قضايا وآراء

الإخوان بين الأصولية والحداثة - جبهة تحرير مورو نموذجاً

1300x600
أسس الشيخ حسن البنا جماعة الإخوان المسلمين عام 1928م، وجراء اشتباك التنظيم مع السلطات المحلية في عدد من بلدان العالم فقد تنوع وجود الإخوان على المستويات المحلية بين حكام وبرلمانيين أو أحزاب وفاعلين سياسيين أو محظورين ومطاردين .. ومن البديهي أن يقول أحدهم إن جماعة الإخوان المسلمين الحاليين هم الامتداد التاريخي لمنهج حسن البنا وسيد قطب وأبي الأعلى المودودي، وغيرهم من أعلام الإخوان القدامى، لكن هل هذه هي الحقيقة ؟!

سنأخذ نظرة سريعة إلى تجربة ربما تكون منفصلة جغرافياً عن المنطقة، ولكنها تجربة مميزة في طبيعتها وتحولاتها، وهي تجربة جبهة مورو الإسلامية في الفلبين، كنموذج للبحث عن إجابة هذا السؤال، هل هناك فارق بين جماعة الإخوان الرسمية اليوم وبين منهج البنا وقطب والمودودي والإخوان القدامى؟! وهل يسير الإخوان اليوم وفق تنظيرات/ أفكار الإخوان القدامى أم لا ؟ .. لنرَ ذلك.

دخل الإسلام جزر الفلبين عن طريق التجار والدعاة، وأصبحت جزر الفلبين إمارات إسلامية بالكامل في القرن الثالث عشر الميلادي، وفي القرن السادس عشر احتل المستعمرون الإسبان الفلبين لمدة تقارب أربعة قرون، ثم أخلوا مكانهم للاستعمار الأمريكي، وعمل المستعمرون على تجريف المسلمين من الشمال إلى الجنوب، وإخلاء الشمال بالكامل للسلطات الاستعمارية ومن يواليهم، ثم رحل الأمريكان من الفلبين، وتولى الجنرال فرناندو ماركوس السلطة عام 1965، فتأججت حركة المقاومة في الجنوب المسلم تجاه ماركوس الذي عاث في المسلمين في الجنوب تذبيحاً وإثخاناً وتحريقاً.

تأسست الجبهة الوطنية لتحرير مورو عام 1972 كهيئة جامعة لجميع مسلمي الجنوب، ووعدت بتحرير جنوب الفلبين وتطبيق الإسلام، ولكن اتخذت الجبهة الوطنية منحى التفاوض مع العسكر والطرق الدبلوماسية لتسوية النزاع، فانشقت الجبهة الإسلامية بزعامة الشيخ سلامات هاشم عن الجبهة الوطنية عام 1977، وكان السبب الرئيس لانفصال الإسلاميين (الإخوان) عن الوطنيين هو أن الجبهة الوطنية تخلت عن الفكرة الأساسية لمسلمي مورو (أي الاستقلال الكامل)، واكتفت الجبهة الوطنية -كما صرحت الجبهة الإسلامية في بيان تأسيسها- بمطلب الحكم الذاتي تحت مظلة الحكومة المركزية فحسب. 

ما نود أن نلفت النظر إليه أن زعيم الجبهة الإسلامية حينئذ، الشيخ سلامات هاشم، عاصر الإخوان القدامى، وتأثر بأدبيات سيد قطب وأبي الأعلى المودودي -التي تدعو إلى الرجوع للأصول والتمسك بها والدوران في فلك نصوصها الشرعية- تأثراً شديداً انعكس على منهجيته في التعامل مع السلطة الحاكمة (ماركوس)، وظهر هذا التأثر أيضاً في خطابه للجماهير، حيث تميز بكونه خطاباً تعبوياً جهادياً صرفاً، يعتمد على رفع راية الجهاد ضد الحكام بشكل واضح دون تقديم أي تنازلات بخصوص مطلب الاستقلال، ورافضاً لجميع محاولات التصالح والحلول الوسط مع نظام ماركوس العسكري، ثم جاءت تجربة الجهاد في أفغانستان لتصقل المنحى الجهادي العقدي لدى الجبهة عموما والشيخ هاشم خصوصا. 
إذاً نحن أمام حالة الشيخ سلامات هاشم : ففي الوقت الذي لم يستطع إخوان مصر أن يترجموا أدبيات الجماعة إلى واقع حركي بسبب الضيق الأمني القاتل عليهم، فإن الشيخ سلامات هاشم احتك بالإخوان في مصر خارج سجون الهالك ناصر في الستينات، (كالشيخين محمد الغزالي والسيد سابق وغيرهما)، ودرس منهج حسن البنا وتصورات سيد قطب وأفكار أبي الأعلى المودودي، ثم رجع إلى الفلبين وترجم تلك الأدبيات إلى حركة واقعية على الأرض كمآلٍ طبيعي لهذه الأدبيات. (وإن شئنا سمّينا هذا الواقع الحركي كما يُسمى اليوم بـ : الأصولية)

