ملفات وتقارير

ظاهرة "الشرعيين" ماذا جنت على الثورة السورية؟

مقاتلو المعارضة السورية يحتكمون إلى الشرعيين في أمور الدين والمعاملات (أرشيفية)- أ ف ب
كتب الناشط السوري صالح الحموي، صاحب حساب "أس الصراع في الشام" على "تويتر" في تغريدة له في العشرين من الشهر الجاري، قال فيها: "ثورة الشام تحولت إلى ساحة أمراء حرب بفضل الشرعيين والمنظرين وأمراء السوء، فهل سيوصلونا لمرحلة نطالب بشنق آخر أمير بأمعاء أخر شرعي أو منظر؟".

تعكس تغريدة الحموي القيادي السابق في جبهة النصرة، التي قامت بفصله في وقت سابق من العام الماضي على خلفية كتاباته ومواقفه النقدية، مدى الاستياء من أداء "الشرعيين والمنظرين وأمراء السوء"، على حد قوله.

وفي السياق ذاته، انتقد الإعلامي السوري، مدير مكتب الجزيرة في باكستان، أحمد موفق زيدان، أداء الكثيرين من "شيوخ الثورة السورية"، لأنهم "يكررون تجارب شيوخ البعث، بتزيين مواقف فصيلهم، وشيطنة الآخر". 

وجاء انتقاد زيدان على خلفية "ما جرى ويجري في الغوطة الشرقية وغيرها" مؤخرا، من الاقتتال بين الفصائل السورية، موجها نقده اللاذع لشرعيي تلك الفصائل، بسبب "ضياع البوصلة عند هؤلاء الشرعيين للأسف".

وأضاف زيدان في مقال خصصه للحديث عن أخطاء شيوخ الثورة السورية وتجاوزاتهم، أن بعضهم "راح يُشرّق ويُغرب بالتهم التي لم يكن لها أن تُكال لإبناء الشوارع فضلا عن أن تكال لثوار مجاهدين، إما لقلة العلم أو لقلة فهم الواقع، أو لكليهما"، بحسب زيدان.

وسلط زيدان الضوء على أداء بعضي شرعيي الفصائل، الذين يجهد الواحد منهم "في إثبات صحة مواقف فصيله، ويوالي ويعادي على أساسه، وفي المقابل يشنع على مواقف الآخرين ويعتبرها غلوا وإرجاء، ومغالاة وكفرا، أو موالاة لأعداء الله"، لافتا إلى أن كثيرا من الخلافات بين الفصائل ترجع إلى أسباب سياسية، ولا علاقة لها بالكفر والإسلام.
  
فمن هم أولئك الشرعيون؟ وما هي مواصفات ومعايير إطلاق وصف "الشرعي" بحسب السائد بين الفصائل السورية؟ ومن هي الجهة التي تقوم بتعينهم وإجازتهم لتولي تلك المهام الشرعية؟ وكيف يمكن تقييم أداء أولئك "الشرعيين" من حيث مآلات فتاويهم وتوجيهاتهم ومواقفهم الشرعية وما أحدثته في صفوف الفصائل المختلفة؟

من هم الشرعيون؟ وما هي مهماتهم؟

أوضح الناشط والباحث السوري، حسن الدغيم أبو بكر، أن المقصود بالشرعيين هم الذين يضطلعون بمهام الواجبات الشرعية مثل الفتوى والقضاء والدعوة والإرشاد والتعليم الديني، لافتا إلى أن وجودهم بين الفصائل السورية أمر مطلوب وطبيعي، لما لهذه الجوانب من أهمية بالغة في ترشيد الثورة، وإشاعة الأخلاق الحميدة، وفض المنازعات بين فصائلها وعموم أبناء الشعب السوري المقيمين في المناطق المحررة.

وأضاف الدغيم في حديثه لـ"عربي21" بما أن غالب الفصائل السورية ذات توجهات إسلامية، فمن الطبيعي أن توكل الجوانب الشرعية المختلفة لأهل الاختصاص والخبرة من أهل العلم الشرعي، ليقوموا بواجباتهم الدعوية والإفتائية والإرشادية والقضائية.

ولفت الدغيم إلى أن الفصائل السورية تقوم بتعيين شرعيين من المتواجدين في صفوفها للقيام بتلك المهام والمسؤوليات، وهو ما أوجد ظاهرة انحياز "الشرعيين" في غالب الأحوال إلى فصائلهم، وتولي الدفاع عنها، وانتقاد الفصائل الأخرى.

