أفكَار

إسلاميو المغرب أبدعوا مقولة "الدولة الإسلامية قائمة"

المغرب إسلاميون (عربي21)

على الرغم من صعود عدد من قادة الحركات الإسلامية إلى رأس السلطة في العديد من الدول العربية والإسلامية، إلا أنهم لم يتمكنوا من تقديم نماذج ذات خصائص محددة يمكن أن نطلق عليها مصطلح الدولة الإسلامية.

من إيران إلى السودان مرورا بباقي الدول العربية التي تنص أغلب دساتيرها على أن الإسلام هو دين الدولة الرسمي، ظل هيكل الدولة الحديثة هو الوعاء الذي اندرجت فيه مختلف الاجتهادات السياسية. 

ومع أن المكتبة الإسلامية تزخر بآلاف الكتب التاريخية التي توثق مختلف مراحل تطور المنطقتين العربية والإسلامية قديما وحديثا، إلا أنها في الجانب الدستوري والقانوني المتصل بالدولة ظلت في أغلبها أقرب إلى الترجمة والنقل من التجربة الغربية منها إلى النحت الإسلامي. كما هيمن عليها الاصطفاف الأيديولوجي الذي قسم المنطقة العربية والإسلامية، بين شق وطني يعتقد بثراء المكتبة الإسلامية وتقدمها عن غيرها من الاجتهادات الفكرية، وبين نخبة تعتقد بأن العلم لا وطن له، وأن التلاقح الفكري والثقافي من أهم أسباب التطور في مختلف المجالات.

ولكن الحاجة إلى مفاهيم وآليات دستورية وقانونية لإدارة الدولة لم تظهر بشكل جلي وواضح، إلا مع ثورات الربيع العربي، التي أعادت صياغة المشهد السياسي بالكامل، وفتحت الباب على مصراعيه أمام مختلف التيارات السياسية الوطنية للبروز وتصدر المشهد، وكان من بينها تيار الإسلام السياسي الذي ظل ينظر للدولة الإسلامية منذ مطلع القرن الماضي.

"عربي21"، وفي سياق متابعتها للحراك الفكري الذي تعرفه المنطقة العربية والإسلامية، تعيد تفتح ملف الدولة الإسلامية كمفهوم وآليات، وتطرحه على قادة المجتمع السياسي والفكري في العالمين العربي والإسلامي. 

وبعد مشاركات من الجزائر وتونس والسودان عن مفهوم الدولة الإسلامية، قدمهما كل من الكاتب والإعلامي الجزائري حسان زهار، والإعلامي والصحفي التونسي الحسين بن عمر، والإعلامي السوداني خالد سعد، يقدم اليوم الكاتب والباحث المغربي بلال التليدي رؤية علماء ومفكري المغرب الأقصى للدولة الإسلامية، ويركز في الجزء الأول من تقريره على حسم المغاربة بكل توجهاتهم في الهوية الإسلامية للدولة، ويشرح ذلك كما يلي:

رصيد إسلامي حول الدولة


ربما كان حظ الإسلاميين في المغرب في التعاطي مع الدولة والتنظير لها مثل حظ اليسار تقريبا، إذ انطلق المشروع التأسيسي في بواكيره الأولى متلبسا بفكرة إقامة الدولة الإسلامية، كما انطلق المشروع الماركسي العربي من يوتوبيا دولة البروليتاريا، فانشغل العقل الحركي الإسلامي، مثلما انشغل العقل الماركسي، بتوصيف طبيعة الدولة القائمة ونقدها، ولم يزد حظهما في التركيب عن الحديث في عموميات الدولة وخصائصها، بعيدا عن منطقها المؤسساتي، وبنيتها الدستورية والقانونية، وشرعيتها الاجتماعية.

ولئن وجد الإسلاميون في تراث حسن البنا، المرامي والأهداف التي حددها لمشروعه الحركي، مستندا لفكرة إقامة الدولة، فإن أدبيات أبي الأعلى المودودي جرفت العقل الحركي، وأحدثت له انعطافة كبيرة، ربما طوت كل المواقف السياسية العملية التي نحتها الإمام حسن البنا في تعاطيه مع الدستور، والنظام النيابي، والمشاركة السياسية، إذ استلهم الإسلاميون بالجملة فكرة إقامة الدولة، بالشكل والطبيعة الفكرية التي حددها المودودي، والخصائص التي رسمها لرجالات الدولة ومؤسساتها، فجاءت كتابات سيد قطب، ترسم الطريق لتحقيق هذه اليوتوبيا الحالمة، بتوسل تجمع عضوي حركي، يتربى على شاكلة الجيل الفريد، وينطلق من مصدر التلقي نفسه الذي تلقى منه الصحابة، ويتجه نحو القطع مع النظم الجاهلية، وإقامة منهج الله في أرضه.

