كتب

جدل تجديد الدين بين المحافظين و"العصرانيين"

تساءل بسطامي في مقدمة كتابه هل كل رأي جديد في الدين هو تجديد له - أرشيفية
اكتسب مفهوم "تجديد الدين" مشروعيته من الحديث النبوي المعروف "إن الله يبعث على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها"، فما هي ماهية التجديد المذكور في الحديث؟ ومن هم المجددون؟ وما هي أبرز الاتجاهات التي اشتغلت بمعالجة أسئلة التجديد قديما وحديثا؟.
 
هذا ما يتصدى لبحثه ومعالجة موضوعاته الأكاديمي السوداني، المتخصص في الدراسات الإسلامية، الدكتور بسطامي محمد سعيد، في كتابه "مفهوم تجديد الدين" الصادر عن مركز التأصيل للدراسات والبحوث سنة 2012.

يتساءل الدكتور بسطامي في مقدمة كتابه "هل كل رأي جديد في الدين هو تجديد له؟ ما الحدود الفاصلة بين الجديد المقبول والجديد المرفوض؟ ما علاقة التجديد بالتطور، أهما مترادفان أم بينهما فروق؟ وفي ضوء مواجهة الإسلام للحضارة الغربية المعاصرة كيف تتم الملاءمة بين الفكر الإسلامي والعصر الحاضر؟ وهل لذلك أثر في بلورة مفهوم التجديد؟.

تكمن أهمية تحديد ماهية التجديد المطلوب فعله، في استبانة حدود ذلك التجديد ومعرفة مجالاته، ووفقا للمؤلف فإن أبرز اتجاهين اشتغلا بذلك هما اتجاه المحافظين الذين اعتبروا التجديد إعادة وبعثا وإحياء لنموذج الدين الأول، والاتجاه الآخر هو اتجاه "العصرانية" والتي هي "حركة سعت لتطويع مبادئ الدين لتتلاءم مع قيم الحضارة الغربية ومفاهيمها، وإخضاعه لتصوراتها ووجهة نظرها في الحياة". 
مفهوم التجديد بين المحافظين والعصرانيين.

بعد استعراض المؤلف لمعاني مفردة التجديد لغويا، والتي تدور على ثلاثة معان، هي (الإعادة والبعث والإحياء)، وبعد تتبعه لمواردها في القرآن الكريم والحديث النبوي، وضع لها التعريف الآتي: "تجديد الدين هو إحياؤه وبعث معالمه العلمية والعملية، التي أبانتها نصوص الكتاب والسنة وفهم السلف". فالتجديد في نسق المحافظين بحسب استقراء المؤلف هو إحياء وبعث لنموذج التدين في تشكلاته الأولى، خاصة العهد النبوي والراشدي. 

من هو المجدد في الدين؟ وبماذا يصبح المجدد مجددا؟

أوضح الدكتور بسطامي أن الإجابة على سؤال "من هو المجدد.. سيساعدنا أكثر في استجلاء نظرة السلف إلى ماهية التجديد، الذين اختلفوا فيما بينهم في تحديد من هو المجدد في كل قرن" ونقل عن ابن كثير قوله: "قد ادعى كل قوم في إمامهم أنه المراد بهذا الحديث". 

ونظرا لاختلاف السلف في تحديد أسماء المجددين، فإن المقام يفرض على الذهن تساؤلا: كيف يعرف المجدد؟ وهل من وسيلة نعلم بها من هو مجدد كل قرن؟ أجاب المؤلف بقوله "فمن الظاهر أنه لا سبيل إلى  القطع والجزم، إنما يرجع في تحديد المجدد إلى غلبة الظن باستقراء قرائن أحواله ومدى الانتفاع به".

وفي تحديده لشروط المجتهد ذكر المؤلف أن أول الشروط التي ينبغي توفرها في المجتهد حتى يكون كذلك، تمتعه بملكات عقلية، وقدرات فكرية، تمكنه من أن يكون ذا قدم راسخة في العلوم، ليس بحفظها واستظهارها فقط، بل في قدرته على تمحيصها ونقدها، وتمييز صحيحها من سقيمها".

وحتى يكون المجدد مجددا فلا بد له من "أن يضطلع بعمل من الأعمال التي تدخل تحت معنى التجديد، ومن أهم ذلك تجلية الإسلام مما يعلق به من الانحرافات والشوائب الدخيلة على مفاهيمه الأصلية، وإعادته إلى منابعه الأولى الكتاب والسنة، سواء كان ذلك بالنظر والفكر أو العمل والممارسة".

