كتاب عربي 21

المصريون في قطر!

1300x600

لا ينكر إلا "ناكر للجميل" حقيقة مفادها أن قطر هي ثاني دولة، بعد العراق في عهد صدام حسين، لا تأخذ المصريين الذين يقيمون على أرضها بجريرة النظام المصري، مع محاولة الأخير المستمرة الزج بالشعب في أتون خلافاته مع القطريين، التي لا ناقة للمصريين فيها ولا جمل!

ولا أنكر أن فزعاً سرى في أوساط المصريين، خوفاً من أن تكون قطر قد غيّرت من سياستها، بعد تصريح للأمين العام للمجلس الوطني للسياحة "أكبر الباكر"؛ يصنف المصريين على أنهم أعداء، لا سيما وأن السياق بدا كما لو كان مفتعلاً، وتم إعداده من أجل إعلان هذا التغير في التصنيف من "أصحاب فضل" إلى "أعداء"!

لقد وقف صحفي خواجة (على ما يبدو) ليطرح سؤالاً باللغة الانجليزية، حول وضع المصريين من مسألة التأشيرات التي سيسمح بها، وقطر تخطط لأن تكون بلداً سياحياً، فكان الرد الذي انتقل عبر السيوشيال ميديا انتقال النار في الهشيم، بأن المصريين أعداء.

 

السياق بدا كما لو كان مفتعلاً، وتم إعداده من أجل إعلان هذا التغير في التصنيف من "أصحاب فضل" إلى "أعداء"!

فلأول مرة يصرح قطري، فضلاً عن مسؤول، بمثل هذا التصريح الحاد، لا سيما وأنه تصريح جاء بعد تغريدة للسيد ناصر بن محمد النعيمي، وإن كان أكثر دقة في حصر الأعداء من المصريين، إلا أنها وتصريح "أكبر الباكر"؛ بدوا معاً كما لو كانا تدشيناً لمرحلة جديدة، فبدا أنه قد فاض الكيل بالقوم، ولم يعودوا قادرين على عملية الفصل بين المصريين وحكامهم!

لقد صنف "باكر الباكر" كل المصريين بأنهم أعداء، في حين حدد "النعيمي" المقصود بالأعداء وحصرهم في أنصار السيسي، وهم الذين ذهبوا للسفارة المصرية في الدوحة، ليقولوا نعم على الاستفتاء على التعديلات الدستورية، التي تستهدف استمرار السيسي في الحكم، والسيسي يحاصر بلاده (قطر)، ومن ثم فلماذا يبقى أنصاره في الدوحة؟.. أو كما قال!

ولأن المصريين لم يجربوا من القطريين مثل هذه الحدة وهذا الحسم، ولأنهم يعلمون أن كثيراً ما يقال في المنابر المصرية الإعلامية هو بتوجيه من سلطة تشرف على الإعلام الذي هو مسيّر لا مخيّر، فقد كانت الخشية أن تكون هذه التصريحات كاشفة عن توجه جديد للدولة القطرية، فأصبح فؤاد المصريين في قطر فارغا. والحال كذلك، فالقادم لا يبشر بخير، فقد انتهت مرحلة الإفراط في السماحة، للدخول في مرحلة الحسم، وعلى قاعدة ".. والشر إن تلقه بالخير ضقت به ذرعاً... وإن تلقه بالشر ينحسم"!

 

لأن المصريين لم يجربوا من القطريين مثل هذه الحدة وهذا الحسم، ولأنهم يعلمون أن كثيراً ما يقال في المنابر المصرية الإعلامية هو بتوجيه من سلطة تشرف على الإعلام الذي هو مسيّر لا مخيّر، فقد كانت الخشية أن تكون هذه التصريحات كاشفة عن توجه جديد للدولة القطرية

ولا يضار سيساوي

رسمياً، لا توجد لمصر سفارة في الدوحة، لكن واقعياً فإن السفارة قائمة لا ينقصها منذ أن دخلت مصر في حصار قطر؛ سوى السفير. فكل الموظفين في السفارة كما هم، والتي تقوم على خدمة المصريين بأختامها، وأوراقها، ولا وجود لاسم السفارة التي تعمل مصر من خلالها، وهو تساهل يتجاوز القانون، لتسهيل أحوال أكثر من 300 ألف مصري يقيمون في الدوحة، وهم الذين لا تعبأ بهم السلطة في مصر، والتي اعترف أحد المسؤولين فيها مرة أنهم يعاملون معاملة طيبة، وأزيد عليه بأنها المعاملة الأفضل في كل دول الخليج.

