كتاب عربي 21

لغة تركية مختلفة للحديث مع واشنطن

1300x600
جاء التدخل العسكري التركي في شمال سوريا لدعم الجيش السوري الحر بعد انتظار طويل منح مليشيات وحدات حماية الشعب الكردية فرصة ثمينة لا تعوض للتوسع والسيطرة على مزيد من القرى والمناطق والتمدد نحو غرب الفرات، سعيا وراء حلم تقسيم سوريا وإقامة دويلة كردية في شمالها، مستغلة الغطاء الأمريكي الذي توفره له واشنطن.

يذكر أن المناطق التي تسيطر عليها مليشيات وحدات حماية الشعب الكردية لم تكن واسعة في بداية الثورة السورية، ولكنها تحالفت أولا مع النظام السوري لقمع المظاهرات التي خرجت في المناطق ذات الأغلبية الكردية، وبموجب هذا التحالف انسحبت قوات النظام السوري من بعض المناطق لتتركها إلى مليشيات وحدات حماية الشعب الكردية، وهكذا بدأت القصة.

مليشيات وحدات حماية الشعب الكردية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي، قامت بمناورات عديدة لتوسيع دائرة نفوذها وتعزيز قوتها العسكرية. وفي هذا الإطار، قدَّمت نفسها كقوة برية ضاربة تبحث عنها الإدارة الأمريكية في قتال تنظيم داعش الإرهابي. ورحَّبت الولايات المتحدة بهذا العرض فبدأت تنظر إليها كأقوى حليف لها في الشمال السوري. واختلق هذا التحالف ما يسمى "قوات سوريا الديمقراطية" للضحك على الرأي العام العالمي والدول القلقة من تقسيم سوريا، والتستر على جرائم التطهير العرقي التي ترتكبها مليشيات وحدات حماية الشعب الكردية، كما أن واشنطن واصلت كذبها مُدَّعِيَةً أن هذه المليشيات لا تربطها أي صلة تنظيمية بحزب العمال الكردستاني.

إسقاط المقاتلة الروسية من قبل الجيش التركي أعطى مليشيات وحدات حماية الشعب الكردية فرصة أخرى لتعزيز نفوذها وتمددها في شمال سوريا، واستغلال المظلة الروسية ضد احتمال التدخل العسكري التركي. وكانت الظروف الدولية والإقليمية كلها مواتية لتمددها نحو الغرب، إلا أن الخطوات التي قدمتها أنقرة لترميم علاقاتها مع موسكو، وإفشال محاولة الانقلاب العسكري، وتطهير الجيش التركي من خلايا الكيان الموازي، والقبض على الولايات المتحدة متلبسة في محاولة الانقلاب الفاشلة، بالإضافة إلى توحد الأتراك حكومة ومعارضة وشعبا للدفاع عن وطنهم وديمقراطيتهم، قلبت الموازين، وجعلت مليشيات صالح مسلم مكشوفة أمام التدخل التركي.

القوات التركية الخاصة دخلت الأراضي التركية في الذكرى الــ500 لانتصار الجيش العثماني بقيادة السلطان سليم الأول على جيش المماليك في معركة مرج دابق، لمساندة الجيش السوري الحر في تحرير مدينة جرابلس، وأطلقت على العملية "درع الفرات"، في إشارة إلى أن عبور مليشيات وحدات حماية الشعب الكردية نهر الفرات للتمدد نحو الغرب خط أحمر لن تسمح تركيا بتجاوزه مهما كان الثمن.

 كانت تركيا غضت الطرف عن مشاركة تلك المليشيات في عملية تحرير منبج تحت مظلة قوات سوريا الديمقراطية، بعد أن تعهدت الولايات المتحدة بعودة عناصر تلك المليشيات إلى شرق الفرات عقب انتهاء تلك العملية. وتطالب أنقرة اليوم واشنطن بالإسراع في الوفاء بتعهداتها حيال عدم بقاء أي عنصر من المليشيات الكردية غربي نهر الفرات عقب انتهاء عملية منبج.

تركيا تقوم بعملية درع الفرات وحدها بالتعاون مع فصائل الجيش السوري الحر، ولا تعول على واشنطن ودعمها في نجاح العملية، لأنها لا تثق بوعودها المخدِّرة ونوايا المشبوهة. ولذلك بادرت بعملية فرض واقع على الأرض يقطع الطريق أمام سياسة المماطلة التي تمارسها الإدارة الأمريكية لمنح مليشيات وحدات حماية الشعب الكردية مزيدا من الوقت لتواصل تمددها نحو الغرب، لتجد جميع الأطراف أنفسها في نهاية المطاف مضطرة لقبول التسوية الأممية التي ترسم ملامحها الولايات المتحدة.

أنقرة ترفض هذه السياسة الأمريكية، وتتحدث اليوم مع واشنطن بلغة مختلفة، لترد على تصريحات المسؤولين الأمريكيين وانتقاداتهم حول عملية درع الفرات. وكان المبعوث الأمريكي الخاص للتحالف الدولي من أجل مكافحة تنظيم داعش، بريت ماكغورك، انتقد استهداف المليشيات الكردية من قبل الجيش السوري الحر والقوات التركية المساندة له، واعتبره أمرا غير مقبول ومصدر قلق عميق، ولكن الرد التركي على هذه التصريحات والانتقادات لم يتأخر، لتدعو الخارجية التركية واشنطن إلى الوفاء بوعودها، كما نفى مصدر عسكري تركي ما نقلته وسائل الإعلام عن مصدر أمريكي، حول توصل القوات التركية ومليشيات وحدات حماية الشعب الكردية إلى وقف إطلاق النار، مؤكدا أنه لا وجود لأي اتفاق لوقف إطلاق النار في سوريا مع تلك المليشيات، بل إن هناك مهلة لوفاء الإدارة الأمريكية بوعودها وانسحاب المليشيات الكردية من منبج.

السفير الأمريكي السابق في تركيا، جيمس جيفري، في حديثه لإذاعة "بي بي سي" البريطانية، أشار إلى أن بلاده لم تف بوعودها التي قطعتها لتركيا بشأن عدم بقاء مليشيات وحدات حماية الشعب الكردية غربي نهر الفرات، ثم أضاف قائلا: "خبرتي التي امتدت لـ35 عاما تقول إنه سيندم سريعا مَن لم يفِ بالوعد الذي قطعه للأتراك". ومن المتوقع أن يكتسب آخرون هذه الخبرة في الأيام المقبلة إن لم يتم سحب تلك المليشيات من غرب الفرات إلى شرقه.