قضايا وآراء

رابعة.. محاولة للفهم (3)

1300x600
بالنسبة لي فإن رابعة كانت نقطة فرز أو محطة تمييز بين الكائنات البشرية وكائنات أخرى ليست بشرية وإن بدت هكذا للعيان . بدا لي اليوم أن نقطة الفرز حدثت بعد أن تبين للجميع حجم الجرم وكارثية الحدث وتفرده ورغم ذلك أصر البعض على موقفه بينما والحق يقال رأى غير واحد أن ما جرى لا يمكن لصدر بشر أن يتحمله أكثر من ذلك، فمنهم من عاد وارتفع إلى مستوى الإنسانية وأنكر ما جرى بعد شهر أو اثنين وآخرون احتاجوا إلى ثلاث سنوات لكي يعترفوا بالجريمة وإن تيقنوا قبل ذلك ولكن لحسابات ما اعترفوا اليوم، ولا ضير. 

الذين راجعوا أنفسهم صنفان، صنف أدرك وأنكر وإن متأخرا وآخر أدرك وجحد وإن استيقن قلبه أن ما جرى مجزرة وحشية متكاملة الأركان قام بها الجنرال مع سبق الإصرار والترصد، ولكنهم ولكرههم للإخوان وللثورة وللإسلاميين قرروا أن يغلقوا قلوبهم على ما فيها ويخرسوا ألسنتهم وهؤلاء يعلمون أن مصيرهم مرتبط بالجنرال موتا وحياة وإن بقوا على ظهر الأرض بعد زواله، ولكنهم لن يتراجعوا إلا تحت وطأة المحاكمة الشعبية بعد زوال الانقلاب، ربما يفضلون الموت على الاعتراف بخطئهم.
 
بعض الذين استدركوا على أنفسهم لا يزال مترددا ومذبذبا بين الجهر بالحق ودفع التكلفة أو الإشارة إلى الحق مع خفض مستوى كلفة هذه الإشارة، بمعنى أنك قد تسمع أو ترى أحدهم يتحدث عن القصاص والدية ولكنه لا يتوقع منه إدانة الجنرال ولا العسكر ولا الشرطة صراحة وكأن الشهداء قتلوا أنفسهم، وهذا الصنف يعاني من مشكلة نفسية كبيرة في تقديره للموقف وتقديره لحجم نفسه التي لا يريد أن يراها على حقيقتها. يريد هؤلاء أن يظلوا رموزا تخدش وإن خالفت الحق، ويريد بعضهم ألا يخسر مكاسب جناها على مر السنين، ولا يريد في النهاية أن يضحي بشيء، وكل ما يريده هو أن يلمح بالإشارة وينتظر من الناس أن تكبر وتهلل له لأنه ألمح في زمان الكبت والقهر مع أنه لو أفصح وعوقب لكان خيرا له وللدين وللأمة بأسرها، لكننا لا نملك القلوب ولا نتمنى إلا السلامة للبشر كل البشر حتى الذين رقصوا على دمائنا إن تابوا وأصلحوا. 

في نقطة الفرز السياسي تبين لي أن كثيرا من الوجوه السياسية احترقت في لحظة حرق الخيام في رابعة العدوية وأعتقد أنه من الصعب إعادتهم مرة أخرى للحياة ولو أجريت لهم عشرات العمليات التجميلية، ذلك أن جنرالهم الذي دفع بهم للسقوط في الهاوية لم يسع ولو للحظة لكي يبيض وجوههم فيما ذهبوا إليه من توقعات، بل سود وجوههم وعاملهم على أنهم قطيع من المتكلمين الذين لا يحسنون صنعا، وهم اليوم وبعد أن أدركوا أن محرقة رابعة كانت محرقة للإنسانية وليس للإخوان لم يعد بمقدورهم تبرير صمت السنين ولن يقبل منهم أي تبرير لأن الشعب عهدهم وأسلافهم على هذه الحال في عصور سبقت الجنرال السيسي بعقود. 

رابعة لم تكن مجزرة سياسية لأن السياسة لها ميدانها والحكم الأول والأخير في هذا الميدان هو الشعب، ولكنها كانت مجزرة على أساس ديني في المقام الأول وقد أفصح الجنرال عن ذلك عدة مرات وفي عدة مناسبات فهو بداية لا يعترف بالرئيس وانقلب عليه لأنه كما زعم- الجنرال- أن الرئيس مرسي يريد إقامة الخلافة، وهذا سبب كاف لحرق كل أنصاره. ثانيا لم يفوت الجنرال فرصة وهو يقدم نفسه للغرب إلا واستغلها ليقدم كشف حساب عما فعله وسيفعله ضد الإخوان ومن يتبنون المشروع الإسلامي الذي لا يؤمن به لدرجة أنه قال لوفد أمريكي من اليمين المتصهين إنه يحتاج إلى بعض الوقت لكي يطهر الجيش من أنصار الإخوان المسلمين، ولو كان الصراع سياسيا فلا يمكن أن يتم تطهير الجيش من أنصار ومؤيدي أي حزب لأن الجيوش وببساطة غير مؤدلجة أو متحزبة أو هكذا يجب أن تكون. لكن الجنرال كان يعتقد أن وجود شبه تدين كافية للفصل والإحالة إلى التقاعد مبكرا. 

رابعة كشفت عن عوار كبير في الضمير الإنساني بشكل عام، فالعالم الذي يدعي التحضر  ا يزال حتى اليوم عاجزا أو غير راغب بشكل أدق عن فتح ملف لا يحتاج إلى كثير عناء أو بحث فلدى منظمة هيومان رايتس ووتش HRW الكثير لكي تأتي بالجنرال مكبلا، ولكنه -أي العالم الغربي- أعور العينين وهذه كلمة مهذبة إذا ما تعلق الأمر بالمسلمين ودمائهم التي سالت بفعل حروب بوش وطائرات أوباما بدون طيار التي تقتل على الهوية وبدون حساب في سوريا وأفغانستان والعراق واليمن وليبيا والصومال ومن قبلها البوسنة والهرسك. 

عالم ما بعد رابعة يرسخ مفهوم القوة بمعنييها الناعم والصلب ولست أرى أن القوة الناعمة كفيلة بإحداث أي تغيير جوهري في عالمنا العربي دون أن تملك الشعوب قوة صلبة تفرض بها إرادتها وتجبر العالم على احترام تلك الإرادة أو فليخبط العالم رأسه في الحيط كما نقول. 

عالم ما بعد رابعة هو عالم القوة. نقطة ومن أول السطر.