ولم يحدث أن أضير مصري، لأنه سيساوي مثلاً، مع أن البعض يتجاوز في إعلان انحيازه لأسباب تخصه، ولأنه يعلم بأنه لن يضار في قطر بهذا الإعلان المفتعل والمبالغ فيه أحياناً. وفي المقابل، فإنه يتصرف كما لو كان يحاط بمخبرين ينقلون المواقف للقاهرة، فيكون الإعلان حتى لا يقع عليه الضرر بسبب سفره للدوحة، ولو بتوقيفه في المطار. فها هو يتحدى القطريين في عقر دارهم، وهو يكذب على نفسه؛ لأنه لو كان يعلم أن هناك احتمالا لأن يحاسب على ذلك لما أقدم عليه!

لقد رأينا في الانتخابات الأولى للسيسي، وقد اندفع مصريون للسفارة، وكأنهم في حالة توهج وطني لانتخابه، ويلتقطون لأنفسهم بصحبة أسرهم صور السيلفي، وكأن لأصواتهم قيمة، وكأن مصر لم تعرف خمس استحقاقات انتخابية سابقة، كانت تعبيراً عن معنى الإرادة الشعبية، حتى يذهبوا هذه المرة فرحين بما آتاهم.

لقد كانت أجواء فرح مبالغا فيها تستهدف في المقام الأول؛ البقاء الآمن في الدوحة، لاعتقادهم أن النظام المصري يصدق فعلاً أنهم ذهبوا إلى هناك من باب التحدي للنظام القطري، وهي سذاجة مفرطة إن ظنوا في من يحكمونهم أنهم بلهاء فعلاً.. إن مثلهم كمثل من خرجوا على توجيه السلطة بمنع الظهور في الجزيرة، ووجدوا فراغاً فتمددوا فيه نظراً لرفع قناة "الجزيرة" شعار الرأي والرأي الآخر، فكان استدعاؤهم هو من باب المضطر، الذي ورد أنه يركب الصعب، وما أن ينتهي أحدهم من "وصلته" في الدفاع عن النظام، حتى يذهب ليكتب تغريدة يهاجم فيها الجزيرة وقطر. ولو كان يعلم أنه سيحاسب بالمنع من الظهور مرة أخرى بسبب ذلك لما فعلها، لكنه يدرك تماماً أن القوم (الجزيرة وقطر) لن يلتفتوا إلى ما كتب. وهو هنا يقوم بإرسال رسائل، بأنه يقف على خط النار دفاعاً عن النظام المصري، الأمر الذي من شأنه أن يتركوه فلا يضيّقون عليه في معاشه. ومنهم من ركب الهواء، فظن أنه يقدم خدمات جليلة للسيسي، فهو يدافع عنه في عقر دار الأعداء، حيث قناة "الجزيرة". ويشكوا هؤلاء من أن النظام لا يقدرهم حق قدرهم، فهو لا يُعطي إشارة بأنه يحس بوجودهم أصلاً، فاتهم أن النظام على غبائه يعرف "البئر وغطاه"!

حالة نفسية بائسة

ومهما يكن، فمنذ انتخابات الولاية الثانية للسيسي، فإن من يذهبون للانتخابات في السفارة هم مئات، وشاهدنا في الاستفتاء على التعديلات الدستورية مجرد عشرات؛ يقفون أمام السفارة ويهتفون على إيقاع الأغنية الركيكة، "وقالوا إيه علينا دولا وقالوا إيه". وقد تعاملوا مع استمرار السيسي في الحكم كما لو كان إنجازاً عظيماً، وهو كاشف عن حالة نفسية بائسة، تستحق الشفقة، ولا تستحق العتاب، أو التصنيف بأنهم أعداء!

 

المصريون في قطر بالذات، لا يمكنهم أن يكونوا مؤيدين للسيسي، إلا إذا كان شيء في أعلى الرأس قد توقف؛ لأنهم أضيروا من سياساته ونزواته بشكل مباشر، ويكفي أنهم هم المضارون من الحصار بشكل شخصي

إنني أعلم أن من بين المصريين في الخارج، لا سيما في دول الخليج، من لا يعنيهم هذا الانهيار الذي يتسبب فيه السيسي، لأنهم (أولاً) يفتقدون للوعي السياسي، ولأنهم (ثانياً) ليسوا مضارين بشكل مباشر من غلاء الأسعار وفشل السياسات، ولأنهم (ثالثاً) سيصبح لهم مع انتشار الفقر وضعاً مميزاً في دوائرهم العائلية، كهذا الذي كان في سابق العصر والآوان، عندما كان "التلفزيون الملون" و"الكاسيت" و"الثلاجة" في بيوت المسافرين للخارج، وهي امتيازات لم تعد منذ فترة طويلة خاصة بهم. ولا يعلمون أنه إذا عم البلاء فلن تكون سفينتهم هي الناجية، ولا يمكن أن يعيش الأغنياء في مجتمع مطحون، فالفقراء في السابق غير فقراء العهد الجديد من حيث منظومة القيم التي كان الأولون يمتثلون لها.

