مقالات مختارة

اليونان ومصر .. وكيفية التعامل مع الأزمة؟!

1300x600
اليونان أقرب بلدان أوروبا جنوب المتوسط لمصر، وبين البلدين علاقات جيدة، وفي القديم تعرضت مصر لاحتلال يوناني لفترة من الزمن، وتتشابه بعض ظروف البلدين في مرورهما بأزمة مالية واقتصادية شديدة الوطأة، وإن كانت وصلت باليونان لحدود الإفلاس لولا خطط الإنقاذ من الترويكا " الاتحاد الأوروبي، والبنك المركزي الأوروبي، وصندوق النقد الدولي"، التي وضعت برامج إنعاش بمليارات اليوروهات مقابل شروط تقشفية قاسية.

اليونان تعالج أزمتها بالديمقراطية، عبر الاحتكام للشعب، وإعلان رأيه في طرق الخروج منها، ومدى تقبله للشروط والخطط التقشفية التي تستقطع من دخوله ومعاشاته التقاعدية، وتفرض عليه ضرائب جديدة، وتقلص دعم الخدمات، وتبيع ممتلكات وشركات حكومية، فليس هناك إنقاذ لوجه الله، إنما يقابله إجراءات صعبة تنعكس على حياة وأوضاع المواطنين، الأزمة لها تكاليف، وعلى الجميع تحمل نصيبهم فيها، لكن الجميع لن يكونوا متساوين في هذا النصيب، لأنهم بطبيعة الحال مختلفين في مستويات الدخول، وفي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والمعيشية، ومشكلة مصر أنه لا توجد خريطة واضحة ومحددة تصنف المصريين في فئات ودرجات يتقرر على أساسها نسبة التكاليف العادلة التي يجب أن يتحملها كل فرد داخل فئته الاجتماعية، حتى اليوم ليس هناك رؤية ولا خطة واضحة لمن يستحق الدعم كليا أو جزئيا، ومن لا يستحقه من الأصل، كما لا توجد قيم أخلاقية تجعل غير المحتاج لدعم الدولة يرفض من نفسه ما يتحصل عليه من خدمات مدعومة، تجد الناس تتكالب على الدعم حتى لو كان رمزيا، وتجد بينهم من لا يستحق جنيها واحدا من الدعم لأن هناك عشوائية حكومية مزمنة، وهناك سوء توزيع في الدخل القومي، وهناك نهب وفساد وإثراء غير مشروع، ومحسوبية وعدم مساواة، وهناك في عز الأزمة تدليل لفئات وظيفية معينة برفع دخولهم بنسب كبيرة، وتوفير مختلف الخدمات لهم، فيعيشون بلا قلق، ولذلك يتجه الناس إلى محاولة الاستفادة من أي شيء تصل إليه أياديهم من الدولة التي لاتوزع الدخل بعدالة، ولا توزع الوظائف بالكفاءة، التي تتنعم فئة محدودة جدا فيها بالمزايا والسلطة والنفوذ.

حكومة اليونان المنتخبة التي يقودها حزب سيريزا اليساري الراديكالي، تم تفويضه من المواطنين منذ فوزه في 25 يناير 2015 ليقود البلاد في مواجهة أزمة الإفلاس بخطة تدعم المواطنين، ولا تتركهم نهبا لشروط الدائنين، لم يشأ هذا الحزب مع اتساع الخلافات مع الدائنين، واضطراره للخضوع لشروطهم، وخذلان ناخبيه وعموم المواطنين أن يكون هو وحده صاحب القرار، فلجأ إلى عرض خطة التقشف على الاستفتاء، وقد رفضها الشعب، كذلك لم يشأ أن يظل يحكم ويتخذ قرارات صعبة من نفسه بعد تباين وجهات النظر داخل الحزب تجاه خطة التقشف، فاتجه إلى إعادة التفويض للشعب ليختار مجددا من يقود البلاد، ويمنحه تفويضا جديدا، فدعا لانتخابات مبكرة في 20 أغسطس 2015، وجرت الانتخابات بعد شهر واحد فقط، وفاز بها سيريزا أيضا مستعيدا ثقة المواطنين لإدارة الأزمة والمفاوضات مع الدائنين، وهنا يكون الشعب فعليا هو صاحب القرار في تقرير أوضاعه وحاضره ومستقبله، واتخاذ القرارات الكبرى والصعبة.