وجوابا عن مدى أهلية أولئك الشرعيين لأداء تلك المهام، أشار الدغيم إلى أن كثيرا من العلماء والفقهاء وطلبة العلم المتمكنين، غادروا بسبب الحرب إلى خارج سوريا، وكثير ممن بقي هنالك ليسوا مؤهلين تأهيلا شرعيا كاملا، وهو ما أوقعهم في أخطاء كبيرة في الفتاوى، خاصة في الدماء والأموال العامة والخاصة، وتحديد طبيعة العلاقة بين الفصائل المختلفة. 

ووفقا لملاحظة الدغيم، فإن ضحالة العلم الشرعي عند كثير من أولئك الشرعيين، والتعصب لأفكار واتجاهات ومدارس معينة، ومحاولة فرض تلك الأفكار والتصورات على الآخرين باعتبارها الفهم الشرعي الصحيح، أوجد حالة قلقة ومضطربة في المناطق المحررة بخصوص الممارسة الدينية من قبل بعض الفصائل تبعا لتوجيهات ومواقف شرعييها.

وانتقد الدغيم أداء كثير من الشرعيين، بسبب "تخندقهم" وانحيازهم للفصائل التي ينتمون إليها، لافتا إلى أن العالم أو الداعية ينبغي أن يستعلي على تلك الانتماءات الضيقة بمختلف صورها، ليكون أبا وموجها للجميع، وليس لفصيل بعينه.

مهمة خطيرة وأخطاء جسيمة

تتبدى خطورة القيام بمهام "الشرعي" الذي يتولى إصدار الفتاوى الشرعية، والفصل في الخصومات والمنازعات، وإنزال الأحكام الشرعية على وقائع عينية محددة، بما يترتب على تلك الفتاوى والأحكام القضائية، من استحلال الدماء المعصومة، بتكفير المخالفين، وتطبيق حد الردة عليهم، ومن ثم هدر حقوقهم والاستيلاء على ممتلكاتهم.

فكيف يمكن تقييم أداء "الشرعيين" على اختلاف توجهاتهم وانتماءاتهم "الفصائلية؟".

أجاب الباحث السعودي، المتابع لشؤون الفصائل السورية، موسى الغنامي، بأن "الشرعيين" في الثورة السورية ليسوا على مستوى واحد من حيث الأداء، بل على مستويات عدة.

وتابع: "فمنهم المؤصل شرعيا الذي يراعي مصلحة الشعب، ومنهم من هو دون ذلك، ولكنه لا يقحم نفسه في المسائل التي لا يجيدها، ومنهم الجاهل الذي يتقحم عظائم المسائل فتجده يحكم على أديان الناس، وكأنه يقسمهم إلى الجنة والنار".
 
وأوضح لـ"عربي21" أن النوعين الأولين كما يوجدان بكثرة، فإن النوع الثالث كذلك يوجد بكثرة وللأسف، وإن كثيرا منهم يسانده فصيله، ويوفر له منبرا إعلاميا ليمارس جهله على العلن.

من جهته، أرجع الكاتب والباحث المصري، المهتم بالشأن السوري، طارق عبد الحليم ظهور مصطلح "الشرعيين" إلى "سرعة تطور الأحداث التي ولدت الحاجة لذلك المقام"، لافتا إلى أن من يشغله "يجب أن يكون صاحب علم وتجربة، وخبرة سواء أكاديميا أو واقعيا". 

وجوابا عن سؤال "عربي 21" حول تأثير "الشرعيين" في الساحة السورية، قال عبد الحليم: "أما عن تأثير هؤلاء في الساحة، فلا شك أن الكثيرين منهم وُضعوا في هذا المنصب وهم شادون في العلم، صغار في السن، فكانت اجتهاداتهم ليست في محلها، وإن كان قليلون منهم من أصحاب العلم يقودون الفصائل والجبهات من الناحية الشرعية". 

وأضاف عبد الحليم أن "منهم مع الأسف من هم متعصبون متحيزون، لا فقه لهم بالواقع، مع انحراف في المذهب العقدي والولاءات".

ووفقا للباحث والناشط السوري الدغيم، فإن "ظاهرة الشرعيين كما هي على حالتها الراهنة في الساحة السورية، لم تكن ظاهرة إيجابية، ولم تكن خادمة للثورة السورية، بل كانت عبئا عليها، ومكدرة لصفوها".

ودعا الدغيم إلى ضرورة ترشيد "ظاهرة الشرعيين"، بإخراجهم من حيز "الفصائلية" الضيقة، إلى رحابة الثورة السورية، بتشكيل روابط وهيئات علمية ودعوية مستقلة عن الفصائل، تكون خادمة لجميع أبناء الشعب السوري، ورافعة للثورة بتحقيق هدفها المتمثل بإسقاط النظام، وإقامة دولة العدل والحرية والكرامة.