سياسة عربية

أبناء غزة بالأردن.. معاناة من المهد إلى اللحد

يعسش اللاجئون الغزيين في الأردن أوضاع انسانية واجتماعية متدهورة - أرشيفية
يحلم أبو عمر من أبناء غزة في الأردن أن يتملك منزلا خاصا بعد 48 عاما من العيش في الأردن، وأن يعامل كأي مواطن أردني دون تمييز بكلمة "غزاوي" من قبل الأجهزة الرسمية والمجتمع .
  
وقال أحمد، ذو الـ 35 عاما من حملة جواز السفر الأردني المؤقت، و الذين يطلق عليهم "الغزيون": "تبدأ معاناة أبناء غزة في الأردن من المهد إلى اللحد.. منذ لحظة استخراج شهادة الولادة وحتى استخراج شهادة الوفاة".
 
ويصطدم أبناء غزة في الأردن بعوائق قانونية عديدة "تحرمهم من التعليم والعلاج والتملك و العمل، وتصل إلى نظرة اجتماعية دونية في بعض الأحيان من قبل المجتمع" كما يقول عدد منهم لـ "عربي 21".
 
فلولا "أهل الخير" لم يكن "عبد المعز" وهو من أبناء قطاع غزة يستطيع إكمال تعلميه الجامعي ودراسة الطب، بعد أن حصد المرتبة الرابعة على صعيد المملكة في امتحان الثانوية العامة، يقول شقيقه عبد المنعم لصحيفة "عربي 21" إن "أبناء غزة في الأردن محرومون من التنافس على مقعد جامعي حيث يعاملون معاملة الأجنبي في القبول، وهذا يعني دفع رسوم مالية كبيرة"، حيث تكفل رجل أعمال أردني بتكاليف شقيقه.
 
و في حال تخرجه سيصطدم عبد المعز أيضا بقرار "عدم السماح بمزاولة مهنة الطب" حيث تقتصر رخصة المزاولة على الأطباء الأردنيين  كما هو الحال مع باقي النقابات المهنية التي لا تضم إلا الأردنيين.

140 ألف غزي يعيشون في الأردن منذ نصف قرن

وتقدر الإحصائيات الحكومية أعداد " أبناء قطاع غزة في الأردن"  بما يقارب 140 ألف مواطن، أغلبهم لا تعود أصوله لقطاع غزة كما هو معروف، فحسب الخبير والكاتب في الشؤون الفلسطينية الصحفي فرج شلهوب فإن " أغلب أبناء قطاع غزة في الأردن نزحوا من أماكن مختلفة من قرى ومدن فلسطين المهجرة عام 1948 ، حيث نزحوا في البداية إلى قطاع غزة الذي كان يخضع للسلطة المصرية، ثم لجأوا للأردن في عام 1967، الأمر الذي أكسبهم اسم أبناء قطاع غزة،  ويقيم هؤلاء منذ ذلك التاريخ في الأردن إقامة دائمة".

محرومون من التملك والتعليم والعلاج والعمل

و حول المعيقات التي تواجه أبناء غزة في الأردن يقول شلهوب لـ "عربي 21" إن "جوازات السفر المؤقتة التي يحملها أبناء غزة لمدة عامين، لا تمنح حاملها أي صفة مواطنة من حيث الحصول على حق التملك وعلى عمل متساوٍ و تأمين صحي، إذ يحرم أبناء غزة من العمل بقطاعات الحكومة، وكذا القطاع الخاص الذي يفضل عدم تشغيل من لا يحمل الجنسية الأردينة، مما يضيق على هذه الشريحة ".
 
ويضيف شلهوب أن "المعاناة لا تتوقف عند هذا الحد، يحرم أبناء غزة من مزاولة المهنة والانتساب للنقابات الأردنية، كالأطباء والمهندسين و المحامين وغيرها، التي تشترط على الممارس أن يكون أردني الجنسية"، ويضرب شلهوب أمثلة لأطباء غزيين خرجي جامعات مرموقة لا يعملون بشهاداتهم حتى الآن".
 
