مقالات مختارة

الحرب الاقتصادية في تركيا

1300x600
بعد أحداث الإرهاب التي جرت خلال السنوات الأخيرة، ومحاولة الانقلاب الفاشلة، يجري الحديث في تركيا خلال هذه الآونة عن حرب اقتصادية تستهدف البلاد.

تقول الحكومة ورئيس الجمهورية التركية، رجب طيب أردوغان، إن الإرادة السياسية التي سعوا لتركيعها من خلال إرهاب منظمة "بي كا كا"، وداعش، والمحاولة الانقلابية بواسطة القضاء في 17/25 ديسمبر 2013، والمحاولة الانقلابية في 15 يوليو ، يعملون الآن على تركيعها عبر التسبب بأزمة اقتصادية.

هل هناك انكماش في الاقتصاد؟

اجتمعت خلال الأسبوع الماضي مع عدد من رجال الأعمال الذين يعملون في مجال الأسواق المحلية والخارجية. واطلعت على آرائهم ووجهات نظرهم حيال موضوع وجود أزمة اقتصادية. في الواقع، هناك حالة من الركود الشديد والانكماش في الاقتصاد المعني. عالم الأعمال يقول إن حالة الركود والانكماش زادت خاصة بعد ارتفاع الدولار الأمريكي مقابل الليرة التركية.

جميع خبراء الاقتصاد الذين تحدثت إليهم يؤكدون وجود أزمة اقتصادية خطيرة في السوق العالمية، وأن هذه الأزمة تؤثر أيضا على تركيا. إلا أنهم يتحدثون أيضا عن وجود تأثيرات كبيرة على الاقتصاد التركي، جراء الأحداث الداخلية التي شهدتها.

تأثير ذلك على الاقتصاد من المناسبات الاجتماعية

يجري تقييم أحداث "كزي بارك" (تقسيم) في إسطنبول التي بدأت عام 2013 على أنها أول تدخل مبطن يستهدف الإرادة السياسية في تركيا والاقتصاد. في ذلك الوقت، خسرت الشركة في تركيا 30 بالمئة من قيمة أسهمها، وارتفعت قيمة التضخم من 6 إلى 8 بالمئة، وخرجت من البلاد نحو 8 مليارات دولار من رأس المال الأجنبي، وارتفعت أسعار الفائدة، وارتفعت قيمة الدولار الأمريكي مقابل الليرة التركية من 1.8 إلى 1.91.

ومنذ ذلك اليوم، واصلت الاضطرابات الداخلية والعمليات الإرهابية والأزمات الدولية التأثير على تركيا، حيث احتلت منظمة "بي كا كا" الإرهابية بعض الشوارع في بعض المدن، ونفذت عمليات انتحارية، فيما ارتكب تنظيم "داعش" الإرهابي مجازر دموية. وأخيرا، كان التدخل الأكبر من خلال المحاولة الانقلابية الفاشلة في 15 يوليو 2016. في جميع تلك العمليات وصلت أعداد الأشخاص الذين فقدوا أرواحهم ما يقرب من ألف شخص.

خلقت تلك الأحداث وأحداث أخرى، مثل أزمة إسقاط الطائرة الروسية، وأزمة العضوية في الاتحاد الأوروبي، والأزمة السورية، والأزمة مع الولايات المتحدة، آثار خطيرة ألقت بظلالها على تركيا.

ورغم جميع هذه الأحداث والأزمات، صمد الرئيس أردوغان، وحكومة حزب العدالة والتنمية، ولم تتمكن تلك الأزمات من والإطاحة بهم.

النضال الوطني ضد الأزمة الاقتصادية

الأوساط السياسية في تركيا تتحدث الآن عن محاولة انقلابية جديدة تستهدف الحكومة، التي لم تتمكن الأزمات الماضية من إسقاطها، وذلك عن طريق سعر صرف العملة الأجنبية، والمستثمرين الأجانب، ووكالات التصنيف الائتماني.

بالنظر إلى ارتفاع قيمة الدولار أمام الليرة التركية، نرى أن الوضع وصل بالفعل إلى مستويات خطيرة. عندما بدأت الأحداث عام 2013 كانت قيمة الليرة التركية مقابل الدولار 1.80. أمّا اليوم، فقيمة الليرة أمام الدولار 3.50 ليرة تركية؛ لذا فإن المقترضين بالدولار والمورّدين والعاملين في مجال التجارة يخوضون محنة كبيرة.

لذلك، طالب الرئيس أردوغان الشعب بصرف ما يملكونه من الدولار إلى الليرة التركية أو الذهب، وقد تحولت هذه الدعوة في الوقت الحاضر إلى حملة وطنية. الجميع يشجع المواطنين على أن يستبدلوا بما يملكونه من دولارات ليرات تركية، ويقدم بعض التجار عروضا مثل "من يصرف مبلغ 500 دولار أمريكي إلى الليرة التركية يحصل على وجبة مجانية أو تذاكر سفر مجانية".

إن رئيس الجمهورية عازم على خوض حملة وطنية من أجل تنظيم الاقتصاد، إلا أن توجه الشعب إلى مكاتب الصرافة لتبديل ما بحوزتهم من دولارات لا يكفي لإصلاح الاقتصاد. لذلك، عقدت الحكومة العديد من الاجتماعات الطارئة، واتخذت العديد من القرارات ذات الصلة.

وهكذا، فإن الاتفاقيات الخاصة بالاستثمارات التي تطلقها الدولة ستبرم من الآن فصاعدا بالليرة التركية. كما عرضت الحكومة على أهم الشركاء التجاريين روسيا والصين، إجراء التعاملات التجارية الثنائية بالعملة الوطنية. إضافة إلى جملة مشاريع تهدف لتشجيع المستثمرين الأجانب، وتبحث عن أسواق جديدة.

وبطبيعة الحال، فقد رفعت أسعار مجموعة متنوعة من المنتجات، ولسوء الحظ، فإن الشعب بات مضطرا لدفع المزيد من المال لقاء قضاء احتياجاته.

أردوغان: الأزمة لم تؤثر علينا

الذين يقولون إن الأزمة الاقتصادية مصطنعة ويتم تضخيمها بتدخلّ خارجي، يشددون على قوة الاقتصاد والبنية التحتية وقدرة الشعب على المقاومة، وقدرة البلاد على تجاوز الأزمة.

وكان الرئيس أردوغان قال عام 2007 إن الأزمة الاقتصادية العالمية لم تلقي بظلالها على تركيا، وإن البلاد لن تتأثر بها. في ذلك الوقت لم يكن أحد يصدق ذلك لكن صدق أردوغان في النهاية.

أردوغان جدد ذلك التصريح خلال الأسبوع الماضي، وقال: إن الأزمة الاقتصادية لن تلقي بظلالها على بلادنا.

جميع المتضررين اقتصاديا في تركيا، يركزون اليوم على حيثيات هذه الحرب. وبطبيعة الحال الجميع يريد أن يكون أردوغان في هذه المرة على حق.

الحكومة تعلم أن الأزمة الاقتصادية التي تؤثر على الشعب، قد تتسبب بأزمة سياسية كبيرة، لأن الانتخابات الماضية أظهرت أن الشعب يعاقب الحزب الحاكم بشدة إذا ما تعرض لأزمة اقتصادية.