كتب

باحثة أمريكية: العلمانية ليست مرادفا للمساواة بين الجنسين

باحثة أمريكية: هناك بنيات ذهنية تؤبد التمييز بين المرأة والرجل (عربي21)

يظلّ موضوع النسويّة من أمّهات ما تدارأَت عليه النّخب عنوانا لصراع الحداثة. وبين ربط وضعية المرأة بالمدوّنات العلمانية أو الدينية وبين الثقافة الذكورية، تفصل المؤرّخة "جُون سْكوت" في كتاب "دين العلمانية" القمح عن زُؤانه في أثر فكري رجّ الوعي الغربي. 

المؤرّخة بالجامعة الأمريكية "جُونْ سْكوت"، والمختصة في دراسة التاريخ الفرنسي هي إحدى وجوه النسوية التي قوّضت السرديّات المغالطة حول موضوع النوع الاجتماعي في الغرب. حَوى الأثر الصّادر سنة 2018، 317 صفحة، مشتملا على خمسة محاور رئيسية: "النساء والدّين"، "المستقبلية المنتجة"، "التحرّر السّياسي"، "من الحرب الباردة إلى صدام الحضارات"، "التحرر الجنسي". 

 

 

في حقيقة الأمر، كانت المساواة بين الجنسين غائبة في الوثائق المؤسِّسة للديمقراطيات الغربية أصلا



انبجست فكرة الكتاب بعد التمعّن في التأكيدات المعاصرة التي تعاملت مع العلمانية مرادفا للتحرّر النسوي والمساواة. عبّرت فيها الكاتبة بعد دراسة تاريخ النسوية، عن اندهاشها لما يزعمه الساسة من أن المساواة في النوع هي فكرة أساسية في الديمقراطية منذ الثورة الفرنسية. ففي حقيقة المر، كانت المساواة بين الجنسين غائبة في الوثائق المؤسِّسة للديمقراطيات الغربية أصلا، حتى في الرّدهات التي استمسكت فيها بالمبادئ الكونية لحقوق الإنسان.
 
إخفاق العلمانية في ضمان المساواة
 
لم يقع حل اشكالية المساواة بين الجنسين بمجرد ظهور الدولة في الغرب، بل على العكس تماما، فان فكرة العلمانية كمرادف صريح لتحرير النساء كانت خاطئة. إذ تقول في المقدمة ص (12): "ففي حقيقة الأمر، كانت عدم المساواة ـ ليس المساواة ـ في النوع أساسية في لحظات تشكّل فصل الكنيسة عن الدولة الذي دشّن عصر الحداثة الغربية". إذ لم تصبح المساواة قيمة عند السّاسة الفرنسيين إلا في بداية القرن الحالي. وهو ما توضّحه دراساتها حول قانون 1905 الذي أقرّ بفصل الكنيسة عن الدولة في فرنسا. بل ذهبت الكاتبة بعيدا أن تلك الحداثة الجديدة رسّخت نظاما جديدا لتبعية النساء قسّم الوضعية إلى فسطاطين: الدائرة الخاصة المنزلية الذي أسندت إلى المرأة، والدائرة السياسية العامة التي أسندت إلى الرجال". 

في تلك اللحظة التاريخية تم اعتبار النساء متديّنات بما جُبلن عليه من سرعة التصديق والسذاجة والإحساس الفطري الرقيق بالدين، ومن ثمة، تم فصلهن عن حياة الحياة المدنية كما فُصل الدين. واستندت إلى شهادة المؤرخ الفرنسي  Michelet Jules 1798 -1874 في قوله بأنهن "كنّ خطرا دائما على الجمهورية"، حيث تم التركيز على ثبات تقسيم الأدوار بين الجنسين: الرجل القوي يحمي الدّولة، والمرأة الضعيفة للإنجاب ومتاع الرّجل الجنسي. إذ تذكر في (ص) 48 "رغم وعود العلمانية بالمساواة  الكونية إلا أنها طردت المرأة من المواطنة ومن ثمة من الحياة العامة".

 

في هذا الخطاب العلماني الجديد صارت كلمة علماني تعني "المتحرر جنسيا". وهو التطوّر الثاني الذي وقع في النسوية


تطورت الأمور عبر السنين ومررنا من خطاب حداثي للعلمانية الذي ينضّد العلاقة بين الأجناس إلى خطاب معاصر يجعل من العلمانية ضامنة للتحرر الجنسي للنساء، الذي لم يكن يعني يوما المساواة بل كان سببا في مشاكل جمّة. إذ يتواصل العنف ضد المرأة امتهانها وخاصة في التمييز بين الأجور. وبالتأكيد أن هذا لا يعني أن كل النساء يعانين المشاكل نفسها، ولكن الثقافة الذكوريّة تستقر بصلابة في الغرب، والعدالة ليست من المكاسب التي ضُمنت. 

العلمانية رديفا للتحرر الجنسي:

وقع استرجاع خطاب الحرية الدينية والجنسية في نهاية القرن الماضي، في الوقت الذي صار فيه الإسلام يعوض الشيوعية عدوا للغرب المسيحي العلماني. وانتهى الأمر إلى استقرار مفهوم العلمانية نسويا في المسالة الجنسية. في هذا الخطاب العلماني الجديد صارت كلمة علماني تعني "المتحرر جنسيا". وهو التطوّر الثاني الذي وقع في النسوية، يكاد يُختزل في التحرر الجنسي للمراة وكأن مندرجا ضمن تيار الموجة الثانية من النسوية 1960 ـ 1970. هنا صارت العلمانية مرادفا للحق في حرية الجسد، وصارت الحرية الجنسية تمثُّلا للتحرر بشكل عام. 

