كتاب عربي 21

الحرية الدينية وخطر الانتكاسة والبلقنة

1300x600
عندما نظم سعد الدين إبراهيم -بصفته رئيس "مركز بن خلدون"- في سنة 1994 مؤتمره الشهير عن "حقوق الأقليات في الوطن العربي" تعرض يومها لهجوم عنيف من قبل أطراف وشخصيات عديدة من أنظمة حكم مثل السودان والجزائر ولبنان والعراق التي تحفظت على البحث في مشاكل الجنوبيين والبربر والأرمن والأكراد فيها، في مؤتمر في القاهرة، وقوميين وإسلاميين قاطعوا هذه المبادرة واعتبروها عملا مشبوها، ومن بينهم المرحوم محمد حسنين هيكل. وبقطع النظر عن خلفيات تلك المبادرة والعاصفة التي فجرتها، إلا أن ما يجري حاليا بعد 22 عاما من ذلك قد كشف بوضوح مؤلم أن التعددية الدينية والعرقية والثقافية التي ميزت تاريخيا العالم العربي أصبحت مهددة فعليا، وأن خطر التحول إلى كانتونات طائفية لم يعد مجرد فرضية يحاول البعض أن يوظفها لتحقيق مصالح ظرفية.

أصبحت الحرية الدينية مهددة بشكل مباشر. ولهذا السبب تعددت المؤتمرات والمبادرات من أجل تطويق هذا الخطر الذي يحيط بمنطقة شهدت ميلاد الأديان الإبراهيمية، وكادت أن يترسخ بين شعوبها نمط من التعايش وإن لم يخل من تقلبات قاسية انعكست سلبا على هذه الأقلية أو تلك.

مع المنعرج الخطير الذي أحدثه صعود تنظيم "داعش" الذي يسعى منذ ثلاث سنوات إلى التحول من جماعة إلى "دولة خلافة"، بدا واضحا أن شعوب المنطقة لم تكن موحدة بالقدر الذي كان يبدو من قبل. فخلافات الماضي والحسابات السياسية لهذا الطرف أو ذاك لم يدفنا نهائيا مع تعاقب السنوات والقرون رغم التقدم النسبي الذي سجل في معظم الدول التي انخرطت في الغالب ضمن العالم الجديد، وإن كان بنسب متفاوتة.

من هذه الخطوات التي تحققت منذ القرن الماضي قيام الدولة الوطنية في كل بلد من بلدان المنطقة. ورغم استمرار الجدل حول هذه الدولة من حيث مشروعيتها بحكم كونها كانت في بعض الحالات وليس في جميعها، نتيجة التقسيم الذي عرف ب، غلا أن ضعف هذه الدولة خلال هذه المرحلة وأحيانا انهيارها، قد فتح باب جهنم على الجميع وخاصة على الأقليات بمختلف مكوناتها.

فعند الاطلاع على سبيل المثال على قسم الفتاوى التابع لهيئة الشام الإسلامية التي تأسست ضمن الحرب المفتوحة في سوريا، ورغم اختلافها وتناقضها الصريح مع تنظيم داعش، إلا أن الهيئة وجدت نفسها تعيد إنتاج الفقه القديم لتحدد موقفها من مسائل يفترض في كونها قد حسمت تاريخيا.

ففي ردها عن سؤال يتعلق بحكمُ النّصارى في بلاد المسلمين وخاصّة بلاد الشّام؟ هل دماؤهم وأموالهم معصومة؟ وما حكم تهجيرِهم خارجَ البلاد؟ وكيف تكون معاملتُهم؟.

التزم القائمون على الفتوى بالحكم الشائع في الفقه الإسلامي القائل بوجوب ضمان حقوق المسيحيين، لكن بلغة قديمة دون الأخذ بعين الاعتبار المتغيرات التي حصلت في الثقافة القانونية والسياسية منذ قيام الدولة الوطنية. فهم وصفوا بالنصارى وليس بالمسيحيين، ولم يطلق عليهم مواطنون باعتبارهم جزء لا يتجزأ من الشعب السوري. ثم اعتبروا " كفارا "، حيث ورد بالفتوى أن " غير المحاربين مِن الكفّارِ ينقسمون إلى ثلاثةُ أقسام أهلُ هدنة، وأهلُ أمان، وأهلُ ذِمّة".

ومصطلح أهل الذمة يعود بنا إلى قرون خلت، وإلى سياق تاريخي مختلف، مما يجعله مصطلحا سلبيا ومتعارضا مع حقوق المواطنة ومع وحدة الشعب والأمة. لهذا عندما قاموا بتعريف  "أهلُ الذِّمَّة " اعتبروا أنهم " الكفّارُ مِن أهل الدّيار الإسلاميّة، وقام بينهم وبين المسلمين عقد يستوجب عصمةَ دمائهم وأموالهم وأعراضهم، ووجوبَ حمايتهم، مقابلَ خضوعِهم لسُلطان الدّولة، ودفعِ الجزية ".

ورغم أن أصحاب الفتوى لفتوا النظر إلى أنهم يقصدون بالذِّمّة "أهل العَهدُ والأمانُ والـحـُرمة"، وبالتالي هم غير مؤيدين الجرائم التي يرتكبها الدواعش ضد السوريين من المسيحيين، إلا اللغة المستعملة تعتبر ملغومة|، وتعيد إحياء صورا قديمة تخطتها التجارب السياسية العربية الحديثة بمسافات.

هذه اللغة تحمل ضمنيا نوعا من القطيعة المعرفية مع اللحظة التاريخية الراهنة، وبدل أن يصبح الصراع المسلح في سوريا ضد استبداد الدولة ورموزها، فإنه بهذا الخطاب يتم إلغاء الدولة، ويستبطن سعيا نحو بناء حالة سياسية مغايرة قائمة على استعمال السلاح ولا تستند على تراكم التجربة المعرفية والسياسية المعاصرة مع العمل على إصلاحها ودعمها. 

يبدو أن جزء هاما ممن يطلق عليهم بـ"الإسلاميين" حاملي السلاح في سوريا، وأيضا في غيرها من الشرق العربي لم يدركوا الخيط الفاصل بين إصلاح الدولة وهدمها، أي بين الثورة على نظام الحكم وبين الثورة ضد الدولة. كما أن تلك الصيحة التي شقت الفضاء في الأربعينات من القرن الماضي من داخل مصر "مواطنون لا رعايا" لم تستوعب حتى الآن من قبل البعض. فالمرشد العام للإخوان المسلمين - فرج الله كربه -بقي مصرا إلى آخر لحظة قبل اعتقاله وربما حتى الآن على الدعوة غلى حرمان المواطن القبطي من حقه في تولي رئاسة الدولة بسبب كونه غير مسلم.

الثورة لا تتحقق بخطاب ارتدادي في الزمن وفي المضمون، لأنها بدل أن تكون خطوة نحو الأفضل، تصبح في النهاية انتكاسة إلى الأسوأ، وبذلك تفتح المجال واسعا أمام الاقتتال الأهلي وتفتيت الجسم الواحد وتدل الأجنبي، وربما استعانة ابن الوطن الواحد بالأجنبي لحماية نفسه وحقوقه. ما يجري أمر خطير، ولهذا السبب اعتبر الإسلام أن الفتنة أشد من القتل.