أفكَار

الجماعة الإسلامية المغربية وقصة الانفصال عن الشبيبة.. محطات

عبد العلي حامي الدين: شخصية عبد الإله بنكيران لعبت دورا محوريا في القيام بمجموعة من المراجعات المفصلية
عبد العلي حامي الدين: شخصية عبد الإله بنكيران لعبت دورا محوريا في القيام بمجموعة من المراجعات المفصلية

توضيح لا بد منه..

في بداية هذه الحلقة نريد التنويه إلى أن الغرض الأساسي من هذا الاستطراد التاريخي حول نشأة الحركة الإسلامية المغربية هو تتبع فكرة التنظيم ووضعها في سياقها التاريخي وكيف ساهمت مجموعة من الأحداث والوقائع في تطورها، سواء من الناحية الإيجابية أو من الناحية السلبية كما سنرى.

ولذلك، فنحن لسنا معنيين ببعض الردود التي تنتصر لدورها في محطات تاريخية معينة، خاصة من اعتادت منها اعتماد أدوات التحطيم الرمزي والمعنوي للأفراد والجماعات..

وحده التاريخ من حكم وسيحكم على الجميع، أما الغرض من هذه الحلقات فهو المستقبل، والمستقبل لا يمكن أن يؤثر فيه إلا من يمتلك القدرة على قراءة تاريخه قراءة نقدية صارمة بعيدا عن نزعات الأنا والنرجسية وشيطنة الآخر.. 

عود على بدء..

في الحلقة السابقة استعرضنا السياق الذي تبلورت فيه فكرة التبين، وكيف تطورت إلى تنظيم وجد نفسه يمثل حالة منفصلة عن تنظيم الشبيبة الإسلامية ابتداء من سنة 1979، بعدما فشلت مساعيه في التقريب بين القيادات الست وبين عبد الكريم مطيع، وهكذا استمر في العمل السري إلى سنة 1985 حيث سيعلن عن نفسه في إطار جمعية الشروق التي تأسست في الرباط.

في هذه الحلقة نحاول فهم الظروف والسياقات التي مهدت للانفصال الكبير عن مطيع والتخلي عن تنظيم الشبيبة الإسلامية وتأسيس جماعة جديدة هي الجماعة الإسلامية قبل تغيير إسمها إلى حركة الإصلاح والتجديد..
  
من سنة 1976 إلى 1980 توسع تنظيمي لافت رغم الظروف الصعبة..

رغم الأزمة التي شهدها التنظيم سنة 1976 (تداعيات مقتل عمر بنجلون من جهة والاتهامات الموجهة للقيادات الست من جهة أخرى) فإن التوجه العام داخل تنظيم الشبيبة الإسلامية بقي مواليا لمطيع ومناصرا له، وهو ما دفع بالقيادات الست إلى التواري إلى الخلف بعدما شن عليها عبد الكريم مطيع حملة دعائية من الخارج وصلت إلى درجة تخوينها واتهامها على صفحات مجلة المجتمع الكويتية التي كان يصدرها الإخوان المسلمون، وكانت متعاطفة مع عبد الكريم مطيع ومقتنعة برواياته بحكم الصلات القوية التي كانت تربطه بقيادات الإخوان المسلمين آنذاك.

لقد تحملت القيادات الست مسؤولية قيادة العمل التنظيمي خلال سنة 1976 وبذلت مجهودات كبيرة للحفاظ على التنظيم رغم الضربة القوية التي تلقاها بعد اعتقال جزء من أعضائه أبرزهم إبراهيم كمال وفرار عبد الكريم مطيع إلى الخارج، بل شهدت هذه المرحلة توسعا كبيرا للعمل الإسلامي وانفتاحا على فضاءات جديدة مثل الجامعات خصوصا مع التحدي الذي أصبح يمثله اليسار الجديد في تلك الفترة خصوصا اليسار الراديكالي ممثلا في منظمة إلى الأمام ومنظمة 23 مارس التي كانت منتشرة بشكل كبير في أوساط التلاميذ والطلبة، وكان من نتائج هذه الدينامية استقطاب عدد كبير من الشباب من بينهم شاب يتقد حيوية ونشاطا بمدينة الرباط اسمه عبد الإله بنكيران، انخرط بحماس في مشروع الشبيبة الإسلامية بعدما تأثر بشكل كبير بكتاب "معالم في الطريق" للشهيد سيد قطب، وهو أول كتاب تلقاه من مسؤولي الشبيبة في الرباط كهدية، وكان له عليه تأثير كبير، قرر بعد قراءته الانخراط بقوة في هذا المسار..                      