 



لم يتحدث سيد قطب عن الدولة الإسلامية كهدف مركزي، فالرجل كان ينظر لما هو أبعد من ذلك، أي إحداث انقلاب شامل، تقوده الطليعة المؤمنة الصلبة، التي يصوغها البناء العقدي، وتجتث الجاهلية، وتتطلع إلى قيادة البشرية.

ظلت هذه الأفكار، تمثل جزءا أساسيا من رصيد الفكر السياسي الذي يؤطر تصور جزء كبير من الإسلاميين، لفترة طويلة من الزمن، ولم تتحرك المراجعات إلا عشية الشعور بانسداد النسق الفكري، وترسخ القناعة بأنه يستحيل المضي في أي تجربة سياسية مشاركة دون تدشين مراجعات فكرية وسياسية عميقة، تطال عددا من المفاهيم السياسية ومنها على وجه أخص مفهوم الدولة، ورهانات الإسلاميين تجاهها، إذ بدأ يطرح سؤال نموذج الدولة التي يتطلع إليها الإسلاميون؟ وكيف يفكرون في هذا الموضوع؟ وما الخلفية الفكرية والسياسية التي تسعفهم في بناء رؤية حوله؟

الإسلاميون المغاربة وإبداع مقولة "الدولة الإسلامية قائمة"

لم يكن عبد الكريم مطيع مؤسس الحركة الإسلامية في المغرب في بداية السبعينيات يختلف في أطروحته عن تصور سيد قطب رحمه الله، فقد كان يلخص مهمة الحركة الإسلامية، كما وضح ذلك في كتابه: "الثورة الإسلامية قدر المغرب الراهن" هو إنقاذ الجماهير باستقطابها وتربيتها وتوعيتها وتنظيمها وتجنيدها، لتبليغ رسالتها وحفزها للعودة إلى مواصلة القيام بدورها الريادي الطليعي في إقامة نظام الإسلام الكامل المتكامل في الأرض وإرساء دعائمه إلى يوم الساعة، إعدادها للثورة على نظام الحكم وإقامة الحكم الإسلامي على أنقاضه. ولم يكن هذا المنظر الثوري يحمل أي تصور للدولة الإسلامية خارج أدبيات سيد قطب والمودودي، وربما الإضافة التي قدمها جاءت من خلفيته في التجربة اليسارية، إذ استثمرها في التفكير في التكتيكات السياسية للصراع مع الحكم.

 



وقد شكل مقتل القيادي الاتحادي عمر بن جلون، وما تلاه من تداعيات على حركة الشبيبة الإسلامية منعطفا حاسما في تاريخ الحركة، وحافزا قويا لتدشين مراجعات على مختلف المستويات الفكرية والتنظيمية والأصولية المنهجية فضلا عن المراجعات السياسية. وعلى الرغم من أهمية المراجعات الفكرية التي دشنتها الحركة الإسلامية المغربية، والقطيعة التي أحدثتها مع كثير من المفاهيم التي تلقتها من أدبيات الإخوان المسلمين أو التي تسربت إليها من التجربة اليسارية المغربية، إلا أن الكثير من المراقبين لا يلتفتون إلا للمراجعات السياسية، مع أن هذه المراجعات في كثير من صورها، تمثل الثمرة الطبيعية للمراجعات الفكرية.

والواقع أن المراجعات السياسية التي دشنتها الحركة الإسلامية لم تكن مفصولة عن المراجعات المنهجية والأصولية ولا منفكة عن المراجعات الفكرية التي قامت بها، فقد كان أول ما تنبهت إليه الحركة الإسلامية في هذا المجال، أنها عمدت إلى وضع الممارسة السياسية برمتها في إطارها المنهجي، بحيث أزالت الموضوع من إطاره الكلامي (العقدي) الذي ينشغل دائما بالحكم النظري حول الإمامة وشرعيتها والشروط التي ينبغي أن تتوفر في الإمام ومدى تحققها من عدمه، ونقلته إلى إطاره الأصولي معتبرة العمل السياسي والمواقف المفترض اتخاذها جزءا من الاجتهاد البشري الذي يندرج ضمن السياسة الشرعية المنوطة بجلب المصلحة ودرء المفسدة. ففي مقاله الذي نشر بمجلة الفرقان عدد 14 بتاريخ نيسان (أبريل) يذهب الدكتور سعد الدين العثماني بعد أن يوضح حقيقة السياسة الشرعية وأنها منوطة بجلب المصلحة ودرء المفسدة إلى أنه "ليس من الضروري أن يبحث عن سند شرعي من النصوص لأي إجراء جديد في مجال السياسة الشرعية، بل الذي عليه أن يبحث عن الدليل الشرعي هو الذي يمنع الإجراء، لأن الأصل في المعاملات الإباحة حتى يرد الحظر والمنع من الشرع".

