كتاب عربي 21

لماذا يتمنى "مفيد فوزي" أن يكون امرأة؟!

1300x600
عندما طالعت هجوم "مفيد فوزي"، على فضيلة الشيخ متولي الشعراوي، في برنامج بإحدى فضائيات الانقلاب العسكري في مصر، لم أعرف من يتحدث؟ .. "مفيد" أم "نادية عابد"؟ فلا أعرف في الواقع متى تختفي شخصية "مفيد فوزي" لتحل روح "نادية" في هذا الجسد، الذي لا تبدو من ملامح الأنوثة فيه إلا هذه "الباروكة" التي يضعها فوق رأسه ليستر بها "الفراغ الدستوري"!

في فترة رئاسته لتحرير مجلة "صباح الخير"، وربما قبلها في عهد الصحفي "لويس جريس"، كان "مفيد فوزي" يكتب مقالا كل أسبوع ينشر موقعا باسم "نادية عابد"، مع صورة مرسومة لأنثى، تتحدث عن رؤيتها في الحب والمشاعر كامرأة مسكونة بالأنوثة الطاغية، وتتفجر في المقال أحاسيسها وعاطفتها الجياشة بحسبانها امرأة جميلة، توشك أن تقول: "هيت لك"، وتم جمع هذه المقالات لتصدر في كتاب أو أكثر، أيضا باسم "نادية عابد"!

وإذا كان نشر مقالات بأسماء مستعارة أمرا معروفا في تاريخ الصحافة، كان آخر هذا قيام إبراهيم سعده بكتابة مقال أسبوعي في "أخبار اليوم" يوقعه باسم "أنور وجدي"، فلعلها المرة الأولى التي يكتب فيها كاتب رجل، باسم امرأة، ولا يكتب في قضايا عامة، ولكنه يكتب عن الحب والمشاعر والأحاسيس، فمن أين له بهذه المعرفة، وهو لم يحض، ولم يأته "الطلق" قبل الولادة؟!

كان الوسط الصحفي المصري يعرف أن "نادية عابد"، هي "مفيد فوزي"، لكن قارئ مجلة "صباح الخير" لم يكن يعرف ذلك، ونفس الأمر بالنسبة لمن قرأ مقالاتها المجمعة في كتب أو كتاب، لكن حدث أن جريدة وليدة، كانت قد تبنت أسلوب المحاكمات الصحفية في المقابلات التي تجريها مع بعض الشخصيات المعروفة، وعلى صفحاتها أجريت محاكمات لفرج فودة، وسعيد العشماوي، وفهمي هويدي، وعبد الله السماوي، وعبد الغفار عزيز، وغيرهم!

كان هذا في بداية التسعينات، وقد سأل المحرر الشاب مفيد فوزي:

من نادية عابد؟

وكان الرد: لا أعرف

وكان السؤال التالي: إذا لم يكن رئيس التحرير لا يعرف فمن يعرف؟!

فكان الرد أيضا: لا أعرف!

ليسأله المحرر: متى يتمنى الرجل أن يكون امرأة؟!

عندئذ، أمسك مفيد بجهاز الكاسيت الصغير، الذي يسجل المقابلة، وأخرج منه الشريط وأمسك به، لتسيل على لسانه صفائح القاذورات، وهو ما كان موضوع بلاغ تم تحريره في قسم الشرطة ضد "مفيد" لتحرير "شريط الكاسيت"، وانتهى بطبيعة الحال إلى الحفظ، فمفيد فوزي، من كتاب النظام، وعندما بلغ سن الإحالة للتقاعد، خصص له صفوت الشريف وزير الإعلام برنامجا تلفزيونيا هو "حديث المدينة"، فيقال في مصر: "من له ظهر لا يضرب على بطنه"!

وربما كانت هذه الأسئلة كاشفة عن وقوف الوسط الصحفي على أن "نادية عابد" هي "مفيد فوزي"، فعندما خلف "رشاد كامل" المذكور في رئاسة تحرير مجلة "صباح الخير"، واستمر "فوزي" كاتبا بها، فقد تم وقف نشر مقال "نادية عابد"، ولم يسأل أحد أين ذهبت، فهل وقف القارئ بعد هذه السنوات على أن كاتبة الأحاسيس الفياضة هي "مفيد فوزي" بشحمه ولحمه؟!