كانت السردية السائدة وسط أبناء الشبيبة الإسلامية آنذاك أن هناك مؤامرة جرى تدبيرها من طرف النظام للتخلص من تنظيمين قويين وهما اليسار بقيادة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ومن أبرز رموزه عمر بنجلون المعروف بكتاباته المعارضة للحسن الثاني آنذاك، والحركة الإسلامية كقوة سياسية صاعدة ممثلة في تنظيم الشبيبة الإسلامية ورمزها عبد الكريم مطيع، ولذلك فإن الدولة ـ حسب هذه الرواية ـ هي التي كانت وراء عملية اغتيال عمر بنجلون وجرى تركيب الاتهام ضد عبد الكريم مطيع بغرض إضعاف كلا التيارين وذلك عبر دفع التقاطب الإيديولوجي بينهما إلى مداه..

الأغلبية الساحقة للتنظيم استمرت في الولاء لمطيع والدفاع عنه، لأن النفسية العامة للتنظيم كانت مع رواية المؤامرة التي خلقت جوا من الحماس والاقتناع بضرورة الارتباط بالقيادة المضطهدة في الخارج ممثلة في عبد الكريم مطيع والوفاء لها والنضال من أجل عودتها للمغرب، ومن أجل إطلاق سراح المعتقلين المتهمين في هذه القضية، في هذا المناخ لم تأخذ قضية الاتهامات التي كان يروجها مطيع ضد القيادات الستة حجمها الطبيعي ولم تلق نداءات "التبين" في هذه الاتهامات صدى كبيرا داخل التنظيم..

من الولاء لعبد الكريم مطيع إلى طرح الأسئلة حول المنهج المتبع..

بعد حوالي ست سنوات من المحاكمة صدر قرار المحكمة بتبرئة إبراهيم كمال والحكم غيابيا بالسجن المؤبد على عبد الكريم مطيع وتسعة آخرين، وبالإعدام في حق متهمين آخرين.

وهو ما تفاعل معه أعضاء الشبيبة الإسلامية آنذاك بالتظاهر في الشارع احتجاجا على قسوة الأحكام في اليوم الموالي للنطق بالأحكام، فكانت المظاهرة التي انطلقت يوم 23 أيلول (سبتمبر) 1980 بعد صلاة الجمعة بالمسجد المحمدي بالدار البيضاء ألقى في بدايتها عبد الإله بنكيران كلمة ثورية متأثرا بالسردية السائدة وداعيا للاحتجاج والتظاهر والجهاد، وانطلقت المظاهرة بشكل عفوي في شوارع الدار البيضاء لتسلك بشكل غير مقصود الطريق المقابل للقصر الملكي، وهو ما أثار حفيظة السلطات الأمنية التي تدخلت لاعتقال عدد كبير من المتظاهرين في ذلك اليوم، واستمرت في ملاحقة عدد آخر في الأيام القليلة الموالية، قبل أن تطلق سراحهم جميعا باستثناء أربعة عشر شخصا من بينهم عبد الإله بنكيران ومحمد يتيم حيث جرى تقديمهم للمحاكمة التي وزعت عليهم أحكاما تترواح بين البراءة والسجن لمدة ثلاثة أشهر بالسجن (حصل يتيم على البراءة بينما اعتقل بنكيران لمدة ثلاثة أشهر)..

 

                                عبد الكريم مطيع

كان عمل التنظيم خلال هذه المرحلة يقوم على الجلسات التربوية في الأحياء التي تمثل الوحدات الدنيا بينما يعتبر مسؤولو الجلسات القناة التنظيمية لتلقي توجيهات القيادة التي تشرف على عمل التنظيم وطنيا وهي قيادة معينة من طرف عبد الكريم مطيع من الخارج، ويتولى الأعضاء طبع وتوزيع المناشير التي كانت تصل من الخارج، والتي تتمحور عموما حول معارضة النظام السياسي وتشويه صورته..

