قضايا وآراء

السياسة الفلسطينية سيرورة وصيرورة: قراءة في حركة "حماس"

1300x600
ستكون القراءة في هذه المرة عن "حماس". المصطلح الذي سأستخدمه للدلالة عليها هو مصطلح الحركة، وذلك للإشارة إليها في جميع مراحلها التي ستتناولها القراءة. مرّت الحركة بمراحل عدة، لكل مرحلة منها سمة تميزها.

المرحلة الأولى: وهي تلك التي تمتد من عام 1967 – 1987م.

السمة التي اتسمت بها الحركة في هذه المرحلة، هي سمة الدعوة. وقد أخذت الدعوة صورا وأشكالا عديدة لا مجال لتعدادها هنا. ما ميز مرحلة الدعوة أيضاً، أنها خلت من الاسم الذي أطلقته الحركة على نفسها لاحقا، وهو "حركة المقاومة الإسلامية حماس"، وظهرت تحت مسميات عدة، ولا يعني أن هذه المرحلة لم تشتمل على بعض أعمال المقاومة كخلية مسلحة هنا، أو مشاركة في مظاهرة هناك، ولكن ذلك لم يكن سياسة متبعة أو منتهجة. كما أن هذه المرحلة، شهدت لونا من المشاركة السياسية، كالمشاركة في الانتخابات الجامعية، وتندرج المشاركة الانتخابية في مفهوم المشاركة السياسية بمعناه الواسع. لكن مع كل ذلك، فإن الطابع العام الذي طبع الحركة هو طابع الدعوة، أو سمة الدعوة كما ذكرنا.

المرحلة الثانية: وهي التي تمتد ما بين 1987 – 2006 وقد اتسمت الحركة فيها بسمة الثورة أو العمل الثوري، أو الانتفاضة، أو العمل المسلح.

لم تتخلّ الحركة في هذه الفترة عن سمتها الدعوية، بل استمرت فيها، وأصبح العمل الثوري في هذه المرحلة جزءاً من عملها الدعوي، فقد كان وسيلة لبروز الحركة وتمددها وكسبها فئات اجتماعية جديدة، وتوسعها في المشاركة السياسية، التي تعدّت الانتخابات الجامعية إلى النقابية والغرف التجارية واستعدادها لاحقا للمشاركة في الانتخابات البلدية. إذن، فالمراحل لا تعني الخروج من حال إلى حال بقدر ما كان تشابكا بين الأحوال المختلفة وتداخلا، وأصبح الموضوع نوعا من المراكمة العملية للسياسات العامة من الدعوة إلى الثورة... إلخ.

وقد تمثلت هذه المرحلة في أكثر من محطة سنعود إليها لاحقا.

المرحلة الثالثة هي التي تمتد من 2006 حتى اللحظة الراهنة، والتي اتسمت فيها الحركة بسمة السلطة أو الحكومة. لم تتخل الحركة في هذه المرحلة عن سياساتها السابقة، الدعوة، والثورة، وإنما راكمتها مع تصورها الجديد للسلطة، لذا أصبح التداخل بين هذه السياسات الثلاث البارزة قائما كما ذكرت من قبل، وإن ظهرت الحركة في كل مرة تحت عنوان من العناوين التي ذكرت. شكلت الحركة بعد فوزها بالانتخابات الحكومة منفردة، ثم عادت وانخرطت في حكومة وحدة، ثم كان الانقسام، فعادت حكومة منفردة في قطاع غزة في مقابل حكومة في رام الله، وأخيرا عادت الحركة وتخلت عن الحكومة في غزة لصالح حكومة وحدة وطنية مع الضفة، وإن ظلت من الناحية العملية تمارس نوعاً من السلطة هناك. هذا التوصيف التاريخي المحقب، يقودنا إلى سؤال مهم وهو هل توجد استراتيجية (رؤية) تحكم الحركة في مراحلها المختلفة؟؟

في مرحلة الدعوة تكون المشاكل والعقبات محدودة ولكنها موجودة، من نوع الاتهام بالسلبية، ومناهضة الوطنية، والمصادمات الطلابية ... إلخ وهي في النهاية دعوة لا تطرح برنامجا محددا ولا رؤية محددة.

