كتب

هل باستطاعة إسرائيل تدمير حماس؟ قراءة في دراسة بحثية أمريكية

نسبة أعداد القتلى من الجناح العسكري لحماس ليست واعدة لتحقيق الهدف الأساسي للجيش الإسرائيلي... الأناضول
نسبة أعداد القتلى من الجناح العسكري لحماس ليست واعدة لتحقيق الهدف الأساسي للجيش الإسرائيلي... الأناضول
قدم بنيامين نتنياهو لأعضاء مجلس الوزارء الأمني المصغر يوم الخميس الماضي، وفق ما نشرته وكالة رويترز يوم 23 فبراير، أول اقتراح رسمي له عن قطاع غزة بعد الحرب، ويتضمن أهداف إسرائيل لليوم التالي للحرب، والتي تعتمد على القضاء على الوجود السياسي والعسكري والفكري لحماس عبر السيطرة الأمنية على الضفة والقطاع، تجريد قطاع غزة من السلاح، السيطرة على محور فيلادليفيا بتواجد إسرائيلي وتعاون أمريكي مصر، استبدال حكم حماس بممثلين محليين لا ينتمون إلى دول أو جماعات إرهابية ولا يدعمون ماليا من قبلها، محاربة التطرف، إغلاق الأونروا. "وقال بيان صادر عن مكتب نتنياهو: إن وثيقة المبادئ لرئيس الوزراء تعكس إجماعا شعبيا واسعا حول أهداف الحرب واستبدال حكم حماس في غزة ببديل مدني. فهل ما تضمنته هذه الوثيقة من أهداف يمكن تحقيقها على أرض الواقع، وهل يمكن لإسرائيل القضاء فعلا على حماس فكريا وسياسيا وعسكريا؟!

للرد على هذه الوثيقة نقدم اليوم عرضا لدراسة مهمة نشرها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن CSIS يوم 15 ديسمبر الماضي عنوانها "What Does Destroying of Hamas Means?" لاثنين من أكبر الباحثين فيه، هما: ديفيد ألبيرتي: زميل عسكري في برنامج الأمن الدولي في المركز، ودانيال بايمان: زميل أقدم بمشروع التهديدات العابرة للدول بالمركز والأستاذ جورج تاون. يجيبان فيها على سؤال مهم ما الذي يعنيه تدمير حماس؟ وما يرتبط به من إمكانية تحقيقه والمدى الزمني الذي يتطلبه ذلك.

عرض الدراسة

تعهد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بأن القوات الإسرائيلية يجب أن "تدمر حماس" من أجل تأمين مستقبل الفلسطينيين وكذلك الدولة اليهودية، فقال في حديث له مع فوكس نيوز يوم 12 نوفمبر "إذا كنتم تريدون السلام، دمروا حماس. إذا كنتم تريدون الأمن، دمروا حماس. إذا كنتم تريدون مستقبلا لإسرائيل والفلسطينيين والشرق الأوسط، فدمروا حماس". وقد وافق الرئيس بايدن على ضرورة القضاء على حماس تماما، وهو نفس الرأي الذي يتبناه  المرشحون الجمهوريون للرئاسة. ومن المفهوم أنه بعد هجوم حماس يوم 7 أكتوبر تشرين الأول ومقتل 1200 إسرائيلا، أصبحت الحكومة الإسرائيلية في حالة تأهب للسلاح، حيث الإسرائيليون بإنهاء تهديد حماس مرة واحدة وإلى الأبد.

إن استبدال حماس سياسيا أمر صعب. إن جذور حماس العميقة في غزة تسمح لها بحشد الدعم في جميع أنحاء القطاع. وسيتعين على أي منافس أن يكسب الدعم بين الفلسطينيين العاديين في غزة، وأن تكون لديه القوة العسكرية لقمع قوات حماس في الوقت الذي تتحدى فيه سلطة البديل.
لكن ماذا قد يعنيه هذا الهدف عمليا؟ لدى إسرائيل خيارات واسعة عندما يتعلق الأمر بتدمير حماس:

ـ محاولة قتل أو أسر قيادة حماس
ـ القضاء على شبكات الدعم الأوسع التي تعتمد عليها حماس.
ـ تحطيم قبضة حماس على السلطة من خلال تقوية منافسيها، والسماح لهم بإزاحة الحركة.
ـ مواجهة أيديولوجية حماس التي تعزز المقاومة العنيفة والمسلحة ضد إسرائيل.

