كتاب عربي 21

فوز العدالة والتنمية المغربي.. الطريق لم تبدأ من هنا

1300x600
صحيح أن ثمة مبالغة رائجة، في تصوير التجارب الإسلامية المغاربية الراهنة، وتحديدا في تونس والمغرب، وتقديمها على أخواتها المشرقية، على الرغم من أن الخيارات الحالية لكل من النهضة التونسية والعدالة المغربي، بالتحرك على أرضية الدولة وأسفل سقفها، قد كانت خيارات لإسلاميين مشارقة منذ عقود، مع اختلاف الظروف والسياقات، وربما مع اختلافات نسبية في الخطاب، قد تعاظمت أخيرا في حالة النهضة تحديدا.

وصحيح، كذلك أن ثمة مبالغات رائجة في تصوير مستوى الإنجاز الذي تمثّل في تونس في حماية النهضة نفسها من السحق والاستئصال، وفي المغرب في استمرار قدرة العدالة والتنمية على الاشتغال السياسي، والنجاح في هذا الاشتغال، في الحدود التي فرضتها الإرادة المخزنية.

وصحيح أيضا، أن الأمر لا يتوقف على القراءة المشرقية التي لا تخلو من الانطباعية، التي تتلبّس غالبا بالمقارنات المتورطة في إكراهات اللحظة، والمغفلة للسيرورة التاريخية، والسياقات القائمة، فأصحاب التجارب –محلّ الحديث- أنفسهم لا يقصّرون –بطبيعة الحال- في الدفاع عن تجاربهم، حتى ولو بالتنظير الذي يتّسم بالمبالغة، ويتجاوز السياقات، ويتورط في الأستذة. والواقع الذي يجعلهم في سعة وراحة بالمقارنة مع ما يعانيه المشارقة الآن؛ يعينهم على ذلك.

ذلك صحيح، وهو صحيح رغم اختلاف منطلقات الإسلاميين في تقييم تلك التجارب، وتباين مواقفهم التأسيسية تجاه الدولة، وأهداف الإسلاميين، ورؤيتهم لموقع الدين في المجال العام، وطبيعة العلاقة الجدلية ما بين الرؤى المؤسسة لوجودهم الأصيل، والرؤى التي أفرزها منطق الاضطرار، ثم صارت ذات بنية تأسيسية جديدة.

مع أن ذلك صحيح –من وجهة نظر كاتب هذه السطور على الأقل- فإنّ هذا لا يعني أن استمرار النهضة في الحفاظ على وجودها، محض الوجود مجرّدا من أدائها وخطابها ودعايتها، وقدرة العدالة والتنمية على الفوز مجدّدًا في آخر انتخابات، وبالتالي تكليفه بتشكيل الحكومة، لا يعدُّ إنجازًا قائمًا في ذاته، مع كل ما يمكن قوله في نقض دعاية النهضة، أو في بيان الحدود المخزنية المرسومة بدقة لاشتغال العدالة والتنمية.

الإنجاز يقرأ هنا حين أخذ هذه التجارب في السياق العربي الكبير، رغم النزعة المحلية التي تطبع بعض أصحاب تلك التجارب، إذ إن الثورات العربية في الأساس هي التي عادت بالنهضة من المنافي وأخرجتها من السجون، وهي التي وسّعت الحدود المخزنية المغربية حتى باتت تتسع للعدالة والتنمية، تماما كما أن الانتكاسة المصرية، هي التي أدّت إلى إعادة صياغة مواقف بعض أصحاب تلك التجارب.

المقصود هنا أن الحركة التاريخية العربية الراهنة، هي حركة واحدة، مع اختلاف التفاصيل في تضاعيفها، وهي حركة واحدة رغم أي إرادة تريد أن تقرأ تفاصيلها منبتّة عن بعضها، أو عن جامعها الواحد، فالتحول المغربي، مهما كان اختلافنا في تقييم حجمه وعمقه وجدّيته، لم يبدأ مع تفكير العدالة والتنمية، أو على الأقل لم يستقل هذا التفكير في صناعة هذا التحوّل، بل تعلق التحوّل فعليّا بالثورات العربية التي بدأت من تونس ثم اكتسحت المشرق العربي.