وقد تميزت هذه المرحلة بمجموعة من الأحداث التي سيعرفها تنظيم الشبيبة وسيكون لها دور في تحفيز شباب التنظيم على طرح مجموعة من الأسئلة التي ستفتح باب الانفصال الكبير عن مطيع ومنهجه، خصوصا مع بداية تشكل وعي فكري وثقافي وشرعي لدى مجموعة من التلاميذ الذين بدأوا في ولوج الجامعة ليجدوا أنفسهم أمام تحدي الفكر اليساري ومقولاته الإيديولوجية والفكرية والسياسية، وبدأوا يقرؤون الكتابات الفكرية الإسلامية التي تتصدى للشبهات التي تثار حول الإسلام ويعمقون معرفتهم بالإسلام، وبدأوا يتعرفون على خريطة العمل الإسلامي بالمغرب وعلى مدارس إسلامية أخرى من سلفيين وتبليغيين وجمعيات إسلامية أخرى في الميدان..

من أبرز الأحداث التي أثرت في مسار التنظيم خلال هذه المرحلة:
 
ـ أولا، شروع عبد الكريم مطيع الذي كان قد ربط علاقات مع السلطات الجزائرية والليبية في بلورة توجه جذري ظهر مع صدور العدد الأول من مجلة المجاهد الذي ورد على صفحتها الأولى عنوان عريض: "ياخيل الله اركبي.." في إشارة لانطلاق مرحلة جديدة عنوانها الاصطدام مع النظام السياسي، وكان على شباب في مقتبل العمر أن يوزع هذه المنشورات ويروجها، ويتحمل المخاطر الناجمة على ذلك.

ـ ثانيا، بروز أزمة جديدة داخل تنظيم الشبيبة شبيهة بأزمة 1976 سببها مرة أخرى عبد الكريم مطيع الذي استهدف المجموعة الثانية من القيادات الذين عينهم وهم عبد الحميد أبو النعيم وبكار ثم المجموعة التي خلفتهم من المعلمين ثم انتقل إلى التشكيك في بعض القيادات الميدانية من الشباب..

ـ ثالثا، الطعن في عدد من الشخصيات الدعوية والعلمية المعروفة والتي كان لها إسهام واضح في العمل الإسلامي مثل الدكتور عبد السلام الهراس والدكتور الشاهد البوشيخي وتوجيهه لمسؤولي تنظيم الشبيبة في فاس (وهم آنذاك عبد الرحمن اليعقوبي وعبد الحميد فتاح والحارثي ومحمد يتيم (الذي التحق بالمدرسة العليا في الرباط في سنة 1980) إلى إصدار بيانات تدين هذه الشخصيات وتتهم جمعية جماعة الدعوة بفاس بالعمالة للنظام.. هذا التوجيه سيحرك مجموعة من الأسئلة لدى هؤلاء الطلبة الذين كانوا يعرفون هذه الشخصيات العلمية عن قرب ويعرفون صلاحهم وعملهم الدعوي في إطار جمعية جماعة الدعوة الإسلامية بفاس آنذاك (سيأتي الحديث عنها في حلقة قادمة)، فكان اتهام هذه الثلة من العلماء الفضلاء بالعمالة بمثابة القشة التي قصمت ظهر التنظيم لتنطلق في أوساط الشباب تساؤلات جوهرية حول طبيعة الأسلوب المعتمد من طرف مطيع ومدى شرعيته ومشروعيته، وليقوموا بنقل ملاحظاتهم إلى القيادة في الداخل التي لم تكن تملك جوابا مقنعا لأسئلتهم قبل أن يقرروا الانفصال عن عبد الكريم مطيع، لكنهم لم يحسموا الخلاف حول الإعلان عن ذلك، فبقي الانفصال سريا إلى أن وقعت حادثة جديدة ستغير كل شيء..

ـ رابعا، تجربة الاعتقال الثانية، لكن هذه المرة بسبب بيانات مناهضة للنظام السياسي وماسة بشخص الملك الحسن الثاني اتهم أعضاء الشبيبة الإسلامية بأنهم من ورائها، وهكذا تم اعتقال حوالي سبعين شخصا من مسؤولي التنظيم من مختلف المدن المغربية على فعل منسوب للشبيبة الإسلامية لا يتحملون فيه اي مسؤولية. من بين المعتقلين عبد الإله بنكيران الذي سيعلن للمحققين بأنهم لم يعودوا مع عبد الكريم مطيع، فجوبه بسؤال حول سبب عدم الإعلان عن ذلك، فأجاب: بسبب الاعتقال، وطالب بإطلاق سراحه للقيام بذلك، فأطلق سراحه فورا، وبالفعل قام بإصدار بيان انفرادي بعد التشاور مع رفيقه عبد الله باها، أكد فيه أنهم مجموعة من الشباب الذين لم تعد له أي صلة تنظيمية بعبد الكريم مطيع وأن هذا البيان يصدر نيابة عن الأشخاص المعتقلين، وأنهم يسعون لتأسيس إطار بديل يعمل في ظل القانون.