وفي مرحلة الثورة اشتدّ الجدل حول السياسات، والتمثيل، والسباق على الجمهور، والوحدة الوطنية، وتوسعت الصدامات وانتقلت من أروقة الجامعات إلى البلدان والحارات، وذلك نتيجة الاحتكاكات اليومية وتضارب السياسات، إلا أن الأمر ظل في دائرة الممكن والمسيطر عليه. ومرحلة الثورة كما ذكرت لم تكن محطة واحدة بل كانت مراحل، فالتي سبقت قدوم السلطة ليست كالتي جاءت بعد دخولها القرى والمدن والمخيمات. ثمّة متغير جديد أمام الحركة اسمه السلطة الفلسطينية، فهل من سياسة جديدة أو رؤية تحكمها في التعامل مع المتغير الجديد؟؟

بالعودة إلى قراءتنا السابقة في السياسة الفلسطينية، فإن الثنائية التي حكمت سياسة عرفات كانت تقابلها ثنائية حكمت سياسة الحركة، وربما يكون أبرز تعبير سياسي بدأت الحركة في الحديث عنه، ويتمثل في عنوانين: الاستمرار في الانتفاضة والمقاومة، وعدم الاصطدام بالسلطة، فهذا الصدام ليس كالصدامات التي سبقته. عبّرت هذه الثنائية، عما يمكن تسميته بالاجتهاد التوافقي، الذي تمثلته الحركة في تلك الفترة الواقعة ما بين دخول السلطة وحتى اندلاع انتفاضة الأقصى، ويمكن القول إنه مع اندلاع انتفاضة الأقصى أصبحت الحركة على مرحلة أبواب جديدة، ورؤية جديدة، لا تتناقض مع سابقتها ولكنها تمثل خطوة أخرى شعارها شركاء في الدم شركاء في القرار، وهو شعار يحمل في طياته ثنائية المشاركة في الانتفاضة والمشاركة في القرار السياسي الفلسطيني، ولا يتأتى هذا إلا عبر المشاركة السياسية، وفي أحد أهم صورها والمتمثل في الانتخابات العامة، وهو الأمر الذي عزفت عنه الحركة في وقت سابق من مرحلة الثورة، والمتمثل في انتخابات المجلس التشريعي لعام 1996.

 رفعت الحركة شعار "يد تبني ويد تقاوم"، تشارك في الانتخابات وتستمر في المقاومة، وهذه ثنائية الجمع بين السياسة والمقاومة، تبنت ذلك في برنامجها الانتخابي، الذي رفع هذا الشعار.

شاركت الحركة في انتخابات 2006، وحصلت على أغلبية في المجلس التشريعي، واعتبرت أن برنامجها هو برنامج مقاومة، وشكلت الحكومة، وأصبحت السمة التي تتسم بها هي سمة السلطة.

هذه هي المراحل الثلاث التي مرت بها الحركة، وربما هناك مرحلة رابعة وجديدة، قد نكون على أبوابها.

 في كل مرة كانت الأوضاع تزداد تعقيدا، نتيجة التوسع والتداخل، من الحجر والمظاهرة إلى السكين إلى البندقية، إلى العمليات الفدائية، إلى الصواريخ، والكورنيت وغيرها، ومن الدعوة إلى الثورة إلى السلطة. ويبدو أن ممارسة السياسة ( السلطة ) أعقد بكثير من ممارسة السياسة ( المقاومة).

مشكلات أربع باتت تواجه الحركة، كصيرورة سياسية. والمشكلة هنا هي مشكلة بحثية لا علاقة لها بالحب والكره والإيجاب والسلب.