والحال كذلك، فقد كان لزاما على مقدم البرنامج الذي استضاف المذكور، أن يحدد للمشاهد، ما إذا كان ضيفه هو "نادية عابد"، فنقف على أنه "كيد النساء"، أم "مفيد فوزي"، فنعرف أن رأيه في الشيخ الشعراوي ترجع دوافعه إلى كونه من كتاب النظام الحاكم، الذي يريد أن يحطم كل قيمة دينية، لدرجة أن يمنح العفو عمن أهانوا الإمام البخاري في وقت لا يتسامح فيه مع خصومه السياسيين. 

ما علينا، سواء كان ضيف البرنامج هو "مفيد فوزي" أم "نادية عابد"، أم أن "مفيد" و"نادية" كانا يتبادلان الجسد في هذه الحلقة، ينسحب "مفيد" فتحل "نادية"، ويأتي "مفيد" فتغادر "نادية"، فإنه عند النظر إلى المنتج وهو الكلام الذي قيل نكتشف أننا أمام حملة افتراء على الشيخ الجليل عندما يوصف بأنه مصدر الإرهاب، ولكن عندما يجري الحديث عن أن الحجاب جريمة، ليكون الدعوة إليه عملا تحريضيا، فإن هذا توجه نظام، سواء كان كلاما لـ "نادية" أم لـ "مفيد"، وقد اتهم القائل سواء كان "مفيد" أم "نادية" الشعراوي بأنه من حرض الفنانات المعتزلات على الحجاب!

الشعراوي ليس من عموم رجال الدين، ولكنه واحد من القمم الجامعة، حيث إن له احترامه في كل الأوساط الدينية والشعبية، وفي بداية الثمانينات، وعندما صدر للأديب الكبير يوسف إدريس كتابه "فقر الفكر وفكر الفقر"، وقد جاء فيه أن الشيخ الشعراوي فنان نصف موهوب، وضبط الصحفي "محمد عبد القدوس" هذا الوصف ونشره في الصفحة الدينية بأخبار اليوم التي كان يشرف عليها، مع استطلاع آراء البعض ومنهم بعض كبار رجال الدولة، الذين استنكروا الأمر، فقد كانت ثورة عارمة ضد الأديب الكبير، دفعته لأن يبدو في وضع لا يحسد عليه وهو يتراجع تماما، ويقول إنه لم يكتب هذا الكلام وأنه خطأ مطبعي، وعندما يهاجم الآن هكذا فاعلم أن الهجوم مسايرة لتوجه سلطة الانقلاب.

وقد كان فكر الشيخ الشعراوي دائما ضد الإرهاب والغلو، وفي بداية التسعينات وعندما عرض أحد تلاميذه وهو الصحفي "محمد إسماعيل" فكرة المصالحة بين الجماعات التي تمارس العنف والدولة، رحب بتبني الفكرة وناقشها مع وزير الداخلية حينئذ اللواء عبد الحليم موسى، الذي رحب بها، وكانت تضم مجموعة من العلماء من بينهم الشيخ كشك، وعندما سأل الوزير وهل "الشيخ كشك" معنا؟ وقيل له لقد وافق فعلا، قال: إذن على بركة الله!

وكانت دوائر السلطة قد رحبت بالمبادرة التي يتزعمها الشعراوي، لكن اليسار الذي يقتات على موائد الأنظمة في لحظات الأزمة مع التيارات الدينية، قام بالهجوم على المبادرة التي نفت السلطة علمها بها، وليس هذا موضوعنا!

فالهجوم على الشيخ الشعراوي، ووصمه بالإرهاب، والتعامل مع الحجاب على أنه جريمة، دون تحديد لجنسها: جناية أم جنحة؟ هو أمر يأتي في سياق معاد للدين والتدين، ولفكرة الالتزام بشكل عام، واللافت أننا تجاوزنا مرحلة أن السفور حرية شخصية، لنطلب بحق المرأة في ارتداء الحجاب وتعد الدعوة إلى الالتزام به تحريضا، على النحو الذي قاله "مفيد فوزي"، أو "نادية عابد"!

وقد كنت أتمنى أن يقوم بهذا الدور شخص آخر غير "مفيد فوزي" حتى لا يستغل الأمر، في إلقاء تبعيته على انحيازاته الطائفية.

عموما دعنا من الإرهاب والتطرف، ومن الحجاب والسفور، وحدثنا يا مفيد عن الأحاسيس!