قضايا وآراء

البنية الديموغرافية لثورات الربيع العربي

1300x600
على الرغم من المشاركة الشعبية الواسعة في موجتي ثورات الربيع العربي، الأولى التي انطلقت من تونس في نهاية 2010، والثانية خلال العام الحالي 2019، لكن غلب عليهما طابع الشباب، نظرا لأنهم يشكلون الشريحة الاجتماعية الأكبر والأكثر تضررا من الفئات الأخرى، بسبب بؤس مؤشرات التنمية البشرية والاقتصادية، وعدم قدرة أسواق العمل العربية على استيعاب وتشغيل المعروض من قوة العمل والنشيطين اقتصاديا من الشباب العربي، في وقت يتبوأ الوطن العربي أهمية استراتيجية بسبب موقعه الجغرافي، واستحواذه على ثلثي احتياطي النفط في العالم ومساهمته في الوقت ذاته بنسبة 30 في المئة من إنتاج النفط العالمي.

وقد وصل مجموع سكان الوطن العربي خلال العام الحالي 2019 إلى 380 مليون نسمة، تشكل فئة الشباب أكثر من 50 في المئة منهم، وهي الشريحة الاجتماعية ما بين الخامسة عشرة والخامسة والثلاثين من العمر.

الشباب ركيزة الانتفاضات

لقد أدت عملية الإفساد المالي والإداري لغالبية الدول العربية إلى زيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء، فضلا عن تفشي ظواهر خطيرة، وفي مقدمتها ظاهرة تمركز رأس المال والاستثمارات بأيدي أزلام النظم السياسية الحاكمة. وتلك الشريحة لا يهمها إلا تراكم رأس المال، بعيدا عن القيام باستثمارات تعود بمنفعة مباشرة على الأوطان والشعوب، وهذا بدوره أدى إلى ارتفاع وتيرة مؤشرات البؤس في غالبية الدول العربية، فتفاقمت معدلات البطالة وخاصة بين شريحة النشيطين اقتصاديا، أي فئة الشباب التي يمثل الخريجون الجامعيون النسبة الأكبر منها. وازدادت قيمة الديون الخارجية وارتفعت معدلات الفقر والفقر المدقع إلى معدلات فلكية، رغم وجود المصادر الطبيعية الوطنية الكبيرة. وكان ذلك بمنزلة عوامل جوهرية لانطلاقة موجتي ثورات الربيع العربي، التي نادت وتنادي بالتحول الديمقراطي والعدالة وإعادة توزيع الثروة بشكل عادل.

وقد انعكست سياسات النظم السياسية العربية على مناحي الحياة كافة، ومن بينها الحياة السياسية والاقتصادية، حيث تتحكم أقلية من السكان التي تعيش في كنف النظام السياسي القائم بالقسم الأكبر من الدخل القومي لهذه الدولة أو تلك، في حين بقيت أكثرية المجتمعات العربية عرضة لتفاقم ظاهرة الفقر والبطالة والجهل والتهميش، وخاصة طلاب الجامعات والمتخرجين منها الذين كانوا وما زالوا نواة الانتفاضات الجماهيرية في عدة دول عربية.

وبالأرقام يتوزع الدخل القومي بشكل أكثر عدالة نسبيا في الدول المتطورة، في حين يستحوذ على 20 في المئة من سكان الوطن العربي على 90 في المئة من الدخل المحلي، وهو ما يجعل 80 في المئة من السكان في الدول العربية تحت خط الفقر، الأمر الذي يضعف خياراتهم من صحة وتعليم ورفاه اجتماعي.

وللدلالة على سياسات النظم العربية الدكتاتورية الفاشلة، ارتفعت وتيرة معدلات البطالة بين النشيطين اقتصاديا، وخاصة فئة الشباب التي أشرنا إليها خلال السنوات الأخيرة، لتصل إلى 12 في المئة كحد أدنى و35 في المئة كحد أعلى، في وقت وصلت فيه نسبة الأمية بين الإناث العربيات البالغات إلى 50 في المئة. كما تشير تقارير التنمية البشرية الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إلى أن معدل الأمية بين البالغين في الدول العربية بقي في حدود 35 في المئة خلال العقد الأخير، وكان مؤشر الأمية بين الشباب العربي هو الأخطر مقارنة ببعض الدول النامية في أمريكا اللاتينية، حيث وصل إلى نحو 20 في المئة.

إمكانية تحقيق الأهداف

ومن الأزمات التي تعاني منها المجتمعات العربية، بسبب السياسات الفاشلة للنظم الرسمية العربية، عدم الاستفادة بالشكل المطلوب من ثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وتُعزَى الفجوات الكبيرة في هذا المجال بين الدول العربية والدول المتطورة في دول العالم؛ إلى ارتفاع معدلات الأمية بين الشباب العربي، التي كان مردها سياسات النظم العربية، حيث لم تخصص الموازنات الكافية للارتقاء بمستويات التعليم والبحث العلمي.

يمكن الجزم بأن فئة الشباب كانت وما زالت الفئة الأكثر مشاركة وفعالية في الانتفاضات العربية للمطالبة بالحرية والعدالة، وإسقاط النظم التي جلبت البؤس والفقر والحرمان للشعوب العربية، نظرا لأن تلك الفئة تشكل النسبة الكبرى في إطار التركيبة الديموغرافية العربية، فضلا عن عدم قدرة أسواق العمل العربية على استيعاب المزيد من قوة العمل المعروضة، وخاصة من الخريجين الجامعيين الذين واكبوا (أكثر من الشرائح الاجتماعية الأخرى) ثورة المعلومات، واستفادوا منها لجهة توحيد الشعارات في الساحات والميادين بشكل مدروس، فضلا عن ترتيب الحراكات وتوقيتها. وتبعا لذلك، يلحظ المتابع للانتفاضات العربية بوضوح جلي تشكل قيادات شبابية لها، لكنها غير منظورة، استفادت بشكل كبير من التوجيهات والخطابات الإعلامية لأصحاب التجارب من مفكرين وإعلاميين وسياسيين انحازوا إلى أهداف الانتفاضات والمنتفضين منذ البداية في ساحات وميادين التحرير العربية، وقد يعزز ذلك من إمكانية تحقيق أهداف ثورات الربيع العربي ولو على عدة مراحل.