قضايا وآراء

لماذا هذا الصمت الإيراني على اسرائيل؟

1300x600

وصلت الضربات الإسرائيلية لمواقع الميليشيات الإيرانية إلى العراق، وثمة تقديرات تقول بأن العراق سيتحوّل في المرحلة المقبلة إلى هدف للضربات الإسرائيلية، إلى جانب استهداف المواقع الإيرانية في سورية.

يحصل ذلك، فيما قادة إيران، والإعلام المؤيد لهم، يرددون ليل نهار معزوفة أن إسرائيل باتت مردوعة بعد حرب تموز 2006، بل يذهبون أبعد من ذلك عبر تصويرها كطرف يستحق الشفقة لما آلت إليه أوضاعها، وأنها تقع في أدنى درجات سلم اهتمامهم وفي مؤخرة انشغالاتهم، ذلك أن قوّة لا يستغرق تدميرها سبع دقائق ونصف لا تستحق الانشغال بها، تماماً كما لا يمنح الفيل النملة أي اهتمام بل حتى أنه لا يراها.

 

ضربات مؤلمة

لكن الحقيقة غير ذلك بالتأكيد؛ إذ على مدار سنوات كالت إسرائيل لإيران ضربات مؤلمة، قتلت العديد من خيرة كوادر حزب الله ومن كوادر الميليشيات الإيرانية، ودمرت مئات شحنات الأسلحة التي كلفت إيران مئات ملايين الدولارات، والأهم من كل ذلك أنها أطاحت بسمعة إيران العسكرية وأظهرتها بموقف ضعف لا يستقيم مع تبجح قادتها الذين يزعمون أن إيران باتت القوّة الأولى في المنطقة، بل أصبحت قوّة يحسب لها حساب على الصعيد الدولي.

هذا الوضع طالما دفع بالسؤال عن السبب الحقيقي وراء هذا الصمت الإيراني، ذلك أن المنطق يقول إن أي دولة، ومهما كان الفارق النسبي في القوّة بينها وبين خصمها، الذي يصر على إهانتها، كانت ستدخل الحرب مع إسرائيل، ربما من 2014، فكيف ضبطت إيران أعصابها طوال هذه المدّة؟

 

إيران تعيش ربيعها في سورية، وهي أمام فرصة يصعب أن يأتي مثيل لها في قرون عدّة،

 

تشتغل إيران في سورية على قاعدة أن المكاسب المتحصلة من سورية، والتي سيتم تحصيلها مستقبلاً تستدعي تحمّل إيران لبعض الخسائر، وهي ترى أن هذه الخسائر تبقى تحت سقف المعقول ويمكن احتمالها، ذلك أن الهدف الذي تسعى إيران لتحقيقه يستحق من أجله أن تتغاضى إيران عن الرد على إسرائيل أو حتى استفزازها.

 

وتمتلك إيران مشروعاً واضحاً في سورية، يقوم على خلق بيئة مؤيدة لها في أوساط السوريين، بيئة مساعدة على ترسيخ وجودها في المنطقة، وتشكّل سورية جسراً مهماً لمناطق نفوذها من طهران إلى بيروت، ولا يكفي أن يكون نظام الأسد مؤيداً وداعماً لها؛ إذ تدرك إيران أن هذا النظام لن يدوم مدى الحياة، وأن الثورة وإن لم تسقطه إلا أنها وضعت حداً لاستمراريته ودوامه، ولن يبقى أكثر من سنوات معدودات مهما حاولت إيران أو روسيا دعمه.

إيران ليست منشغلة بإسرائيل فعلاً، لأن أجندتها مليئة بالانشغالات داخل سورية، فقد قامت بتطهير مناطق كاملة من سكانها وأحلت مكانهم سكانا مؤيدين لها، في القلمون وريف دمشق الغربي، ورسخت سيطرتها على حلب وأريافها، لدرجة أن حلب أصبحت مدينة إيرانية حتى روسيا لا تجرؤ على دخولها دون إستئذان الإيرانيين، وتعمل ليل نهار على تشييع دير الزور وأريافها على الحدود العراقية، وتبني مزارات وتخترع مقامات، وتعمل بشكل حثيث على تفكيك المجتمعات المحلية في درعا والقنيطرة وإضعافها بهدف إخضاعها، سواء عبر اختراقها بعمليات التشييع، او من خلال الإغراء بالمال وتجنيد الشباب في ميليشياتها العديدة.

 

إيران ليست منشغلة بإسرائيل فعلاً، لأن أجندتها مليئة بالانشغالات داخل سورية،


وتتلقى إيران دعماً لوجستياً هائلاً من نظام الأسد وروسيا بما يجعلها تتحكّم بمسارات سورية المستقبلية، فالقتل والتهجير الحاصل في مختلف المناطق السورية يصب في رصيدها عبر إفراغ البلاد من سكانها الذين قد يشكلون مقاومة في وجهها، كما أنه يشكّل عائقاً أمام احتمالات عودة اللاجئين والمهجرين، والقمع الذي تمارسه عصابات الأسد على الشباب يدفع أعدادا كبيرة منهم للاحتماء بإيران عبر الانخراط في ميليشياتها وتنفيذ مشاريعها.

 

فرصة تاريخية

إيران تعيش ربيعها في سورية، وهي أمام فرصة يصعب أن يأتي مثيل لها في قرون عدّة، لذا يرى قادتها والعاملون في ظلها، مثل حسن نصر الله، أنه يتوجب استغلال هذه الفرصة إلى أقصاها، أرض سائبة وسكان تائهون في المنافي والمخيمات والمهاجر، ومن هم في الداخل أنهكهم الخوف والجوع والضياع، فلماذا تنشغل إيران بأحداث جانبية، من نوع الرد على الضربات الإسرائيلية، فلتضرب إسرائيل ما تشاء، على العكس فإن ذلك يقوي الموقف الإيراني ويدعمه، ودون أن تقصد إيران فإن ذلك يظهرها بمظهر الخصم الاستراتيجي لإسرائيل.

لماذا لا ترد إيران على ضربات اسرائيل؟ الأصح من ذلك، لماذا ترد؟ لا يمكن لعاقل أن يخرب مشروعه بيده، سورية فرصة استراتيجية لإيران، في ظل وجود عصابة الأسد، وحالة الضعف التي ألمت بالمجتمع السوري، فضلاً عن الضعف العربي والنفاق الدولي.