ماذا عنا في مصر، هل نحن الشعب أصحاب قرار؟، ألا تستدعي الأزمة المالية والاقتصادية الصعبة، وتهاوي قيمة الجنيه أمام الدولار، وتداعيات ذلك على الأسعار ومعيشة المواطنين، والإجراءات القاسية التي تتخذها السلطة، والأخرى التي تنوي تقريرها من نفسها وفق رؤيتها ودون حوار سياسي ومجتمعي أن يكون الشعب هو صاحب القرار فيها ليفوض أو يسحب التفويض؟ أليس من حقنا أن نقرر واقعنا، أم إننا مفعول به على الدوام، وعلينا الرضوخ فقط؟

من يقطع بأنه ليس هناك حلول أخرى أفضل إلا الذي تطرحه السلطة؟ ألا توجد حلول غير تقليدية وغير مكلفة لدى آخرين أفرادا وأحزابا؟ هل نظل دوما رهينة لمن يحكمون، ولمن يصلون السلطة في ظروف غير ديمقراطية قبل 25 يناير، أو في ظروف خاصة ومرتبكة وضيقة تمكنهم وحدهم من بلوغ السلطة بعد يناير؟

لكن المشكلة هنا معقدة، ولها جناحان:

الأول: أن الديمقراطية لم تترسخ بعد كما هو حاصل في اليونان، وبالتالي لا يُعتد بها في بلادنا كحكم في اللحظات الصعبة، ولا يُنظر إليها بالتقدير الكافي، وإذا كان منطق السلطة يقول إنه لا بناء ديمقراطي إلا بعد ربع قرن، فالمعنى أننا سنظل نُحكم بفكرة النظام الحكيم الذي هو أعلم وأفهم من الجميع، مهما كانت نتائج السياسات التي سيتم اتخاذها في الغرف المغلقة.

الثاني: الوعي الشعبي غير الناضج بنسبة كافية في مصر مقارنة باليونان، فقد تجري انتخابات كل يوم في ظروف وبيئات سياسية معينة، وفي ظل دعايات إعلامية مرسومة جيدا لتتحقق النتائج نفسها، وللأشخاص نفسهم، وللأحزاب نفسهم، وبالتالي سيُقال إنها الديمقراطية، وقد جاءت بمن اختارهم الشعب، ولا بد أن نرضخ. لو بيدي لفرضت الوعي فرضا، حتى يعرف ماسح الأحذية وبائعة الفجل حقوقهما جيدا، وأن رأيهما وصوتيهما مهمان ومؤثران في تقرير المستقبل لهما ولأسرتيهما، ولفرضت الديمقراطية فرضا مهما كانت أخطاؤها، فهى تصحح نفسها تجربة بعد الأخرى، حتى تفرز من هو الجدير فعلا بتحمل مسؤولية تمثيل الشعب، ونيل تفويضه، وفرز الأوزان النسبية للفاعلين على الساحة.

هنا سنثق تماما في أي خطط للإنقاذ والتقشف؛ لأنها ستكون صادرة عن هيئة منتخبة مفوضة فعلا من الشعب الواعي باختياراته، كما ستمتلك تلك الهيئة قيمة أخلاقية لتعرض نفسها فورا على الشعب لتجديد التفويض أو سحبه منها إذا كانت مقبلة على قرارات تاريخية. من الضروري أن نستعيد عبارة تسيبراس السياسي الشاب ورئيس حكومة اليونان وهو يعلن يوم 20 أغسطس 2015 التوجه لانتخابات تشريعية مبكرة قائلا : "التفويض السياسي لانتخابات 25 يناير 2015 استنفد مداه، والآن يجب على الشعب اليوناني أن يبدي رأيه". تحية للديمقراطية، وتحية للشعوب الواعية.

عن صحيفة المصريون المصرية