هذا الانهيار بدأت في الظهور منذ زمن بعيد، كما لم يستطيعوا، لا فرادى ولا مجتمعين، تأسيس مرتكزات قوّة حقيقية يستندون إليها لمواجهة التغيرات العالمية والإقليمية التي لم تخف نفسها، رغم أن الدول العربية أكثر دول العالم إنفاقا على شراء الأسلحة وبناء الجيوش.

في الغالب، ستلجأ الدول العربية إلى استراتيجية إرضاء "أزعر الحارة"، التي تقوم على رشوة طرف دولي أو إقليمي لحمايتها، وهذه الاستراتيجية المجربة عربيا، كانت أحد أسباب انهيار القوّة العربية في العقود السابقة، وهي التي أسست للوصول إلى هذه المرحلة، لكن بما أن الخبرة العربية عريقة في هذا المجال، وبما أن الخيارات الأخرى شبه معدومة، فلا سبيل لهذه الدول أو أنظمتها الحاكمة، إلا الاستمرار باتباع هذه الاستراتجية.

تمثل أحد تطبيقات هذه الاستراتيجية في سوريا، حيث تنازل نظام الأسد عن جميع الأصول السورية، من ثروات وموانئ ومطارات. وتبدو ليبيا سائرة على هذا الطريق، ولن يطول الزمن بالأطراف الأخرى قبل الوصول إلى التنازل عن الأصول، فأعداء الشعوب العربية (الحكام) باتوا شرسين ووقحين، وأزعر الحارة نهم لا يرحم.