لتنطلق في تسعينات القرن الماضي ندوات دولية كبرى مناهضة للعنف ضد المرأة في الإسلام والزواج القسري وجرائم الشرف، وانطلقت حملة أخلاقية غربية لفرض خيارات ثقافية غربية الشعوب. وكانت ضربا من عجرفة مثّلت تواصلا للاستعمار الكلاسيكي، أساسه تركيز خطاب "نحن" الأعلى ضد "هم" المسلمين جوهريا. وصارت المسيحية دين الحرية، والإسلام رمزا لاظطهاد المراة. 

 

تم اعتبار السّافرات حرائر في اتباع رغباتهن بينما كانت المحجبات محرومات من تلبية رغائبهن


وهنا تتجلى التناقضات، لأن المسيحية نفسها هي أبعد من أن تكون في صفّ حرية الجسد. يرتكز  الخطاب العلماني في المستقبل على التعارض بين بين الإسلام والغرب وهو تعارض مصنوع من ثقافة الجسد الأنثوي المغطى والجسد المتعري. تقول الكاتبة ص (214) "ارتكز خطاب العلمانية على التباين بين الغرب والإسلام الذي يتمفصل في تعارض بين الجسد الأنثوي المستور والجسد غير المستور، إذ تم اعتبار السّافرات حرائر في اتباع رغباتهن بينما كانت المحجبات محرومات من تلبية رغائبهن". 

والحقيقة أن الخطاب العلماني للتحرر الجنسي فكرة غربية وبورجوازية لأنه فكرة ليس كونياّ بالمرّة، بل كان تكوّنها التاريخي في سياق معين لا غير. والحرية الجنسية لا تُكسب بالضرورة المساواة. ولم تكتسب هذه السرديّة معنى الا بالمقارنة مع قَدر النساء المسلمات اللاتي يُصوّرن مظطهدات جنسيا. وهذا يجعلنا نشير إلى عناصر أخرى مثل حق الانتخاب والحق في التمدرس والاختيار الجنسي والتركيز على ما هو جنسي ـ على أهميته ـ لا يقول شيئا عن عن الحيف الاقتصادي والتفاوت بين الطبقات والأجناس الذي كان في مضرّة الآخرين.

المرأة ضحية ثقافة دينية أم ذكورية؟

تساءلت الكاتبة عن السبب الحقيقي وراء عدم المساواة، وانتهت إلى القول بأن هنالك بنيات ذهنية تُؤبّد عدم المساواة والتمييز. ويكفي التعرف على شهادات اقتحمن الحلبة السياسية. ورأين الكثير من القادة السياسيين الغربيين يكبحون دخول المرأة إلى المناصب العليا في الدولة. فبعد انتخاب "دونالد ترامب" أدركن أنهن كنُّ عرضة للتهديد والتحرش والشتائم الغريبة. بل كُنّ هدف مقاومة رجالية حاقدة غائرة العمق والحُنق. 

تقول الكاتبة ص(152): "وحتّى حين كان لهن الحق في التصويت ظلت النسوة مهمشات في السياق السياسي. وكذلك كانت الأحزاب لا تعيّن النساء في وظائف انتخابية التي تاكدّت فيها خسارتهنّ".  

فإذا ما كنا نريد المساواة الفعلية للمرأة، علينا أن نبحث عن منابع التمييز الحقيقية. فعندما نتناول قضية العنف بين الأزواج في أمريكا أو أوروبا، كثيرا ما ننظر إليها ثمرة مرض نفساني شخصي يمارسه رجل لا يستطيع لجَم غضبه فيستضعف زوجته. ولكن عندما نحلّله عند المسلمين لا ننظر إليه الاّ نتاج ثقافة إسلامية. ولكن الحقيقة، أنه في الحالتين هو منتج ثقافة ذكورية خالصة. المشكلة أن المساواة السياسية مبنية عل تناقض: فهي من ناحية تنهض على المساوة مبدأ مجرّدا بين الأفراد، ومن ناحية أخرى تستمسك بالثبات المزعوم للفروق بين الرّجل والمرأة المنسوبة إلى الطّبيعة. 

 

إذا ما كنا نريد المساواة الفعلية للمرأة، علينا أن نبحث عن منابع التمييز الحقيقية


ولكن في الغرب كثيرا ما يقع السعي إلى طمس هذا التوتّر. وقع جدل كبير حول المهاجرين المسلمين في فرنسا والغرب الأوروبي عموما، حيث تواتر فيه تقسيم "نحن" الغرب والبلدان المتحضرة والعلمانية التي تفخر بالمساواة بين الجنسين و"هُمْ" المسلمون لا يعرفون هذه العدالة. وقد انغرست هذه الفكرة بَداهة للتّلقين. ولكن الترويج للعلمنة بمعنى المساواة كان بغاية نهايات مُسدّدة: تسجيل العداء للإسلام من ناحية، وإخفاء ثبات الحيف الذي يمُارس ضد المرأة الغربية من ناحية أخرى. وبالتّالي لا يمكن اختزال التاريخ المعقّد من العلاقات في "نحن" الغربيون و"هم المسلمون" بهذا التبسيط الجائر.

جماع القول في الكتاب، يكمن في تفكيك جوهر المغالطة الكبرى المُوهمة بأنّ المساواة بين الجنسين كقيمة أساسية في المجتمعات لم تكن مضمونة إلا بقيم العلمنة، وهو ما يضفي تصوّرا مثاليا عنها. لذا وجب التوقّف حسب الكاتبة عن ترديد أن العلمانية ضمانة المساواة، فهذا يدحضه البحث التاريخي.

*صحفي من تونس