 



فلم يعد مطلوبا طبقا هذه النظرة أن تحدد الحركة الإسلامية موقفها الشرعي من النظام القائم، فهذا مما يجعل الممارسة السياسية خاضعة لمنطق الحق والباطل، ذلك المنطق الذي ينتهي من السياسية في اللحظة التي يقرر أن يبدأ فيها، إذ لا يمكن أن تسعف الأدبيات "الشرعية" السائدة وقتها داخل أوساط الحركة الإسلامية إلا في تكفير النظام القائم، أو على الأقل، الإقرار بأنه نظام جاهلي، "ينتزع من الألوهية أخص خصائصها" وهي الحاكمية، ولا يجعل مدار الأحكام على الشريعة الإسلامية.

ولعل المراجعة الذكية التي أقدمت عليها الحركة الإسلامية بهذا الخصوص، ضربت صفحا كليا عما يسمى الموقف النظري، واعتبرت أن الخوض فيه ليس من مهمة السياسي، وإنما هو شأن الكتب الكلامية، ومضت رأسا إلى الموقف العملي الذي يجعل المواقف السياسية مرتبطة بفكرة توسيع دائرة المصلحة وتقليل دائرة المفسدة في الواقع. وهي العملية التي كانت تفترض بناء عمل سياسي، يقوم على رؤية مغايرة للرؤى التي كانت سائدة زمن الشبيبة الإسلامية، ويصوغ مواقف جديدة من مكونات الفعل السياسي والمجتمعي، تقوم على فكرة التعاون على الخير بدل المصادرة والإقصاء.

بعد أن استقرت لدى الحركة الإسلامية المراجعة الأولى المتعلقة بطبيعة النظر إلى النظام السياسي، وضرورة خضوع الموقف السياسي لاعتبارات المصلحة الراجحة، انتقلت الحركة الإسلامية إلى استئناف النظر في موضوع الدولة، وقراءة خصوصيتها في المغرب، وشرعياتها، وتحديد المداخل الأساسية للتغيير، ووضع المدخل الدستوري والديني على طاولة التداول والنقاش الداخلي.

والحقيقة، أن مدخل التغيير الدستوري لم يكن يطرح أي مشكل لدى الحركة الإسلامية خاصة بعد تأصيل مفهوم المشاركة السياسية، وبعد إزالة عقبة الموقف من التعامل مع النظام السياسي. لكن الذي طرح مشكلة كبيرة وطال بشأنه التداول والنقاش هو قضية المدخل الديني للتغيير، أو ما يصطلح عليه "الشرعية الدينية للدولة.

كانت مجمل الأفكار الحركية في هذا الإطار تدور على ثلاثة توجهات:

ـ توجه يعتبر أن الدولة تبني شرعيتها على الدين (إمارة المؤمنين)، وأن المدخل إلى التغيير هو نزع هذه الشرعية عنها، وقد تبنى الأستاذ عبد السلام ياسين هذا الفهم كما توضح ذلك كتبه بعد "رسالة الإسلام أو الطوفان" وتجاوزه لمرحلة طرح ما أسماه بـ"التوبة العمرية".

 



ـ توجه يرى السكوت على الطابع الديني للدولة، وفي نفس الوقت عدم الإقرار به، وكان منطلق هذا الفهم، هو عدم السقوط في تزكية سلوكات النظام السياسي ومواقفه المنتسبة إلى الدين. وفي المقابل، كان هذا التوجه يعتبر أن المدخل الأساسي للتعامل مع النظام السياسي المغربي، هو المدخل القانوني الدستوري.

ـ توجه ثالث، لم يكن ينازع في صوابية المدخل الدستوري والقانوني، لكنه كان يقرأ الشرعية الدينية للدولة بإيجابية كبيرة، وكان ينظر إلى الوجه الثاني فيها، والمتعلق بإسلامية الدولة المغربية، وما تفرضه هذه الإسلامية نظريا ودستوريا من استحالة مخالفة مقتضيات الشريعة الإسلامية.