وبالفعل تم نشر البيان في عدد من الصحف الوطنية، وتم إطلاق سراح الإخوة المعتقلين.

وهكذا تم ترسيم الانفصال التاريخي مع عبد الكريم مطيع لينطلق النقاش بين الأعضاء حول ملامح التوجه الجديد.

 

ما بعد الانفصال التاريخي عن الشبيبة.. مخاض المراجعات الداخلية وتحدي بناء علاقة جديدة مع السلطات..

في أبريل 1981 سيتم الانفصال عن الشبيبة الإسلامية، وفي صيف نفس السنة سينعقد المؤتمر التأسيسي للجماعة الإسلامية التي انتخبت محمد يتيم رئيسا لها وجرى تقديم البيعة له من طرف المؤتمرين على غرار ما جرى به العمل في السابق.

لكن في شهر يناير من سنة 1982 سيتم اعتقال آخر لأغلب قياديي الجماعة الإسلامية بسبب حادث تحطيم إحدى الخمارات من طرف مصلين بعد خطبة حماسية لأحد الخطباء في مدينة طنجة، وسيتم إيداعهم لدى الفرقة الوطنية للشرطة بدرب مولاي الشريف بالدار البيضاء (وهو مخفر للشرطة تخصص في استنطاق وتعذيب المعتقلين السياسيين خلال سنوات ما سمي بالجمر والرصاص بالمغرب) ودام التحقيق معهم لمدة ثلاثة أشهر على أساس أنهم لا زالوا في الشبيبة الإسلامية، وتعرض بعضهم للتعذيب..

بعد خروجهم من السجن، كان على القادة الشباب للجماعة الإسلامية أن يشتغلوا على واجهتين: واجهة التنظيم الداخلي لبناء قناعات جديدة مناهضة لمفهوم السرية وللتفكير الثوري، وواجهة إقناع السلطات بأن الأمر يتعلق بتنظيم جديد يرغب في الاشتغال في إطار الشرعية القانونية.

لم يكن من السهل على كل من نشأوا في ظل ثقافة السرية أن ينتقلوا للعمل العلني، ولذلك تم السماح لعبد الإله بنكيران سنة 1983 أن يؤسس جمعية محلية بالرباط فقط، بينما يستمر باقي التنظيم بالاشتغال وفق المنطق القديم تحت قيادة محمد يتيم.

لكن في سنة 1984 ستحصل اعتقالات جديدة بمكناس في صفوف أبناء التنظيم، فاعترف بعضهم أنهم ينتمون إلى جمعية بنكيران بالرباط، (هنا الإحالة على جمعية قانونية أفضل من الإحالة على جمعية سرية) فتم استدعاء بنكيران للتحقيق فاعترف بأن هؤلاء معه في نفس التنظيم..

كانت هذه الحادثة من الأسباب التي سرعت بتعميم القناعة لدى معظم أبناء الجماعة الإسلامية بضرورة القطع مع السرية ومباشرة مراجعات حقيقية للتصورات السابقة، وهنا انطلقت مرحلة ما سمي بالتوجه الجديد.

بنكيران رئيسا للتنظيم الجديد وانطلاق مرحلة المراجعات الكبرى..

في نهاية شهر كانون أول (ديسمبر) سيتم تنظيم المؤتمر الوطني الأول للجماعة الإسلامية بالرباط (في بيت عبد الإله بنكيران) بحضور حوالي سبعين عضوا قياديا من مختلف جهات المملكة، وفي فاتح يناير من عام 1986 سينتخب عبد الإله بنكيران رئيسا للجماعة الإسلامية.

وكان أول قرار اتخذه هو رفض أخذ البيعة من الأعضاء، وكان هذا التقليد معمولا به من طرف مطيع الذي اقتبسه بدوره من جماعة الإخوان المسلمين، وهو تقليد اعتبره بنكيران من المفاهيم التي تؤسس لالتزامات شرعية لولي الأمر في البلاد اتجاه الرعية، ولا مجال لاستدعائه في تنظيم يتعلق بالحركة الإسلامية. 