- المشكلة الأولى هي مشكلة الخطاب السياسي المتداخل.

- المشكلة الثانية هي مشكلة الرؤية السياسية التي باتت تلح على تقديم إجابات.

- المشكلة الثالثة هي مشكلة القرار السياسي وكيفية اتخاذه.

- المشكلة الرابعة هي مشكلة القيادة السياسية إلى جانب المتغير الذي طرأ مثل وجود حكومة إلى جانب الحركة.

مشكلة الخطاب السياسي ومن دون الدخول في تعريفات الخطاب، تكمن في تداخل الدعوي مع الثوري مع السلطوي، وربما أثار مثل هذا التداخل جدلا حول المناسب وغير المناسب، المسموح وغير المسموح، وما زال يثير جدلا، إذ نشهد اليوم نماذج تحاول الفصل بين الدعوي والسياسي، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على طبيعة المشكلة (البحثية) ولذا ثمة تساؤلات:

هل يصلح الخطاب الوعظي في المقام السياسي؟؟ وهل يصلح الخطاب القيمي في مقام المكمم؟؟ هل هو خطاب مدروس في كل الأحوال أم قد يكون ارتجاليا أحيانا؟؟ هل هو ذات إستراتيجية معينة أم إنه يختلف تكتيكيا من مكان إلى آخر؟؟ هل هو واقعي أم رغبوي؟؟

وهكذا تطغى الأسئلة حول هذا الموضوع الذي واجه الحركة ولم يحسب نسبياً لأن بعض مظاهره وأسئلته ما زالت برسم الإجابة.

ومن مشكلة الخطاب إلى مشكلة الخطة السياسية المتعلقة بالبرنامج. تطور الرؤية السياسية للحركة أمر ملحوظ ومتابع، ولكنه لم ينته عند نهاية محددة، فالجدل بشأن الرؤية ما زال قائما، صحيح أنها تقبل الهدنة ولا تقبل الاعتراف حتى اللحظة، ولكن ماذا لو واجهت تحديا يتمثل بقيام كل الأطراف في لحظة معينة، بالطلب منها أن تعترف (بإسرائيل) مقابل عودة 67 كاملة وإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس؟ ماذا لو طلب منها هذا وهي على رأس منظمة التحرير؟ هل تستطيع أن تفرض رؤيتها السياسية والمتمثلة بالهدنة لا الاعتراف؟

جدل افتراضي لكن أرضيته النسبية متوفرة، أو توفرت في لحظة وإن لم تكن وصلت إلى الحد الذي ذكرناه.

وتكمن طبيعة القيادة السياسية في طبيعة التوزع الجغرافي، وهو ما يمكن تناوله في إطار تأثير العامل الجغرافي. التوزع الجغرافي يشير إلى تقطع المريحة للعمل، وإلى اختلال التوازن بين أطراف الجسم الواحد، وهو ما يجعل القول بنسبية القيادة أقرب إلى الحقيقة، وأن العامل الأيديولوجي له أثر كبير، في سدّ هذه الثلمة إن جاز التعبير، فالولاء للفكرة يقلل من خسائر السياسة على مستوى الوحدة، كما أن مظاهر القوة: المال والسلاح والإعلام لها تأثير في الميدان، وتفعل فعلها حسب التوزع الجغرافي، لذا فإنه من دون العامل الأيديولوجي يمكن للثورة أن تصبح رهينة أدواتها. وهو موجود نسبياً وظاهر ولا يمكن إنكاره.

 ويبدو أنه بحكم المقولة التفسيرية التي مفادها أن "الطبيعة تكره الفراغ" حاصل رغم تحفظي على مادية العبارة، إلا أنها تفسر الحالة السائدة والتي يمكن تفسيرها أيضاً وفق قانون الاستعمال والإهمال، وهذا ينعكس على المشكلة الرابعة وهي مشكلة القرار السياسي، والقرار وفق كل ما سبق سيكون نسبيا بالضرورة.