ومع هذا، فإن المصريين في قطر بالذات، لا يمكنهم أن يكونوا مؤيدين للسيسي، إلا إذا كان شيء في أعلى الرأس قد توقف؛ لأنهم أضيروا من سياساته ونزواته بشكل مباشر، ويكفي أنهم هم المضارون من الحصار بشكل شخصي، فماذا خسرت قطر بحصار السيسي لها؟!

ففي ظل إلغاء الطيران المباشر، فإن المصري لكي يقضي إجازته السنوية في مصر، بعد الحصار، عليه السفر ترانزيت من الدوحة إلى الكويت، أو الأردن، أو لبنان، أو تونس، ومنها إلى مصر، والعكس، لترتفع ثمن تذكرة السفر والعودة إلى الضعف. فإن كانت أسرة، فإن المبلغ المدفوع باهظ، غير الإرهاق البدني. والذي خسر من جراء هذا هو شركة مصر للطيران. كما تؤثر أسعار التذاكر خصماً من تحويلات المصريين للداخل المصري من العملة الصعبة، ليكون الحكم المصري هنا كمن أراد أن يغيظ زوجته فخصى نفسه!

لقد دخل السيسي مع دول الحصار مزاحماً، لعل غزوا لقطر يحدث، فتضع دول الحصار أيديها على المال القطري، وهنا تسري عليه قاعدة من حضر القسمة فليقتسم، ويفوز باللذات كل مغامر، فلم يكن له في العير ولا في النفير ليشارك في الحصار، فما هي مشكلة السيسي مع قطر بالذات؟!

 

لقد دخل السيسي مع دول الحصار مزاحماً، لعل غزوا لقطر يحدث، فتضع دول الحصار أيديها على المال القطري، وهنا تسري عليه قاعدة من حضر القسمة فليقتسم

لقد انحازت قطر للربيع العربي، فهل كان السيسي، بل هل كان الجيش المصري كله ضده؟ إذن فليعلن موقفه؛ لأنهم من روجوا لدعاية الجيش الذي حمى الثورة، وهذا الموقف المنحاز للثورة يتضمنه دستور الانقلاب العسكري نفسه!

وعندما تم تنصيب عدلي منصور رئيسا مؤقتاً، أرسلت قطر له برقية تهنئة، وعندما فاز السيسي في انتخاباته أرسلت القيادة القطرية برقية تهنئة أيضاً، ثم إنها أغلقت قناة "الجزيرة مباشر مصر"، ولم تعدها حتى بعد الحصار، ولو من باب المكايدة، وهي القناة التي اخترقت بيوت المصريين، ومكاتب المسؤولين، وأقسام الشرطة ودوائر النيابات، وقد سقط بالحصار مبرر إلغائها، "فليس بعد حرق الزرع جيرة"!

حرب بالوكالة

القصة وما فيها أن السيسي يخوض حرباً ضد قطر بالوكالة، ونيابة عن الإمارات في المقام الأول، والسعودية في المقام الثاني، وإذا كانوا قد دفعوا لهو ثمناً لحربه هذه، فلأنه الحرام الذي يذهب من أين أتى، فلم يستفد منه المصريون!

فما الذي يدفع مصري للذهاب إلى السفارة ليقول نعم لاستمرار السيسي في الحكم، وقد أراد أن يحاصر قطر فحاصره هو، وأراد أن تخسر قطر، فكان الخاسرون هم المصريون في الدوحة، وعندما يجد المصري نفسه محاصراً، ويدفع ثمن تذكرة السفر "مطوقا" ثم يملك الرغبة في التصويت والرقص، فإنه يكون حالة تستدعي الرثاء، لا التصنيف في خانة الأعداء!

 

السيسي يخوض حرباً ضد قطر بالوكالة، ونيابة عن الإمارات في المقام الأول، والسعودية في المقام الثاني، وإذا كانوا قد دفعوا لهو ثمناً لحربه هذه، فلأنه الحرام الذي يذهب من أين أتى، فلم يستفد منه المصريون

لقد تبين أن ما قاله "أكبر الباكر" هو أمر يخصه، فمكتب الاتصال الحكومي أصدر بياناً ذكر فيه أن هذه التصريحات لا تعكس السياسة الرسمية للدولة. ثم إن النخبة القطرية هي من انتقدت تصريحاته، وكتب الصحفي القطري "أحمد علي" مقالاً طويلاً، هو قصيدة شعر في المصريين، قال فيه إن علاقتنا بهم أكبر من تصريح أكبر، وأن الشعب المصري لم يكن يوما ولن يكون عدواً مهما اختلفنا مع نظامه السياسي.