 

                                  عبد الإله بنكيران

تولى عبد الإله بنكيران في مرحلة أولى قيادة الحركة من 1986 إلى 1990، ثم تم تجديد الثقة فيه لولاية ثانية من 1990 إلى 1994، خلالها سيعرف التنظيم تطورات مهمة ساهمت في رسم هوية تنظيمية جديدة للحركة مغايرة للمرحلة السابقة..

ففي سنة 1988 ستعرف الجماعة أول نظام داخلي يعكس فلسفة تنظيمية مبنية على الوضوح وتحديد واجبات العضو وحقوقه، وقد قام كل من عبد الله باها ومحمد الحمداوي ورشيد حازم بأدوار مهمة في صياغة النظام الداخلي الأول، وفي سنة 1991 ستعتمد الحركة أسلوب العمل بالتخطيط الاستراتيجي من خلال تجارب نموذجية كان لمحمد الحمداوي دور مهم في إقناع القيادة بالعمل بتقنية المخطط الاستراتيجي.

ويمكن اعتبار هذه المرحلة هي مرحلة التأسيس الحقيقي لتنظيم الجماعة الإسلامية التي ستغير اسمها إلى حركة الإصلاح والتجديد في سنة 1992.

ففي غياب نموذج القائد المؤسس الذي يحظى بالولاء من طرف الجماعة، تصدى للتنظير والكتابة وصياغة الأوراق التصورية المؤطرة للتنظيم مجموعة من الشباب الذين اعتمدوا على عصاميتهم للقيام بالمراجعات الفكرية والسياسية اللازمة مثل محمد يتيم وسعد الدين العثماني ومحمد عز الدين توفيق وغيرهم، إضافة إلى عبد الإله بنكيران الذي قاد الجماعة خلال هذه المرحلة وكان سباقا لوضع الإشكالات التي تواجه الجماعة على طاولة النقاش الجماعي، خصوصا قضية التخلص من السرية والموقف من النظام الملكي وموضوع المشاركة السياسية..

وقد عرفت هذه المرحلة إلى جانب العمل وفق نظام داخلي يحدد المسؤوليات بدقة ويضع حدا للغموض الذي كان يلف علاقة القيادة بالأعضاء عبر اعتماد قاعدة المسؤولية بالانتخاب وليس بالتعيين، وهكذا تم وضع اللبنات الأساسية للتنظيم: ميثاق أساسي، نظام داخلي، الرؤية السياسية، الرؤية التربوية، وبناء هياكل تقريرية (مجلس الشورى) وأخرى تنفيذية (المكتب التنفيذي) وتأسيس قطاع طلابي للحركة (تم الإعلان عن فصيل الطلبة التجديديون سنة 1992 بمراكش كامتداد للحركة داخل الجامعة، إلى جانب العمل النسائي الذي شرعت الحركة في تنظيمه ابتداء من سنة 1988، ومن أبرز القيادات النسائية اللواتي ساهمن في تأسيس هذا العمل نذكر الأستاذة نعيمة بنيعيش والأستاذة جميلة مصدر.

خلاصات أساسية: 

بعد الاستعراض السريع لأهم مراحل تطور تنظيم الجماعة الإسلامية يمكن أن نخرج بالخلاصات التالية:

ـ تجربة الجماعة الإسلامية تطورت في مناخ صاخب، تأثرت نسبيا بالنشأة السياسية لتنظيم الشبيبة الإسلامية، وغلبت عليها النزعة التجريبية والواقعية في المراجعات، بمعنى أن الاشتباك مع الواقع ومجابهة تحدياته ساهم بشكل كبير في القيام بمجموعة من المراجعات التي لم تكن مسبوقة بنقاشات نظرية أومعرفية بقدر ما كانت استجابة لإكراهات الواقع، وقد لعبت تجربة الاعتقال والاحتكاك مع السلطات الأمنية دورا مهما في استيعاب مفردات الواقع والإلمام ببعض تفاصيله، وهو ما دفع الحركة لاجتهادات أكثر واقعية وأكثر ملاءمة للواقع السياسي المغربي.