كل هذه الخيارات التي تتبناها إسرائيل والولايات المتحدة، ويطالب بها الجمهور الإسرائيلي، خيارات صعبة التحقيق، ولكل منها تحدياته الفردية:

خيار محاولة القضاء على قيادة حماس

منذ بداية الحرب وحتى الآن، شنت إسرائيل غارات جوية وعمليات برية تهدف إلى تدمير حماس. وفي بداية ديسمبر/كانون الأول، قدر مسؤولون إسرائيليون أن تم قتل أكثر من خمسة آلاف مقاتل من الجناح العسكري لحماس الذ ي يقدر عدده بنحو 30 ألفا. وعلى الرغم من الأهمية الكبيرة لأعداد القتلى من مقاتلي حماس، إلا أنها حماس بعيدة كل البعد عن الهزيمة، ناهيك عن تدميرها. وقد سئل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عما إذا كان أي شخص يعتقد أنه من الممكن تدمير حماس بالكامل إذا حافظت إسرائيل على هذا الهدف، فقال: إن الحرب ستستغرق عشر سنوات. علاوة على ذلك، فإنه وفقا لمسئولي الصحة الفلسطينيين، فقد قتلت القوات الإسرائيلية في الفترة نفسها حتى أول ديسمبر كانون الأول ثلاثة أضعاف هذا العدد من المدنيين الفلسطينيين، معظمهم من النساء والأطفال.

نسبة أعداد القتلى من الجناح العسكري لحماس ليست واعدة لتحقيق الهدف الأساسي للجيش الإسرائيلي. أما المؤكد، فهو أن عدد ضحايا المدنيين الفلسطينيين سيستمر في تجاوز أعداد قتلى حماس بهامش كبير. وقد أدى ذلك بالفعل إلى تحول الرأي العام العالمي ضد إسرائيل، ولصالح الفلسطينيين. كما أنه خلق توترا مع إدارة بايدن، أقوى وأهم مؤيد لإسرائيل.

قد تكون توقعات ماكرون عن استمرار الحرب عشر سنوات توقعات متفائلة، بالنظر إلى النتائج المبكرة والسوابق التاريخية لمحاولة تدمير حركات التمرد الراسخة. فقد بدأت الولايات المتحدة عمليات عسكرية لإزاحة طالبان من السلطة وتدمير تنظيم القاعدة في أفغانستان عام 2001. وقتلت القوات الأمريكية آلاف المتشددين وعشرات الزعماء بينهم زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في 2011؛ لكن الحرب ضد طالبان والقاعدة استمرت عشر سنوات أخرى. عندما غادرت القوات الأمريكية أفغانستان، كانت طالبان منتصرة والقاعدة لا تزال قائمة، رغم أنها أضعف بكثير.

من الصعب استهداف القادة على وجه الخصوص. قد تقتل إسرائيل العديد من المقاومين؛ لكن قتل جزء كبير من القيادة يمثل تحديا أكثر صعوبة. ولدى حماس قدرة كبيرة على البقاء والصمود، فخلال الانتفاضة الثانية، فقدت مرارا وتكرارا كبار قادتها، بمن فيهم مؤسسها أحمد ياسين، ومع ذلك، فقد صمدت المنظمة وتمكنت بسرعة من الوصول إلى السلطة في غزة بمجرد مغادرة القوات الإسرائيلية.

ومع ذلك، إذا قتلت إسرائيل ضيف والسنوار وغيرهما من القادة البارزين المسؤولين عن هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر، فيمكنها على الأقل أن تدعي وجود شكل من أشكال النصر. وهذا أمر مهم بالنسبة للرأي العام المحلي الإسرائيلي، وربما يسبب صعوبات في القيادة في حماس نفسها.

القضاء على شبكات الدعم الأوسع لحماس

هذا الخيار صعب التحقيق. ذلك أنه حتى قبل أن تصبح حماس الحاكم الفعلي لغزة في عام 2007، كانت متجذرة بعمق في الشبكات الاجتماعية والدينية والتعليمية في جميع أنحاء القطاع. وقد زاد حكمها الذي دام أكثر من 15 عاما من وجودها وتجذرها. ونتيجة لذلك، يمكن لحماس الاعتماد بسهولة على هذه الشبكات للعودة للسيطرة على القطاع بمجرد انسحاب القوات الإسرائيلية منه.

