مقالات مختارة

إبادة التاريخ!

ايمري أكوز
1300x600
1300x600
اليوم كنت سأتحدث لكم عن "جياكوميتي". وأقول مقدماً من الآن إن كل كلمة سوف أكتبها لن يكون لها أي معنى، وذلك لأننا نعيش في عصر غاب عنه المنطق والإحساس! 

لماذا أتكلم بهذا التشاؤم؟ 

صباح يوم الجمعة قلت في نفسي: "لقد جاءت نهاية الأسبوع، وسيكون هناك متسع من الوقت لعدد من الناس ... سوف أتحدث في مقالة يوم السبت عن معرض "جياكوميتي" في متحف "بيرا" في منطقة "بيوغلو" في إسطنبول، والذين يستطيعون الذهاب فليذهبوا مع أطفالهم؛ لأنهم سوف يغنون حياة أطفالهم بالفنون، وسيقضون وقتاً جميلاً "   كنت أظن ذلك. 

فتحت الجريدة فماذا رأيت؟ مقاتلي "داعش" دخلوا إلى متحف "نينوى" القريب من مدينة الموصل، وقاموا بهدم الهياكل الباقية من زمن الآشوريين بالمطرقة والمثقب الكهربائي! لماذا فعلت "داعش" هذا الأمر؟ يقول أحد مقاتلي "داعش" أن الناس كانوا يعبدون هذه الأصنام قبل مئات السنين، وأن النبي صلى الله عليه وسلم حمّلهم أمانة أن يهدموا هذه الأصنام!.

الأصنام هدمت منذ زمن بعيد

بالفعل كان الناس قديماً يعبدون الأصنام، ومثال على ذلك كانت الكعبة المشرفة مليئة بالأصنام، وأتى الإسلام ليهدم ما كان يسمى بـ "زمن الجاهلية"، وكسرت جميع الأصنام، وبدأت بذلك عبادة الله وحده، متى حدث هذا الأمر؟ حدث هذا الأمر في القرن السابع قبل الميلاد. 

حسناً متى حكمت الإمبراطورية الآشورية الشرق الأوسط؟ حكمتها في الفترة من سنة 2000 قبل الميلاد الى سنة 600 قبل الميلاد. يعني أنه بين الآشوريين والمسلمين على الأقل 1300 سنة فيها حضارات بدأت ثم انتهت. ولما ظهر الاسلام لم يكن أحد يتذكر الآشوريين. وأيضاً فإن تخمين هذا الشيء ليس بالأمر الصعب؛ لأن أصنام الآشوريين لو كانت فعّالة إلى اليوم (يعني أنها كانت تعبد إلى اليوم) فإن المسلمين في هذا العصر كانوا سوف يفعلون ما فعلوه في مكة، ويهدمون هذه الأصنام.  كما أن غالبية هذه الآثار التي هدمها المسلحون ليست أصناماً، ولم تصنع هذه الآثار من أجل العبادة، إنما صنعت لتصوير الأحداث والشخصيات والأباطرة المهمين، ولتصوير الحروب والقادة. يعني يمكننا أن نصور هذه الأشياء على أنها حافظة تجمع أحداث الآشوريين في ذلك الوقت. 

الكتابات العثمانية أحرقت!

حسناً ما فائدة هؤلاء لنا؟

إن بقايا الآثار الموجودة في متحف التاريخ والآثار -كما في متحف الآثار والتاريخ- تخبرنا بما قطعه الإنسان من مسافات،  وكيف كان يعيش الإنسان القديم، وكيف كانت ثقافة الإنسان، وماذا كانت أذواقهم. بالمختصر فإن هذه الآثار كانت تخبرنا كيف وصل الإنسان من تطور إلى يومنا هذا. في الفترة الماضية قامت "داعش" بحرق مكتبة الموصل بما فيها 8 آلاف من الكتب العثمانية!

إننا نعيش في زمن إبادة التاريخ!

لهذا ما أهمية أن نتحدث عن النحات والرسام السويسري "ألبيرتو جياكوميتي" (1901-1966)؟ "جياكوميتي" ليس فقط  شخصية مهمة في العصر الحديث، ولكنه يأتي على رأس قائمة الرسامين والنحاتين على الإطلاق وأفضلهم. وهذا المعرض هو الأول والشامل لهذا النحات في تركيا، وقيمة أعماله ومنحوتاته تبلغ أكثر من 100 فرنك سويسري.

من تهمه كل هذه المعلومات؟

بالفعل أنا أرغب بمعرفة ذلك... هل هناك مكان لـ"جياكوميتي" في هذا العصر ونحن نرى أن هناك أناساً يقومون بتحطيم الآثار وإحراق الكتب، والبعض الآخر منهم يؤمن بالتخريب ويدعمه؟ هل لكم أن تخبروني بذلك؟

جريدة الصباح التركية 
التعليقات (0)