تتبين معالم التجديد المحمود فعله في نسق المحافظين بالتوقف مليا عند نماذج المجددين الكاشفة عن ماهية التجديد وحقيقته، فالمجدد الأول عمر بن عبد العزيز بحسب تعيين الإمام أحمد بن حنبل له، تحددت معالم تجديده في الإصلاح السياسي بإحياء أصول الدين المنزل بالعودة إلى قيم الخلافة الراشدة، كترسيخه للشورى كآلية لإسناد السلطة وإدارة شؤون الحكم، وتعظيمه للعدل والمحافظة على المال العام.

مفاهيم التجديد الخاطئة "العصرانية"

في مقابل ذلك النسق التجديدي، الذي قصر التجديد فيه على إحياء وتجديد وبعث ما اندرس من معالم الدين المنزل في نموذجه الأول، أفرد المؤلف مساحة واسعة للحديث عن نسق تجديدي آخر، مغاير للنسق الأول تماما، ألا وهو نسق العصراينة “modernism”.

ما هي العصرانية؟ العصرانية لا تعني مجرد الانتماء إلى هذا العصر، بل هي مصطلح خاص يعني "أي وجهة نظر في الدين مبنية على الاعتقاد بأن التقدم العلمي والثقافة المعاصرة، يستلزمان إعادة تأويل التعاليم الدينية التقليدية على ضوء المفاهيم الفلسفية والعلمية السائدة". 

وبعبارة أكثر وضوحا فالعصرانية "هي الحركة التي سعت إلى تطويع مبادئ الدين لتتلاءم مع قيم الحضارة الغربية، ومفاهيمها وإخضاعه لتصوراتها ووجهة نظرها في شؤون الحياة". والمصطلح أطلق بصفة خاصة على حركة داخل الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، ويطلق كذلك لوصف النزعات التحررية المشابهة في البروتستانتية.

أظهر البحث في تاريخ نشوء العصرانية أن مشكلة التوفيق بين مبادئ الدين ومتطلبات العصر وشروطه ليست خاصة بالإسلام، فـ"هذه المشكلة لم تواجه العالم الإسلام وحده، بل واجهت الأديان الأخرى، فقد واجهت اليهودية وواجهت المسيحية، وهو ما قرره أيضا أستاذ الأديان في جامعة كولومبيا جوزيف بلاو في محاضراته التي ألقاها في أكثر من عشر جامعات ومعاهد دينية بأمريكا..".

نقل المؤلف عن بلاو قوله: "إن كل الأديان الكبرى قد واجهت أزمة منذ ميلاد الحضارة الحديثة، وكل هذه الأديان قد بذلت بطريقتها الخاصة جهودا كبيرة لحل هذه الأزمة ولمواجهة الحياة العصرية والعلمانية المصاحبة لها، إن القرن التاسع عشر والقرن العشرين قد شهدا فترة إبداع عظيمة في هذه الأديان، وكان ذلك ببساطة بسبب أن هذه الأديان ينبغي أن تتوافق مع العصر الحديث أو تموت". 

أطال المؤلف النفس في بحث وتتبع ورصد الاتجاهات العصرانية داخل اليهودية والمسيحية، والتي تحوم حول عدم الأخذ بنصوص الكتاب المقدس بحرفيتها، واعتبار ما جاء فيها من تشريعات موقوتة بظروفها التي جاءت فيها وليست دائمة، وإعمال النقد التاريخي في توثيق نصوص الكتاب المقدس، والدعوة إلى التفريق بين ما هو إلهي وبشري في التعاليم الدينية...

أما العصرانية في مجالها الإسلامي، فقد كان من أوائل دعاتها الهندي سيد أحمد خان (1817 – 1898، أبو العصرانية في العالم الإسلامي) "فقد كان أول رجل في الهند الحديثة يتحقق من ضرورة وجود تفسير جديد للإسلام، تفسير تحرري وحديث وتقدمي". 
وأضاف "لم يكن سيد خان أول ممثل للنزعة العصرانية فحسب بل كان نموذجا كاملا لها، وكل الذين جاءوا من بعده لم يضيفوا شيئا جديدا، بل كانوا يعيدون صياغة أفكاره بصورة أو أخرى" بحسب وصف المؤلف له. 

كيف سعى سيد خان لتكييف الدين وملاءمته للحضارة الغربية؟ تمثلت جهود خان باعتباره القرآن وحده الأساس في فهم الإسلام، دون الاقتصار في فهمه على تفسير السابقين، وإعادة تأويل حقائق الدين وتفسير تعاليمه على ضوء المعارف العصرية، وإلغاء المعجزات والخوارق وتأويلها تأويلا عقليا يتوافق مع القوانين المادية السارية في الكون. 

وعن موقف خان من الأحاديث النبوية، فهو لا يعتمد عليها، ويثير حولها شبهات كثيرة، من حيث تدوينها المتأخر في القرن الثاني الهجري، عصر الصراعات السياسية والاختلافات الدينية، وهو ما كان له أثره في كثرة الأحاديث الموضوعة.