و قال شلهوب إن "المعاناة الأكبر بالنسبة للغزيين بالأردن تكمن، في عدم حصولهم على تأمين صحي، إلا بمكرمات ملكية موسمية"، مضيفا بقوله "تقدم المستشفيات الحكومية الأردنية العلاج المجاني لمن يحمل الرقم وطني، مما يعني أن ذلك غير متاح لأبناء غزة حيث تصل تكلفة علاجهم بالمستشفيات الحكومية لأرقام فلكية، خصوصا الأمراض المستعصية؛ مثل الفشل الكلوي والسرطان وأمراض القلب، مما يؤدي لانتكاسة بعض المرضى، وبالتالي الوفاة بسبب عدم القدرة على تحمل العلاج".

مناشدات بالإنصاف

بدوره قال رئيس لجنة فلسطين في البرلمان الأردني النائب يحيى السعود لـ"عربي 21"  إن "اللجنة بحثت ملف أبناء قطاع غزة مرارا مع الحكومة الأردنية دون استجابة، بسبب ما أسمته الحكومة بالأمر السيادي".

 و طالب السعود الحكومة الأردنية "بالنظر بعين الرأفة إلى هذه الشريحة ومعاملتها معاملة الأشقاء العرب، من حيث القدرة على التملك و منح أبناء غزة حقوق مدنية لا تؤثر على حقوقه السياسية في فلسطين".

من جهة أخرى دعا الكاتب شلهوب الحكومة الأردنية "لتيسير حصول أبناء غزة على حقوقهم المدنية والإنسانية، بعد إقامتهم لأزيد من نصف قرن بالأردن، خصوصا وأن الحكومة منحت عبر قرار الوحدة بين الضفتين عام 1951 الجنسية الأردنية لملايين أبناء الشعب الفلسطيني، الأمر الذي يقتضي أن تعامل الحكومة الغزيين بالمثل "مبددا مخاوف" التوطين خصوصا أن المطالب تتركز على حقوق مدنية لا تمس بحق العودة".
 
وأطلق ناشطون من أبناء غزة حملة شعبية على مواقع التواصل الاجتماعي تحت اسم "بدنا نعيش بكرامة" للمطالبة بالحقوق المدنية لأبناء غزة في الأردن، كحق العمل و التأمين الصحي وحق التملك والاستثمار".

و يصف "أبو عمر"  الذي ينشط على شبكات التواصل الاجتماعي، للمطالبة بإنصاف أبناء فلسطين، والتقليص من معاناة هذه الشريحة، بالإضافة إلى العوائق التي تخص التعليم والعمل والتملك، يضيف "أبو عمر" أن هناك عوائق أخرى اجتماعية "فبسبب عدم حصول أبناء غزة على الرقم الوطني، ترفض عائلات تزويج الغزيين في الأردن، بسبب عدم الحصول على حقوق المواطن".

يقول أبو عمر " إن معاناة أبناء غزة في الأردن تورث من جيل لجيل، الأمر الذي دفع البعض للتقليل من التناسل بسبب هذه المعاناة" واصفا وضع أبناء غزة " بالمأساوي".

و يواجه أبناء غزة في الأردن "تمييزا في رسوم إصدار الوثائق الرسمية"  – كما يقول أبو عمر-  "تصل أحيانا إلى مبالغ كبيرة خصوصا إذا كانت العائلة كبيرة، و تتطلب موافقات أمنية بعد تحقيق من قبل جهاز المخابرات العامة".

وقال الناطق باسم دائرة الأحوال المدنية الأردنية مالك خصاونة في حديث لـ "عربي21"  إن "الدائرة تصدر لأبناء غزة جواز سفر مؤقت لمدة سنتين فقط، ويشترط للحصول عليه : إحضار بطاقة النزوح وإثبات الإقامة، والموافقة الأمنية وغيرها من الشروط الموضحة على موقع دائرة الأحوال المدنية، حيث تبلغ رسوم الخدمة 50 دينارا أردنيا".

و في المقابل يدفع المواطن الأردني حامل الرقم الوطني 20 دينار فقط، مقابل إصدار جواز السفر، وتنطبق الفروق في الأسعار على باقي الوثائق الرسمية.