وكتب فيصل بن جاسم آل ثاني: "تصريحات أكبر الباكر خطأ فاحش لا يليق بمسؤول"، بل إن "ناصر بن محمد النعيمي" صاحب التغريدة الخاصة بالموقف من المصريين الذين يؤيدون السيسي، كتب: "المصريون فضلهم عظيم على أفراد الأمة جميعا، ومصر هي صمام الأمان للجميع، ووضعنا المزري حالياً هو بسبب وضع مصر السيئ".

وقد قرأت منشوراً منسوباً لـ"أكبر الباكر"، يقول فيه إن تصريحه قد تم تحريفه، واقتطع من سياقه.

ومهما يكن، فالنخبة القطرية هي التي تصدت لصاحب التصريح، الذي تبين أنه يخص صاحبه وليس تعبيراً عن تغير في سياسة الحكم!

وهي نخبة لا وجود لمثلها في معسكر السيسي، الذي تقوم أذرعه الإعلامية بسب حاكم قطر، بالأب وبالأم، دون أن تجد من يستنكر هذا الأسلوب المبتذل والجديد على السياسة المصرية، والذي لم نعرفه إلا في عهد وكيل أعمال محمد بن زايد بالقاهرة!

 

 

النخبة القطرية هي التي تصدت لصاحب التصريح، الذي تبين أنه يخص صاحبه وليس تعبيراً عن تغير في سياسة الحكم! وهي نخبة لا وجود لمثلها في معسكر السيسي، الذي تقوم أذرعه الإعلامية بسب حاكم قطر، بالأب وبالأم

إقحام الشعوب

وهنا يثور سؤال: من الذي أقحم الشعوب في مثل هذا الخلاف؟ ومن قام بالتضييق على القطريين في مطار القاهرة، حد التجريس؟ فهذا يحمل عملة مصرية ما من شأنه تدمير الاقتصاد الوطني، والقبض على قطري في المطار وفي حوزته لحم ماعز مصري من سلالة نادرة، ولأول مرة أعرف أن لدينا لحم ماعز من سلالة نادرة يجرم خروجه من البلاد، فهل اشتكى مصري من سوء المعاملة في مطار حمد؟!

 

من الذي أقحم الشعوب في مثل هذا الخلاف؟ ومن قام بالتضييق على القطريين في مطار القاهرة، حد التجريس؟

لقد منعت السلطة المصرية 190 قطريا من استكمال دراستهم في القاهرة بعد حصار قطر، فهل تعرض المصريون للمعاملة بالمثل؟!

ثم، من أدخل المصريين العاملين في قطر بجملة مفيدة في أتون الصراع السياسي الذي يقوم به عبد الفتاح السيسي بالوكالة مقابل أجر؟!

لقد أعلنت وزيرة في الحكومة المصرية في اليوم التالي للحصار أن وظائف للمصريين بقطر في انتظار عودتهم!

ودعا أحد الأذرع الإعلامية للسيسي المصريين في قطر إلى حصار قناة الجزيرة، وفي مرة أخرى دعاهم إلى حصار القصر الأميري، ولو أن عدواً للمصريين المقيمين في قطر أراد أن يحرض السلطات القطرية عليهم، لما قال هذا!

لقد أخذت السادات الجلالة ذات مرة، فقال مزهواً: "أولادي في المربعة يستطيعون أن يقوموا بانقلاب ضد صدام حسين". والمربعة منطقة في العراق كان يسكن فيها عدد كبير من المصريين، إلى درجة أنهم كانوا يبسطون نفوذهم فيها، ويضيقون على العراقيين!

بيد أن أولاده في المربعة أيقنوا أنه يرمي بهم إلى التهلكة، ففي اللحظة التي قال فيها هذا خرج المصريون في المربعة للشوارع وبدون اتفاق وهم يهتفون: "بالروح بالدم نفديك يا صدام"!

وقفز الجميع فوق ما جرى، فلم يحاسب السادات أولاده في المربعة عندما كانوا يأتون لمصر، لأنهم لم يكونوا عند حسن ظنه.

بيد أن النظام القائم في مصر تجاوز ما قاله السادات إلى التحريض الواضح، الذي لا يستهدف إلا إيقاع الضرر بالمصريين في المقام الأول.

"وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا".