كتاب عربي 21

أوكار الإرهاب لا البلديات

1300x600
قامت وزارة الداخلية التركية، الأحد الماضي، بعزل رؤساء 28 بلدية في عموم البلاد، بتهمة استغلال أجواء الديمقراطية وتسخير كافة إمكانيات البلدية لخدمة المنظمات الإرهابية. ويشتبه في انتماء أربعة من هؤلاء الرؤساء إلى تنظيم الكيان الموازي الإرهابي، كما أنه يشتبه في انتماء البقية منهم إلى حزب العمال الكردستاني.

هذا القرار جاء بعد استقالة مفاجئة لوزير الداخلية السابق أفكان آلا من منصبه ليتولاه وزير العمل السابق سليمان صويلو. ولا ندري هل لهذا التغيير دور في القرار أم لا، إلا أن المؤكد أن عزل هؤلاء الرؤساء كان مطلب معظم المواطنين الأتراك منذ أن تبين ضلوعهم في دعم العمليات الإرهابية التي يقوم بها حزب العمال الكردستاني وتستهدف المدنيين وقوات الأمن التركية.

هناك أمثلة كثيرة لتورط رؤساء تلك البلديات في دعم الأعمال الإرهابية من خلال توظيف عناصر حزب العمال الكردستاني برواتب عالية، وتمويل أنشطة دعائية تحث الشباب الأكراد على الالتحاق بمعسكرات المنظمة الإرهابية والقتال ضد قوات الأمن التركية، بالإضافة إلى استخدام آليات البلديات وجرافاتها وشاحناتها في حفر الخنادق وإقامة السواتر الترابية وزرع القنابل ونقل الأسلحة والمتفجرات.

وفي أبرز مثال لمشاركة تلك البلديات في هجمات حزب العمال الكردستاني الدموية، تم استخدام شاحنة مفخخة تابعة لبلدية آرتوكلو بمحافظة ماردين في التاسع من شهر يوليو/ تموز الماضي في الهجوم الإرهابي الذي استهدف مخفر جويزبنار التابع لقوات الدرك "الجندرمة"، ما أدى إلى استشهاد ثلاثة مواطنين بينهم جنديان وإصابة 12 جنديا آخرين.

كان هناك استياء كبير في صفوف المواطنين من إرسال مخصصات مالية من خزانة الدولة إلى تلك البلديات الداعمة لهجمات حزب العمال الكردستاني، وكانوا يتساءلون بغضب واستغراب: "لماذا يتم استخدام أموالنا في تمويل الهجمات الإرهابية التي تستهدف جنودنا ورجال أمننا؟"، مطالبين الحكومة التركية بإيجاد حل يحول دون استخدام أموال البلديات وإمكانياتها في غير محلها، لأن تلك الأموال يتم إرسالها إلى البلديات من أجل إنجاز مشاريع تخدم المواطنين، كما أن شريحة واسعة من المواطنين كانوا يطالبون الحكومة التركية باستغلال حالة الطوارئ وتقديم خطوات حازمة لاجتثاث إرهاب حزب العمال الكردستاني وداعميه على غرار الخطوات التي تهدف إلى تطهير أجهزة الدولة من خلايا تنظيم الكيان الموازي الإرهابي.

معظم تلك البلديات لم تقدم إلى سكان مناطقها خدمات تذكر منذ الانتخابات المحلية الأخيرة التي أجريت في 30 مارس/ آذار 2014، ولذلك لم يُثر قرار عزل رؤسائها ردود فعل واسعة من المواطنين، ولم يشارك في المظاهرات التي تم تنظيمها أمام مباني تلك البلديات احتجاجا على القرار إلا عدد يسير من أنصار حزب الشعوب الديمقراطي، لأن المواطنين انتخبوا هؤلاء الرؤساء ليقدموا خدمات لهم، لا ليهملوا مهامهم الأصلية ويخدموا المنظمة الإرهابية.

رئيس البلدية مهامه وصلاحياته ومسؤولياته واضحة ومحددة. وهو ليس بملك ولا رئيس دولة يتمتع بصلاحيات واسعة. ومهما كان منتخبا عبر صناديق الاقتراع، فإن عليه واجب الالتزام بالدستور والقوانين. ولا يحق له تجاوز حدود صلاحياته كما أنه لا يتمتع بالحصانة، وإن ارتكب جريمة فإنه تتم معاقبته في إطار القوانين. 

قرار عزل رؤساء بلديات عن مناصبهم بعدما حولوا تلك البلديات إلى أوكار للإرهاب، جاء قبيل عيد الأضحى المبارك كهدية العيد للشعب التركي، ولكنه أزعج واشنطن، حليف حزب العمال الكردستاني في سوريا. ووجَّه سفير الولايات المتحدة لدى أنقرة، جون باس، انتقادات للقرار، إلا أن وزير الخارجية التركي مولود تشاويش أوغلو رد عليه قائلا إن "سفراء الولايات المتحدة لدى بلادنا، ينبغي عليهم أداء واجباتهم برزانة ومهنية وفق محددات اتفاقية فيينا وعدم محاولة التصرف كحكام، لأننا لن نسمح لهم بذلك قطعا"، وعبر في اتصال هاتفي مع نظيره الأمريكي جون كيري، عن رفض أنقرة لتدخل السفير الأمريكي في شؤون تركيا الداخلية، كما أن وزير العدل التركي بكير بوزداغ، لفت في تعليقه على تصريحات باس، إلى أن تطبيق القوانين وإدارة شؤون البلاد في تركيا من صلاحيات الحكومة المنتخبة التي تعبر عن إرادة الشعب التركي. وأضاف قائلا: "إن كان سفير الولايات المتحدة لدى أنقرة يجهل هذه الحقيقة حتى الآن فيمكننا أن نعلمه بصبر".. غير أن الرد الوجيز على وقاحة السفير الأمريكي جاء من رئيس الحركة القومية، دولت باهتشلي، الذي لفت انتباه واشنطن إلى أن السفير جون باس يتجاوز حدوده وأن تركيا ليست الولاية الثالثة والخمسين للولايات المتحدة.