بالإضافة إلى ذلك، كما أظهرت طالبان من قبل في صراها مع الولايات المتحدة، فإن عدد مقاتلي حماس ليس ثابتا. ويمكنهم الاعتماد على الفلسطينيين في غزة لملء صفوفهم. ولم تفتقر حماس إلى المجندين منذ سنوات عديدة، ومن المرجح أن يضمن الدمار الذي خلفته الحملة الإسرائيلية وجود الكثير من الشباب الفلسطينيين الغاضبين المستعدين للقتال.

وأخيرا، لا ينبغي استبعاد احتمال أن تؤدي الهجمات الإسرائيلية المستمرة إلى توسيع نطاق الصراع، خصوصا إذا ساد شعور لدى محور المقاومة بأن حماس على وشك الهزيمة، أو إذا وُجهت ضربة إلى إيران. وقد تنضم إلى القتال ضد إسرائيل جماعات مسلحة أخرى في المنطقة ووكيلة لإيران، وخاصة حزب الله.

تحطيم قبضة حماس على السلطة عبر تقوية الجماعات البديلة

في الوقت الذي أدان فيه بايدن هجمات حماس، فإنه دفع بفكرة إقامة دولة فلسطينية تقودها قيادة فلسطينية بديلة. واقترح آخرون أن تتدخل دول عربية مثل مصر. ومن الناحية النظرية، يمكن للأمم المتحدة أو غيرها من مكونات المجتمع الدولي أن تلعب دورا في حكم غزة بدلا من حماس. في هذا السيناريو، لا تكمن الفكرة في تدمير حماس بشكل مباشر، بل استبدال سلطتها السياسية في غزة، مما يقلل بشكل كبير من قوتها الإجمالية.

إن استبدال حماس سياسيا أمر صعب. إن جذور حماس العميقة في غزة تسمح لها بحشد الدعم في جميع أنحاء القطاع. وسيتعين على أي منافس أن يكسب الدعم بين الفلسطينيين العاديين في غزة، وأن تكون لديه القوة العسكرية لقمع قوات حماس في الوقت الذي تتحدى فيه سلطة البديل.

لا تصلح السلطة الفلسطينية أن تكون بديلا لحماس في حكم وإدارة القطاع، لأنها سلطة ضعيفة وفاسدة. صحيح أنها تمسك بالسلطة في الضفة الغربية؛ لكنها لا تتمتع بمصداقية تذكر هناك. وجزء من سبب عدم مصداقيتها هو أن العديد من الفلسطينيين ينظرون إليها على أنها خادمة الاحتلال الإسرائيلي. لذلك، فإنه إذا استولت السلطة الفلسطينية على السلطة في غزة على ظهر دبابة إسرائيلية، فإنها ستفقد المزيد من المصداقية، كما أنها لن تستطع السلطة الفلسطينية وحدها مواجهة «حماس» في غزة. وبالتالي، ستحتاج السلطة الفلسطينية إلى دعم إسرائيلي مستمر.

إذن، البديل هو أن تعمل السلطة الفلسطينية مع حماس. وقد قال رئيس وزراء السلطة الفلسطينية محمد اشتية: الآن لا يمكن القضاء على حماس، وبالتالي يجب أن تكون جزءا من المستقبل الفلسطيني. وهذا ما سترفضه إسرائيل والولايات المتحدة، إذ ستكون حماس، من الناحية العملية، إن لم يكن على الورق، الشريك الرئيسي في أي علاقة مع السلطة الفلسطينية في غزة.

لقد كانت تكلفة القتال في غزة مرتفعة للغاية بالفعل، وينبغي أن تشكل هذه القيود المفروضة على النصر استراتيجية إسرائيل للمضي قدما. ويتعين على إسرائيل أن تدرك أن أي شكل من أشكال النجاح من المرجح أن يكون محدودا، وأنها ستتعامل مع حماس ومشكلة غزة الأوسع نطاقا لسنوات قادمة.
أما بالنسبة للدور العربي في المشاركة في إدارة القطاع بعد الحرب، فليس للدول العربية مصلحة تذكر في التدخل، كما أن قدرتها محدودة. النظام في مصر، مثل إسرائيل، يعارض حماس، ويرى في الإسلام السياسي الذي تجسده جماعة الإخوان المسلمين، التي تشكل حماس ثمرة لها، تهديدا له. أما الشعب المصري فهو يؤيد المقاومة الفلسطينية ضد إسرائيل. لذلك، لا يمكن للنظام المصري، القبول بأن ينظر إليه على أنه يساعد إسرائيل في احتلال غزة. كما أن القوات المسلحة المصرية ليست ماهرة في حفظ الأمن أو مكافحة التمرد.

