كتاب عربي 21

صباح الخير يا محمود!

1300x600
لم أشاهده عصبيا، كما كان في هذا اليوم، فقد كان الإعلامي "محمود حسين" منتج الأخبار بقناة الجزيرة، دائما هادئا، مبتسما، فنانا، وابن نكتة، ومن الناس الذين يَألفون ويُألفون من أول لقاء، سمحا إذا تكلم سمحا إذا استمع، ولهذا فقد كانت "القعدة تحلى" في حضوره!

كان هذا اليوم الذي علم فيه أن قناة الجزيرة، ستعرض فيلما وثائقيا يحمل اسم "العساكر"، عن التجنيد الإجباري في مصر، ولم يكن في علمه أنه اتصل به إلا من خلال الهجوم الذي تعرض له الفيلم على القنوات المصرية قبل عرضه، على نحو مثل دعاية له، فكانت الأذرع الإعلامية للانقلاب العسكري في هجومها عليه، كالدبة التي قتلت صاحبها، ودفعت المصريين لانتظار عرض هذا الفيلم، الذي أغضب عرضه كثيرين من الدوائر المعادية للسلطة في مصر!

قال لي "محمود" وهو في ذروة انفعاله أنه سيفكر في الذهاب لرئيس مجلس إدارة الجزيرة، ويقترح عليه منع عرض الفيلم، لكن ربما بعد أن ذهب الغضب وقف على أن السيف قد سبق العذل، وأن العدول عن عرض الفيلم قد يفسر أنه رضوخا لهذا الانحطاط الذي يمارس في القنوات التلفزيونية المصرية، ضد قطر والجزيرة، وعند العرض تبين أن الفيلم ليس فيه ما يمثل إساءة للجيش المصري، ليتم الاستجابة لمطالب عدم عرضه، في حال ما إذا كانت المطالب قد عرضت فعلا على المسؤولين بالقناة.

وعندما يقال إن اعتقال محمود حسين في مصر كان بسبب اتهامه في قضية الفيلم، فإننا نكون أمام قضية تلفيق من النوع الذي تعرف به الأجهزة الأمنية في مصر، وهو ليس كاشفا فقط عن انهيار مستوى التلفيق، وإنما بالإضافة إلى ذلك فإننا نكون أما واقعة كاشفة عن أن ما يردد في برامج التوك شو من أن هذه الأجهزة مخترقة لقناة الجزيرة، كذبة كبرى، فمحمود حسين ليس فقط كان ضد عرض هذا الفيلم، وزملاؤه يعرفون ذلك، ولكن لأن مخرج الفيلم أعلن عن نفسه، بل إن أحد الأشخاص من غير العاملين في قناة الجزيرة كتب على صفحته على "الفيسبوك" أنه كاتب السيناريو، وعندما سألت قيل لي ليس هناك سيناريو للفيلم أصلا، ولأنه يعيش في الخارج فقد تحركت أجهزة الأمن في مصر وألقت القبض على شقيقه وابن عمه، ليس كرهائن ولكن كفاعلين أصليين في قضية الفيلم!

وهو نوع من الاعتراف، ذكرني بقيام الأجهزة الأمنية بالقبض على خلية شيوعية في السبعينات، وكانوا ستة بينما التحريات الأمنية تؤكد أنهم سبعة أفراد، وبعد فشل الضغوط على المتهمين في الاعتراف بسابعهم لأن الخلية كانت فعلا مكونة من ستة أفراد، ولأن الضغوط استمرت فترة طويلة، فأراد أحد المخبرين أن ينهي الأزمة على طريقته، لأن القضية مصيرها الحفظ لعدم الاعتراف بتشكيل الخلية والعمل على قلب نظام الحكم بالقوة، وبحركة "فهلوة" وضع اسم أحد الأشخاص، الذي ألقي القبض عليه في التو واللحظة، وكانت المفاجأة أنه عندما وجه له الاتهام بالانخراط في تشكيل شيوعي بالمخالفة للقانون والعمل على قلب النظام، أنه اعترف، مؤكدا أنه يعمل على قلب نظام الحكم، وليس جبانا لينفي الاتهام!

وإزاء هذا الاعتراف، الذي كان كفيلا بأن يذهب بجميع المتهمين إلى ما وراء الشمس، فإن المخبر الأمني اعترف للضابط بأنه جلب الرجل ليحل به إشكالا، وهو بعيد تماما عن السياسة، وإذ جرى الإفراج عن السبعة، فقد أقلعوا بعد ذلك عن الشيوعية وممارسة السياسة، لكن هذا المعترف على نفسه اهتم بدراسة الشيوعية واستمر شيوعيا إلى أن روى لي أعضاء التنظيم الفعليين القصة قبل ثورة يناير، وربما لا يزال شيوعيا إلى الآن إن كان على قيد الحياة!

ولهذا فإن محكمة النقض، أقرت مبادئ لا تجعل من مقولة "الاعتراف سيد الأدلة" على إطلاقها، لكن المقطوع به أن محمود حسين ليس له علاقة بفيلم "العساكر" على أي مستوى، إلا على مستوى الرفض، وكان رأيه بعد عرض الفيلم سلبيا وحادا من حيث التقييم المهني، و"محمود" هو مهني من أخمص قدميه إلى مفرق شعره، وقد انتقل للعمل في أكثر من قناة تلفزيونية، لها توجهات سياسية مختلفة، وإذا تم حسابه على كل هذه التوجهات المتعارضة، فسوف يتهم بالشيء ونقيضه، لكنه ليس مشغولا إلا بالخبر، والحدث، وبالصورة، وبنقل الحقيقة، فهو "عمدة" في مجاله!