وقد كان منطلق الأستاذ عبد الإله بنكيران في طرحه لهذا التوجه الثالث يعتمد على مرتكزات ثلاثة: 

يتعلق الأول بتنصيص الدستور على إسلامية الدولة، إذ كان يعتبر ذلك مكسبا كبيرا للمغرب، لم تستطع حركات إسلامية أن تحققه، بل بذلت في ذلك الغالي والنفيس دون أن تقاربه، ونموذج الإخوان المسلمين في سوريا واضح في هذا الاتجاه. ويرى الأستاذ عبد الإله بن كيران كما وضح ذلك في كتابه "الحركة الإسلامية وإشكالية المنهج" أن التنصيص على إسلامية الدولة يزيد إلى الحركة الإسلامية مدخلا آخر في التغيير هو المدخل الديني، إذ حين ينص الدستور على المرجعية الإسلامية، فمعنى ذلك أن كل القوانين، دستوريا، لا يمكنها أن تخالف الشريعة الإسلامية، وهو المدخل الذي يمكن أن تستثمره الحركة الإسلامية إلى جانب ما يتيحه المدخل القانوني والدستوري. 

ويتعلق الثاني بمراجعة الرؤية التي كانت تحملها الحركة الإسلامية عن طبيعة الدولة، ففي نظر الأستاذ عبد الإله بنكيران، الدولة مثلها مثل الإنسان المسلم، لا يمكن أن ننفي إسلامه بمجرد ارتكابه للمعاصي والانحرافات السلوكية، فالدولة نظريا ودستوريا إسلامية، لكن قد تشوب ممارساتها ومواقفها انحرافات عن الإسلام، لكن هذا لا يجيز أبدا نزع الشرعية الدينية عنها ولا تكفيرها، وإنما يصير المدخل الديني للتغيير أحد أدوات إعادتها إلى صوابها والتزامها بمقتضى إسلاميتها، وهو الدور الذي يرى الأستاذ عبد الإله بنكيران أن الحركة الإسلامية ينبغي أن تضطلع به. 

ويتعلق الثالث بمآل الطعن في الشرعية الدينية، إذ يعتقد الأستاذ عبد الإله بنكيران أن انخراط الحركة الإسلامية في نزع الشرعية الدينية عن الدولة المغربية، يساهم في تقديم هدية ثمينة للعلمانيين وللقوى الأجنبية التي تضيق بإسلامية الدولة، وتراهن أن يصبح المغرب دولة علمانية، إذ لا تعني تصفية الشرعية الدينية، وعدم التنصيص عليها دستوريا في نظر الأستاذ عبد الإله بنكيران، سوى القطع مع المرجعية الإسلامية، وإزالة ما تعتبره كثير من الجهات العقبة الكأداء أمام مشاريع وقوانين تبعد المغرب عن الإسلام، وتجعله أقرب ما يكون للدولة العلمانية التي لا يوجد فيها أي سلطان للدين.

 



والحقيقة أن هذه النظرة الاستشرافية، ووجهت بشدة من قبل المحافظين داخل الحركة الإسلامية، وأحدث تصريح عبد الإله ابن كيران في جامعة الصحوة الإسلامية الذي قال فيه "الدولة الإسلامية قائمة بالنسبة إلينا" زوبعة كبيرة، انتهت بانتزاع صفة التصريح الرسمي باسم الحركة منه مع أنه كان رئيس الحركة، وإسنادها إلى الأستاذ محمد يتيم، مع أن جوهر التصريح كان يتجه إلى إعفاء الحركة الإسلامية المغربية من مسار من النقاش والصراع حول توصيف طبيعة الدولة والموقف منها، وتكييف طبيعة الخيارات التي ينبغي مواجهة الدولة بها. 

ويعلق محمد يتيم على هذه المراجعة الاستشرافية التي أبدعها الأستاذ عبد الإله بن يكران، في تصريح خاص بـ "عربي21"، ويعتبر أنها كانت أشبه بالثورة الكوبيرنيكية، لأنها شكلت مقدمة لمراجعة مقولة "إقامة الدولة الإسلامية"، وانتقال هذا الهدف إلى إقامة الدين على كافة المستويات بما في ذلك الدولة مع إيلاء الاهتمام بالمضمون الإصلاحي.

