مقالات مختارة

الحرب التي لم تنته بعد

1300x600
كتب هشام ملحم: بعد 150 سنة على انتهائها، لا تزال الحرب الأهلية الأمريكية حاضرة بقوة في مختلف أوجه الثقافة والسياسة والمجتمع في البلاد. 

الحرب الأهلية لا تزال الحدث الأضخم والأكثر أهمية في تاريخ الولايات المتحدة، لأنها صاغت إلى حد كبير طبيعة البلاد التي خرجت من رماد صراع ملحمي كلّفها ضحايا فاق عددها ضحايا جميع الحروب الأخرى التي خاضتها منذ ولادتها. 

وبعد قرن ونصف قرن على انتصار الشمال على كونفدرالية الولايات الجنوبية التي انفصلت عن الاتحاد، لا تزال الأسباب الرئيسية التي أدت إلى الانفصال وفي طليعتها الخلاف على العبودية وطبيعة العلاقة بين الحكومة الفيديرالية والولايات طاغية على حياة الأمريكيين.

التركة المؤلمة للحرب الأهلية صعقت الأمريكيين مرة أخرى الأسبوع الماضي، بصورة بشعة، حين ارتكب شاب عنصري عمره 21 سنة مجزرة في كنيسة للسود في مدينة تشارلستون، في ولاية كارولينا الجنوبية، على مقربة من المكان الذي أطلقت فيه الطلقات الأولى للحرب الأهلية. 

الشاب ديلان روف أمضى ساعة خلال درس عن الإنجيل مع المصلين، قبل أن يقتل تسعة منهم بدم بارد، وهو يصرخ: "أنتم تغتصبون نساءنا، وتستولون على بلادنا".

عكس انتخاب باراك حسين أوباما أفضل ما في أمريكا وأسوأ ما فيها. أن تنتخب أمريكا رجلا مثل أوباما بدا كأنه تأكيد لقدرة الأمريكيين على تخطي التركة العنصرية، وانتخاب رئيس على أساس شخصيته وسياساته، وبغض النظر عن عرقه أو خلفيته. 

لكن انتخاب أوباما فجّر احتقانا عنصريا، كان ولا يزال إلى حد كبير يعبّر عنه بطرق غير مباشرة، سواء في الأنظمة التعليمية، وتطبيق القانون (70 في المئة من السجناء هم من الملونين) وفي الوظائف.

مع وصول أوباما إلى البيت الأبيض، سقطت بعض هذه الأقنعة، وتعرض الرئيس شخصيا وما يمثله لعنصرية سافرة وفاجرة. 

هذه العنصرية كانت في جوهر صرخة مؤيدي حزب الشاي: "نريد استرجاع بلادنا" (الصرخة ذاتها لديلان روف وهو يقتل ضحاياه في الكنيسة)، وهي أيضا في جوهر الادعاءات أن أوباما لم يولد في أمريكا، أو أنه مسلم أو اشتراكي أو يكره الولايات المتحدة.

في استطلاع للرأي اجري قبل أربع سنوات، تبين أن 48 في المئة من الأمريكيين يعتقدون أن الخلاف على حقوق الولايات هو السبب الرئيسي للحرب، في مقابل 38 في المئة يقولون إن العبودية هي السبب الرئيسي، وهو ما تؤكده الوثائق والمؤرخون.

وإذا كانت أمريكا لا تزال تعيش في ظل حربها الأهلية بعد 150 سنة، أتساءل كيف سيتعامل السوريون والعراقيون واليمنيون والليبيون مع حروبهم الأهلية؟ وإلى أي وقت سوف تستمر هذه الحروب؟

(عن صحيفة النهار اللبنانية 25 حزيران/ يونيو 2015)