فبنية الدولة المغربية، وإرث المصالح ومراكز النفوذ، وارتباط الدولة بأبعادها الإقليمية والدولية، أعمق وأعقد من أن يُفرز تحولاً ينمّ عن حكمة مفاجئة، عن حكمة الدولة وحكمة الإسلاميين، وهي حكمة ظهرت للتوّ، ولكن الخفّة –كعادتها- تصوّرها وكأنها كانت هكذا منذ الأبد!

حقا، لم تكن هي الحكمة الطارئة أو الأصيلة التي انبثق عنها التحوّل، ولكنها الثورات العربية الكاسحة، التي افتتحت لحظة لم تنغلق بعد، وإذا كان الأمر كذلك، وكان يحلو للبعض رؤية الجاري المغربي الراهن، في ضوء التجربة البريطانية، التي سلكت سبيلاً للإصلاح يتجنب النزعة الثورية الفرنسية اليعقوبية، ومن ثم الافتراض بأن المغرب سينتهي إلى ما انتهت إليه بريطانيا، وبشكل التحوّل نفسه، فإنه يجدر التذكير، بأن الإصلاح البريطاني كان جزءًا من التحول الأوروبي العام، الذي تنوّعت أشكاله، ولكنها انتهت إلى نتائج واحدة.

ذلك يعني أن نتائج الصراع المحتدم في المشرق العربي، ولاسيما في دوله الأساسية، مصر وسوريا، لن تقتصر على دول ذلك الصراع فحسب، ولكنها ستحطّ رحالها بشكل ما في كل بلد في العالم العربي، وعلى هذا الأساس فإن الفسحة المتاحة الآن، لأحزاب الإسلاميين في بلاد المغرب العربي، ستتعاظم حين أي تطور إيجابي في المشرق، وحينها ستتغير مجدّدًا حتى خطابات إسلاميي المغرب، فنحن لسنا في زمن النهايات، لا نهاية التاريخ ولا نهاية الأفكار، وكما أن الطريق لم تبدأ من هنا فإنها لن تتوقف هنا.

كشفت الثورات العربية، وما تلاها من حركة تاريخية مفتوحة، أن ترابط هذه الأمّة أعمق من البحث عن الشعارات الوحدوية في مظاهرات الميادين، وأعمق عن التفتيش عن اسم فلسطين على شفاه الهاتفين، فيكفي أن شرارة في بلدة غير مركزية، في بلد لم يُعرّف يومًا بلدًا مركزيًا، أشعلت النار في جغرافيا العرب كلها.

ولكن ما لا يقلّ أهمية عن ذلك، أن أزمة عالم العرب المترابط بهذا القدر، أعمق وأعقد أيضًا من أنّ تحلّها قوة ثورية أو إصلاحية أو نهضوية واحدة، أو أن تعالجها تجربة تُعمّم على العرب كلهم، فقد آن الأوان لنتجاوز هذا التصور الإيديولوجي القديم، ونفهم أن القضية هي قضية الأمة كلها، وأن الحلّ من رحم التدافع الجاري، وأن قوّة واحدة لا يمكنها النهوض بهذا العبء، وأن حلاً واحدًا لا يمكنه إزاحة هذا الركام، وأن ما يجري في عالم العرب اليوم من أقصى شرقه إلى أقصى غربه، بكل تناقضاته وأطرافه وفاعليه، هو حركة واحدة.

ولأننا لسنا في زمن النهايات الكبرى، فإن في نتائج العدالة والتنمية، ما يؤكّد على وهم نهاية "الإسلام السياسي"، ووهم القدرة المطلقة للثورة المضادة، ووهم دفن حركة الإصلاح العربي، ومرة أخرى فإن الطريق التي لم تبدأ من هنا، لن تنتهي هنا.