في تفسير سلاسة تعاطي الإسلاميين الإيجابي مع الدولة الحديثة ومؤسساتها

يرى محمد يتيم، في نفس الحديث للموقع، أن عددا من المعطيات ساهمت في تميز الحركة الإسلامية وخاصة حركة التوحيد والإصلاح، عن نظيراتها في المشرق بخصوص النظرة إلى الدولة، أولها التأخر الزمني لنشأة الحركة الإسلامية المغربية بالمقارنة مع نظيراتها في العالم العربي، إذ مكن هذا التأخر الزمني التجربة المغربية من الوقت الكافي للتأمل في التجربة المشرقية والاعتبار بها، وثانيها أن تصور الحركة الإسلامية في المشرق لموضوع الدولة كان رجع صدى لسقوط الخلافة الإسلامية (الخلافة العثمانية) في المشرق وليس غريبا أن المسافة الزمنية بين سقوط الخلافة العثمانية (سنة 1923) وبين تأسيس أول حركة إسلامية منظمة لم يتجاوز بضع سنوات (1927) وكان حلم استرجاع الخلافة أحد قضاياها ذات الأولوية، في حين أن المغرب لم يخضع للخلافة العثمانية، بل ظل على طول التاريخ دولة إسلامية قائمة الذات. 

وثالثها أنه لم يكن ارتباط المغرب بالدولة الإسلامية في المشرق إلا ارتباطا معنويا، أي أن الجامع بينهما هو الانتماء للإسلام والاهتمام بقضايا الأمة والتحديات التي تواجهها (الحروب الصليبية) الذي كان ينتج أشكالا من الدعم والنصرة المادية أو المعنوية (الدعاء في منابر الجمعة أحيانا للخليفة) فضلا عن عدم استخدام مصطلح الخليفة والخلافة بل مصطلح أمير المسلمين وأمير المؤمنين والسلطان. ولم يتجاوز الأمر ذلك الى التبعية أو الولاء السياسي، ولهذا السبب لم يعش المغرب صدمة سقوط الخلافة كما عاشها المشرق، حيث استمرت الدولة السلطانية قائمة، واستمرت الشرعية الدينية والسياسية للملك أو السلطان قائمة حيث كان التكييف القانوني للوجود الاستعماري أنه حماية وليس استعمارا. 

أما البعد الرابع في تفسير محمد يتيم، فيتعلق بتلازم الفكر الديني الإصلاحي كما تبلور مع رموز ودعاة السلفية المغربية مثل الشيخ أبو شعيب الدكالي والشيخ بن العربي العلوي والأستاذ علال الفاسي مع الحركة الوطنية كحركة مقاومة للمستعمر، ولهذا تلازم النضال الوطني مع الفكرة الإصلاحية السلفية في بعدها الوطني المغربي التي كانت أقرب لسلفية رواد الإصلاح في المشرق مثل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده والكواكبي وغيرهم، ولم تبدأ الفكرة الإصلاحية الإسلامية في التبلور كخيار تنظيمي إلا بعد أن بهت البعد الإحيائي الإسلامي في بعض مكونات الحركة الوطنية بعد الاستقلال، وبدأت بوادر اختراقها  بتوجهات ذات طابع يساري أو قومي، أو حينما بدأت "اللادينية"  تخترق "المغرب المسلم" بتعبير الدكتور ادريس الكتابي الذي له كتاب يحمل نفس العنوان: "المغرب المسلم في مواجهة اللادينية"، علما أن الملكية في المغرب اختارت الانحياز للحركة الوطنية في مقاومة المستعمر فيما عرف ويعرف اليوم بثورة الملك والشعب، التي تحول بمقتضاها الملك محمد الخامس إلى رمز من رموز المقاومة الوطنية، وتحول النضال للمطالبة بإرجاعه إلى الوطن بعد نفيه إلى أحد البنود ذات الأولوية في ذلك النضال. 

 



خامس هذه المعطيات، في نظر محمد يتيم، يرجع إلى طبيعة الدولة المغربية من حيث أنها لا تقتصر على تعريف نفسها تعريفا دستوريا بأنها دولة إسلامية، بل إن لها شرعية دينية، فالملك ليس فقط رئيس دولة، بل هو أمير المؤمنين، تربطه بالشعب رابطة البيعة الشرعية؛ وهذا يعني أن المطلوب ليس هو إقامة دولة إسلامية لأنها قائمة دستوريا، وإنما المطلوب بناء مضمون تربوي وفكري وخلقي واجتماعي وسياسي لها، أما المعطى السادس، فيرتبط بالصراع الحاد الذي خيم على العلاقة بين النظام المغربي والمعارضة الذي اتخذ أشكالا من الصدام الدموي أحيانا، والهادف إلى تصفية احدهما للآخر فيما يعرف بسنوات الرصاص والمحاولات الانقلابية ذات الطابع المدني أو العسكري صاحبها صراع إيديولوجي حيث تحصنت المعارضة بأيديولوجيات قومية ويسارية بعضها كان راديكاليا، بينما تحصن النظام المغربي بشرعيته الدينية وعمل على تعزيزها وجعلها آلية في مواجهة اليسار.