 تضاد السياسات بين الحركة وفتح كل في إطاره وسياقه، قاد إلى انقسام منذ العام 2007 وحتى اللحظة، أتبعه حصار على قطاع غزة، ما زال مستمرا، وتشتد ضراوته يوما بعد يوم. ثمّة سؤالان برسم الإجابة وهما سؤالا الانقسام والحصار، هل يمكن أن تنتقل الحركة من موقعها الذي تؤمن به وتنافح عنه وتطور من قدراتها في سبيل تحقيقه إلى الموقع الآخر؟؟

ذكرت سابقا أن الحركة ترشحت وفق برنامج خاص بها فازت على أساسه، شعاره يد تبني ويد تقاوم، وذكرت أيضا في مقال سابق، أن رئيس السلطة محمود عباس ترشح أيضا وفق برنامح خاص به خلاصته السعي لحل سلمي غير عنفي. وقد صرّح أخيراً من القاهرة، أنه مستعد لحكومة وحدة مع حماس بشرط التزامها ببرنامج منظمة التحرير. المشكلة قائمة ومستمرة حيال طبيعة الرؤية السياسية لدى الطرفين، فالحركة لا تستطيع الانتقال من رؤيتها المتمركزة حول الهدنة لا الاعتراف إلى سياسة منظمة التحرير، التي اعترفت بإسرائيل من دون قيام الدولة على الأرض، وهو التحدي الذي يواجه رؤية الحركة فيما لو تحقق، وهو لم يتحقق بعد. وباعتقادي أن سؤال الحصار مربوط بسؤال الانقسام، لذا، فإن الأمر مرشح إلى الاستمرار إلى حين لا يعلم مداه إلى الله.

الحركة في عالم متغير: كل ما ذكرته لا يكون مستوفياً البحث من دون الحديث عن المتغير الجديد الذي طرأ في الدول العربية، المتمثل في ثورات الربيع العربي، هذا العامل الجديد غيّر قواعد اللعبة الإقليمية، فباعد بين أطراف وقرّب بين أخرى، غيّر وبدل في السياسات والتحالفات، فازدادت الأوضاع تعقيداً وانهارت دول، ومعها اشتد الحصار على قطاع غزة، وفقدت الحركة حلفاء وزاد عدد الأعداء. وعند هذه النقطة لا أقول إن الحركة تقف عند مفترق طرق، بل القضية برمتها، (فإسرائيل) تشن هجومها بصورة مزدوجة، وتسعى للتخلص من طرفيها على حدّ سواء. والمقصود أنها تعمل جاهدة لكي تتخلص من العنصر السياسي الفلسطيني في أي تسوية قائمة. فاليمين الحاكم والمتوقع أن يستمر في الحكم يرى الحل مع الدول العربية لا مع الفلسطينيين، أما القضية الفلسطينية فهي قضية إنسانية وليست سياسية، والفلسطينيون يستحقون التسهيلات لا التنازلات.

إن سياسة فلسطينية موحدة على برنامج موحد يمكن أن تقلب الطاولة ولكنها في ضوء المعطيات الراهنة أمر بعيد المنال. وهو ما يشجع (إسرائيل) على المضي قدما في سياستها. قد يستمر الوضع الراهن إلى حين، ولكن لكل أجل كتاب، ولكل أمة أجل، ودوام الحال من المحال. وفي الأثناء ستظل إسرائيل تزاوج بين تشديد الحصار والعمل العسكري ضد غزة، على أمل تذويب الحالة القائمة في غزة على محور الزمن، وفي الوقت نفسه تجميد الاستيطان وتجميد العملية السليمة ودفع الحالة القائمة في الضفة إلى التآكل على محور الزمن أيضا، والنتيجة التي ذكرتها من قبل تغييب العنصر السياسي الفلسطيني والحل مع الدول العربية ضمن تمحور جديد.