مخيم غزة... مأساة معيشية مركبة

ويكتسب مخيم جرش للاجئين الفلسطينيين (شمال المملكة) اسم مخيم غزة بسبب النسبة العالية لأبناء القطاع بين سكانه، والتي تصل إلى 90 بالمئة، فيما يعاني المخيم من وضع سيء على صعيد البنية التحتية و انتشار الفقر والبطالة بشكل واسع في صفوف ساكنيه" كما يقول ابو عمر .

و أقيم المخيم  بوصفه مخيما طارئا عام 1968 ليستوعب 11500 من اللاجئين الفلسطينيين الذين غادروا عام وطنهم عام 1967، ويغطي المخيم مساحة 750 ألف متر مربع، ويقع على مسافة 5 كم من مدينة جرش.

وحسب موقع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) يعاني المخيم مشاكل رئيسية من أبرزها: الفقر والاكتظاظ السكاني والبطالة العالية، في حين تبين الأونروا أن حوالي 3 من كل 4 مساكن لا تصلح للسكن بسبب مشاكل بنيوية.

ويظهر مسح للاجئين أجرته منظمة فافو النرويجية للمخيم بالتعاون مع الأونروا ودائرة الشؤون الفلسطينية في الأردن أن أغلب سكان المخيم يعيشون في حالة فقر وتعيش بعض العائلات حسب المسح الذي أجري عام 2013 أن بعض الأسر يعيشون بدخل يومي أقل من 1.25 دولار.

وبين المسح أن الحكومة الأردنية اتخذت خطوات لتخفيف من بعض الآثار المترتبة على الفقر وقامت بتقديم التعليم و التأمين الصحي المجاني للأطفال.

من جهته، قال مدير عام دائرة الشؤون الفلسطينية محمود العقرباوي في تصريحات صحفية إن الحكومة الأردنية "خصصت خمسة ملايين دولار من خلال منحة سويسرية تستهدف إيجاد شبكة صرف صحي وشبكة مياه حديثة في مخيم جرش، وإعادة تأهيل عدد من الوحدات السكنية، بالإضافة لمشاريع التدريب والتشغيل للتخفيف من حدة البطالة والفقر".

الأونروا .. مشاريع لمحاولة تحسين وضع مخيم غزة

و في محاولة "لتحسين الوضع المعيشي لسكان مخيم غزة"، تقوم منظمة الأونروا حاليا وبتمويل من الاتحاد الأوروبي، بإعادة تأهيل 80 مسكن في مخيم جرش، وتقول الناطق باسم الأونروا في الأردن أنوار أبو سكينة، لصحيفة "عربي21"، إن "واحدة من أهم المواصفات في إعادة بناء المساكن في هذا المشروع هو تركيب وحدات شمسية من أجل مساعدة اللاجئين في تقليل تكلفة الكهرباء على الأمد البعيد."

و حسب أبو سكينة "تحضر الوكالة حاليا لإطلاق خطة التطوير المدني في المخيم حيث تم تصميم الخطة بالتعاون مع المجتمع المحلي ودائرة الشؤون الفلسطينية التابعة للحكومة الأردنية من أجل تحديد احتياجات اللاجئين الفلسطينيين في المخيم، خاصة المتعلقة بالبنية التحتية. وتم تحديد 24 مشروع يحتاجها أهالي المخين، في حين ستقوم الوكالة والمجتمع المحلي بالقيام بجهود جمع التبرعات معا للقيام بهذه المشاريع".

وعلى صعيد قطاع الصحة قامت الوكالة بتطبيق نظام الإصلاح في برنامج الصحة في مركز صحي مخيم جرش والمتضمن برنامج صحة الأسرة ونظام الصحة الالكتروني ونظام الدور الالكتروني، كما افتتحت الأونروا عيادة أسنان ثانية من أجل تقدم خدمة صحة الفم والأسنان لأكبر عدد من اللاجئين الفلسطينيين في المخيم.

و تؤكد الأونروا أنها تضع مخيم جرش في أهم أولوياتها في جمع التبرعات وتنفيذ  المشاريع التي تعود بالمنفعة على المخيم واللاجئين الفلسطينيين الذين يقطنونه.