قبل أن نلتقي في الدوحة، لم تكن لي علاقة شخصية بمحمود حسين، وإن كنت تابعتُ انطلاقته ضمن آخرين من قناة "النيل للأخبار"، والتي كانت بدايتها مبشرة، سواء عندما كان يشرف عليها الإعلامي المرموق حسن حامد بشكل مباشر، أو بشكل غير مباشر عندما تولت زوجته "سميحة دحروج" المسؤولية عنه وترقى هو ليكون رئيس قطاع القنوات المتخصصة ورئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون بعد ذلك.

لقد كانت "النيل للأخبار" قصيرة العمر، فلم يستمر نجاحها مع القيادات التي خلفت "حامد" و"دحروج"، وقد تنقل محمود حسين مراسلاً لبعض القنوات قبل أن يستقر به المطاف مراسلا من القاهرة في مكتب قناة "الجزيرة"، ولا يمكن في كل هذه التنقلات حسابه إلا على المهنة، التي يجيدها وقد أخلص لها فبادلته حبا بحب، لكن أنظمة القمع والاستبداد، ترى أن الصحافة في حد ذاتها جريمة، وممارستها بجدية قرينة ترقى لمستوى الدليل على ارتكاب جناية تكدير صفو هذه الأنظمة وإزعاج السلطات، ولهذا فلا يعجب المرء إذا وجد عقوبة منصوص عليها في قانون العقوبات على جريمة الصياح!

بيد أن محمود حسين لم يمارس هذه الجريمة، وعندما انتقل للدوحة لأعرفه من قريب، واكتشف الجانب الإنساني فيه، كان عمله في قناة الجزيرة بعيدا عن الملف المصري، فسافر لأنقرة لتغطية أحداث الانقلاب، وسافر إلى تونس لتغطية الانتخابات، وعمله في غرفة الأخبار كان بعيدا عن كل ما له علاقة بمصر، أو يمكن أن يكون مبررا لقيام النظام العسكري في المحروسة باختطافه، واختطاف شقيقيه معه، ومن المضحك وشر البلية ما يضحك، أنه حكى لي في المقهى الذي كنا نلتقي فيه بالدوحة كيف أن أحدهما مؤيد للسيسي، وكان في الحزب الوطني قبل الثورة، وعندما علمت بالقبض عليه بذات الاتهام الموجه لمحمود، قلت إن السيسي كأس ودائر، كما أن الموت كأس وكل الناس شاربه!

ما علينا، فلم يكن محمود حسين مطلوبا على ذمة أي قضية، ولم ينقطع عن زيارة مصر، منذ قدومه للدوحة بعد إغلاق مكتب القاهرة، ومع ذلك فعندما أخبرني أنه مسافر للقاهرة، طلبت منه أن ينتظر حتى ينقشع الغبار، فمن الواضح أن السيسي من جراء توقف الرز الخليجي (فحتى الإمارات لم تعد تدفع له)، في حالة تخبط، تجعله يتصرف خارج التوقعات، ثم إن أحمد موسى قال مؤخرا ما فهمته أنه توجيه أمني، بأن كل من يعملون في الجزيرة ينبغي أن يعاقبوا بدون اختلاق أعذار بأن هذا يعمل في الرياضة أو ذاك يعمل في الفن!

قال محمود ردا على طلبي إنه لا يريد أن يضع حاجزا نفسيا دون عودته لمصر، فلو أجل السفر وترك نفسه للخوف أن يتمكن منه، فقد لا يسافر أبدا!

ربما كان يجول في نفس محمود أمام تحذيري بأنه مختلف عنا، فهو لا يصنف على أنه معارض للانقلاب، وليست له انتماءات سياسية أو حزبية، وقبل ثورة يناير كان مندوبا لقناة النيل للأخبار في رئاسة الجمهورية، حيث لا يسمح بذلك إلا بعد موافقة جميع الأجهزة الأمنية ما ظهر منها وما بطن، وهنا تعتمد الشبهات، ولا يُسمح لمن حوله أي شبهة أن يكون قريبا من الرئيس ويحمل تصريح يُسمح له بمقتضاه دخول مبنى الرئاسة. 

لقد تم إيقاف محمود حسين في المطار هذه المرة حوالي أربع وعشرين ساعة، ثم سحبوا جواز سفره وسمحوا له بدخول البلاد، وهو تصرف دال على أنه ليس مطلوبا على ذمة أي قضية، وعندما يتم اعتقاله بعد ثلاثة أيام فإن هذا دليل على أنه يتم خلالها تصنيع أدلة الاتهام!

لقد روجوا بأن محمود حسين اعترف بالجرائم المنسوبة إليه، واعترف على آخرين يعملون في الجزيرة، في محاولة لإثارة الفزع إذا عرضوا هذه الاعترافات للرأي العام، ونحن نعرف "محمود" ونعرفهم، ولا نستبعد أن يظهر عبر شاشات قنواتهم التلفزيونية ويعترف بأنه من قتل السادات وخان أحمد عرابي في التل الكبير، فهذا ليس دليلا على أنه مذنب إنما أكبر دليل على أنهم مجرمون، وإجرامهم عُرف منهم بالضرورة.

صباح الخير يا محمود، دعك من كل الإجرام الذي يحيط بك، وأجبني عن سؤالي المتكرر لك: دوام اليوم.. أم مقهى؟!

إذن فلنلتقي في مقهى الهنود.