وبالمثل، ستكون القوات الدولية على غير هدى في غزة. وسيكون لديهم القليل من الإلمام بالناس، وسيعتبرهم أهل غزة قوات احتلال. لذلك، فإن قلة من الدول على استعداد لوضع قواتها في ما يمكن أن يكون تمردا منخفض المستوى.

مواجهة أيدولوجية حماس

هناك مفهوم آخر لهزيمة حماس ينطوي على محاربة أيديولوجيتها. في الممارسة العملية، تتكون أيدلوجية حماس من أجزاء متعددة. فهي مزيج خاص من الإسلام السياسي والقومية الفلسطينية التي تدافع عنها حماس. وهي تجسيد لفكرة المقاومة التي تعني وجوب تحدي إسرائيل عسكريا من أجل حصول الفلسطينيين على حقوقهم.

في الماضي، هزمت إسرائيل جماعات فلسطينية، مثل الصاعقة وجبهة التحرير الفلسطينية. لكن هذا لم يغير الدعم الأوسع لمجموعة واسعة من جماعات المقاومة. ولا يزال تدمير مجموعة فردية له فوائد؛ لكنه لا يغير الدعم الأوسع لفكرة المقاومة.

في الوقت الراهن، لا تتمتع أي أيديولوجية مضادة لحماس بجاذبية واسعة بين الفلسطينيين. أما القومية الفلسطينية الأكثر تقليدية التي تجسدها حركة فتح، التي تشكل جوهر قيادة السلطة الفلسطينية، فهي في تراجع منذ سنوات. والأسوأ من ذلك بالنسبة لإسرائيل، أن أيديولوجية المقاومة التي تتبناها حماس المقاومة أكثر شعبية بين الفلسطينيين وفق استطلاعات الرأي. وقد زادت حرب 7 أكتوبر تشرين الأول من هذه، إذ يعتبر الفلسطينيون أن حماس ضربة قوية لإسرائيل كانت تنفيسا لكثير من الفلسطينيين الذين يشعرون بالإهانة من الاحتلال الإسرائيلي المستمر. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الخسائر الفادحة في صفوف المدنيين والدمار الذي خلفه الاحتلال العسكري الإسرائيلي قد زاد من مرارة الفلسطينيين.

لقد كانت تكلفة القتال في غزة مرتفعة للغاية بالفعل، وينبغي أن تشكل هذه القيود المفروضة على النصر استراتيجية إسرائيل للمضي قدما. ويتعين على إسرائيل أن تدرك أن أي شكل من أشكال النجاح من المرجح أن يكون محدودا، وأنها ستتعامل مع حماس ومشكلة غزة الأوسع نطاقا لسنوات قادمة.

التعليق

إن أهداف نتنياهو في هذه الحرب أهداف يصعب أو يستحيل تحقيقها، فلماذا يصر عليها إذن؟!

إن ذلك يدعونا إلى نقرأ ما كتبه نتنياهو من قبل، وخصوصا كتابه "مكان بين الأمم" عام 1993 قبل توليه رئاسة الوزراء، وما ذكره أيضا في كتابه "قصتي" المنشور في نوفمبر تشرين الثاني عام 2022، فهو يرى أنه لا مكان للفلسطينيين فيما يسميه أرض إسرائيل بما فيها القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، وضرورة تهجيرهم إلى الأردن أو مصر أو قبولهم كمواطنيين في الدول العربية الأخرى.

كما يرى ضرورة توجيه ضربة عسكرية لإيران للقضاء على مشروعها النووي والقضاء على أي طموح إقليمي لها والقضاء كذلك على وكلائها في المنطقة. لذلك فهو يسعى من خلال ما يرتكبه اليوم من إبادة جماعية لغزة دفع الفلسطينيين إلى الخروج منها إلى مصر، وتوسيع دائرة الحرب وتوريط أمريكا في المنطقة بعد تقليص وجودها العسكري فيها.  كما يخشى نتنياهو أطول ضياع مستقبله السياسي وانهيار تحالفه مع غلاة اليمين في إسرائيل.
التعليقات (0)