ورفض خان الأخذ بالمذاهب الفقهية المعروفة مبينا موقفه منها بقوله: "إننا أتباع الإسلام ولسنا أتباع زيد وعمرو. إن أحكام هؤلاء الفقهاء غير ملزمة لنا والأحكام الملزمة الوحيدة هي ما جاءت به النصوص" وبالتالي فإنه رفض أصل الإجماع المقرر عند الأصوليين وكل ما انبنى عليه من أحكام. 

نتج عن هذا المنهج الذي وضعه سيد خان لفهم الإسلام فهما جديدا موافقا لمعارف العصر جملة مفاهيم منها  "فالألوهية عند سيد خان كما هي عند الفلاسفة هي "العلة الأولى"، والله خلق الكون والطبيعة ووضع لها قوانين، ولكنه لا يتدخل في هذه القوانين بعد ذلك. والنبوة ملكة إنسانية وموهبة من الطبيعة واستعداد ينميه الفرد كما ينمي الشاعر مواهبه، والحي ليس أمرا خارقا من خارج النفس البشرية، والمعجزات ليست أمرا خارقا للعادة...".

أدرج المؤلف عدة أسماء أخرى في إطار "العصرانية" في العالم الإسلامي، منها محمد إقبال والشيخ محمد عبده، وقاسم أمين، وعلي عبد الرازق، وقد تمحورت اطروحاتهم حول تأويل حقائق الدين يما يتلاءم مع معطيات العصر وثقافته، وشرعية فصل الدين عن الدولة، وتحرير المرأة، وقصر الجهاد على جهاد الدفع، وإعادة النظر في جملة من الأحكام الشرعية كالربا والحدود وما يخص المرأة...

نقد أطروحات "العصرانية"

اعتنى المؤلف كثيرا بنقد مقولات "العصرانيين"، وبنى نقده لها على الفرض الأساسي الذي انطلقت منه، والذي يمكن تقسيمه إلى أجزاء ثلاثة:

 أولا: عصرنا الحاضر عصر متطور متقدم، وشهد تحولات وتغيرات كبيرة.

وثانيا: ترتبط تعاليم الدين في كل عصر بظروفه وأحواله، مما يجعل بعضها لا يناسب عصرنا الحاضر.

وثالثا: نظرة كل عصر إلى حقائق الدين نظرة نسبية بحسب المعارف المتاحة له، وما كان يؤمن بأنه حق في عصر قد لا يكون حقا في هذا العصر". 

تساءل المؤلف بعد ذكره لتلك التصورات: ما هو الثابث في الدين الذي يناسب كل عصر، وما هو المتغير الذي يتغير تبعا لتغير المعرفة وتغير الأحوال؟ لافتا إلى أن إجابة العصرانية الأولية على هذا التساؤل هي أن الجزء الإلهي في الدين الذي مصدره الوحي هو الحزء الثابت في الدين، والجزء البشري في الدين الذي كونته عقول البشر هو الجزء المتغير، ومن ثم ينبع التساؤل: ما الإلهي في الدين وما البشري؟.

ووفقا للمؤلف، فإن "هذه الفروض الثلاثة الأساسية التي تنبني عليها فكرة العصرانية، والسؤالان الكبيران اللذان يستتبعان تلك الفروض، هي الأمور الخمسة التي تشترك فيها كل حركات العصرانية، سواء ما كان منها في اليهودية، أو النصرانية، أو الإسلام، وإذا انحلت عقده هذه الأمور، واتضح وجه الصواب فيها، بانت حقيقة العصرانية، وأصبح من السهل الميسور نقد المسائل التفصيلية التي تقوم عليها".

خاض المؤلف جدلا واسعا مع العصرانيين في فروضهم التي بنوا عليها مقولاتهم من حيث التأسيس والتأصيل، وناقشهم مناقشة علمية هادئة في مقولاتهم الجديدة في العقيدة، ومنهجيتهم في تفسير القرآن وتأويله، وموقفهم من حجية السنة النبوية ومناقشة شبهاتهم حول ثبوت الأحاديث وتدوينها، ودعوتهم إلى تجاوز المنظومة الأصولية.. وما إلى ذلك من أحكام ومسائل تفصيلية أخرى.

قد يرى المحافظون أنهم بهذا اللون من الجدل والمحاججة، يدفعون عن الدين ما ألحق به من شوائب وأخلاط، ويطهرونه من كل الانحرافات التي يراد لها أن تلصق به، لكنهم بذلك كله لا يقدمون أجوبة مقنعة على ذلك السيل من الأسئلة القلقة التي ولدتها ثقافة العصر وفلسفته لدى شرائح واسعة من أجيال المسلمين خاصة الشباب منها، ما يستدعي لونا آخر من الجدل في سياق بحثهم عن ماهية تجديد الدين واستكشافهم لحدوده ومجالاته.