ـ يمكن القول بأن تنظيم "الجماعة الإسلامية / الإصلاح والتجديد" هو التنظيم الأكثر تأثيرا ووضوحا في رسم وإبراز معالم الحركة الإسلامية المغربية، وذلك بعدما نجح في الإعلان الصريح عن القطع مع تجربة الشبيبة الإسلامية التي تلاشت وأصبحت جزءا من التاريخ، فبعد انفصال مجموعة التبين وبعض المجموعات الصغيرة في الدار البيضاء (مجموعة المصطفى الرميد ومجموعة عبد السلام بلاجي) حصل الانفصال الأبرز للتيار الأكبر داخل الشبيبة الذي خاض مسار المراجعات التنظيمية والفكرية والسياسية بشكل مؤسساتي، على عكس مجموعة من الأفراد الذين قاموا بمراجعات فردية وغادروا تنظيم الشبيبة، لكن لم يكن لهم أثر على مستوى العمل الإسلامي المنظم.

ـ لم يكن من الممكن لمجموعة من الشباب تحقيق هذه النقلة النوعية في العمل الإسلامي لولا تحررهم من السلطة المعنوية والرمزية للزعيم المؤسس وذلك بعدما تأكد الجميع من أسلوبه في تصفية القيادات وتشويه سمعتها، فبعد استهداف  مجموعة القيادة السداسية للحركة وفصلها عن التنظيم، تم استهداف مجموعة التبين ثم جرى استهداف المجموعة القيادية الثانية (عبد الحميد أبو النعيم وعلال العمراني وآخرين..ثم أخيرا مجموعة الشباب الذين يمثلون القيادات الميدانية للتنظيم، مما دفعهم لاتخاذ قرار الانفصال عن مطيع، وبذلك انتهى تنظيم الشبيبة الإسلامية الذي لم يستطع أن يصمد في الساحة سوى ثمان سنوات.

ـ بغض النظر عن بعض المشاكل المرتبطة بصراع الأقران، فإن طبيعة نشأة الجماعة الإسلامية فرضت مناخا من الحرية داخل التنظيم مع الانضباط لقواعد تنظيمية تعاقدية واضحة لا مجال فيها لسلطة الزعيم أو ازدواجية التنظيم أو الخطوط القيادية أو لسرية التنظيم، كما أن المسؤولية داخل التنظيم أصبحت بالانتخاب، كما أن القرار أصبح يخضع للشورى ويتخذ بالتصويت.
 
ـ رغم عدم حصول الجماعة على الاعتراف القانوني إلا أن السعي العلني نحو العمل في إطار القانون كان يحرج السلطات ويضعها في موضع المخالف للقانون، في الوقت التي ظهرت فيه الجماعة حريصة على الامتثال للقانون والعمل في إطار المشروعية، وهو ما مكن الجماعة من الحضور التدريجي المتزايد في ساحة الفعل الدعوي والعمومي، وجعل الجماعة تفكر في الولوج للعمل السياسي المباشر من خلال السعي لتأسيس حزب سياسي أو الانخراط في حزب سياسي قائم، وهو ما سيتأتى من خلال التواصل مع الدكتور عبد الكريم الخطيب رئيس حزب الحركة الشعبية الدستورية الديموقراطية.

ـ بقدر ما لعبت شخصية عبد الإله بنكيران دورا محوريا في القيام بمجموعة من المراجعات المفصلية في تاريخ الجماعة بقدر ما كانت نزعته الاستباقية لاتخاذ بعض القرارات أو التعبير على بعض المواقف بشكل انفرادي مصدر مشاكل داخل التنظيم وفي العلاقة مع التنظيمات الإسلامية الأخرى، خصوصا وأن محاولات عديدة لتوحيد العمل الإسلامي كانت قد انطلقت منذ بداية الثمانينات، وربما كان من الأسباب التي دفعت أعضاء حركة الإصلاح والتجديد لتغيير قيادتها سنة 1994 وانتخاب محمد يتيم على رأس الحركة خلفا لعبد الإله بنكيران، هو تيسير سبل الحوار والتواصل مع تنظيمات إسلامية أخرى لم ترتبط في نشأتها بالشبيبة الإسلامية، من أبرزها الجمعية الإسلامية بالقصر الكبير التي أسسها أحمد الريسوني وجمعية جماعة الدعوة الإسلامية بفاس التي تأسست على يد الدكتور عبد السلام الهراس.

في الحلقات القادمة نسلط الضوء على هذين الفصيلين وكيف تعاملا مع فكرة التنظيم وما هي أبرز الخصائص التي ميزتهما عن باقي التنظيمات.


التعليقات (0)