 توفى الشيخ هاشم عام 2003، وتولى زعامة جبهة مورو من بعده الحاج مراد إبراهيم، وكان بحق معبراً عن موجة علمنة (أو حدثنة) الإخوان الرسميين التي سرت على مستوى العالم منذ الثمانينات حتى الآن، إذ جاء خطابه أقل حدة، وأقل اقتناعا بفكرة التغيير من خلال العمل المسلح، وأكثر انفتاحا وقبولا للتفاوض مع النظام الحاكم، فكانت المفاجأة أنه أبدى استعدادا للتخلي عن مبدأ الاستقلال، وقتح خيارات أخرى للحلول الوسيطة بين مورو وحكومة العسكر في مانيلا عاصمة الشمال !

وبالفعل وقّعت الجبهة الإسلامية على اتفاقية السلام مع حكومة الشمال بما يضمن حكما فيدراليا للجنوب، مع البقاء تحت سلطة الحكومة المركزية في الشمال، وتضمنت الاتفاقية بنود كارثية بعيدة كل البعد عن فترة الشيخ سلامات هاشم، ومن ضمن هذه البنود : تحويل الجبهة المقاتلة إلى مجرد حزب سياسي (سمّوه حزب العدالة  فيما بعد) - تسليم السلاح بشكل كامل لحكومة الشمال - تفكيك المعسكرات الجهادية تحت إشراف دولي - إجراء انتخابات برلمانية ديمقراطية في الجنوب - المشاركة في الحكومة المركزية ) .. وهذه الخطوة تعني ببساطة أن الحاج مراد إبراهيم تخلى عن المبدأ الذي من أجله أصلا انشق الشيخ سلامات هاشم عن الجبهة الوطنية، وأسس على إثره الجبهة الإسلامية (أي مبدأ تحرير مسلمي الجنوب بالكامل)، الذي كان بمثابة مبرر وجود جبهة تحرير مورو الإسلامية من الأساس !

وكما هو متوقع بعد توقيع اتفاقية السلام، انشق عدة أفراد وجماعات عن الاتجاه الجديد للجبهة الإسلامية، وتبنوا الخطاب الجهادي التقليدي المتأثر بأفكار قطب والمودودي وغيرهم، بل إن منهم من أعلن بيعته لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام !

إذاً نحن أمام حالة مختلفة تماماً عن الحالة الأولى، الحاج مراد إبراهيم، حالة ابتعدت تاريخياً وجغرافياً (ومن ثمّ فكرياً ومنهجياً) عن الإخوان المسلمين القدامى، فبدت حالةً أكثر تصالحاً مع النظام العالمي ومؤسساته، وحالة لا ترى الجهاد طريقاً ضرورياً لإعلاء كلمة الله، وتحاول اعتماد سبل النضال الدستوري في سبيل تمكين الدين الإسلامي، بل وحالة ستصبح قريباً عاملاً مساعداً مع وكلاء الاستعمار لاصطياد  المجاهدين "الأصوليين" وتسليمهم للمحاكمات.

بإمكاننا إذاً أن نتوصل لإجابةٍ عن السؤال الذي طرحناه في أول المقال، فنحن نستطيع أن نفرق بسهولة بين فترتين مختلفتين في إخوان مورو بشكل جوهري منهجياً وخطابياً، الفترة الأولى والتي اتسمت بالاتصال بتنظيرات الإخوان بشكل قوي، وهي فترة السبعينات والثمانينات، والفترة الثانية وهي الفترة التي اختلف فيها المنهج عن منهج البنا وقطب والمودودي، وهي التسعينات والألفية الجديدة.

والملاحظ في الفترتين وإلى هذه اللحظة أن الجبهة الإسلامية هي الممثل الوحيد لجماعة الإخوان المسلمين في جزر الفليبين، وهذا أمر إن دل على شيء فإنما يدل على التباين المطلق والواضح بين "أصولية" الإخوان القدامى و"حداثة" الإخوان الحاليين، وأن البناء المنهجي للإخوان الحاليين (إن وجد) لا يرتبط بالبنا وقطب والمودودي إلا من حيث الاسم فقط.

ولكن ثمة سؤال آخر تتركه لنا التجربة الفلبينية: إذا كان الإخوان الحاليون لا يعبرون عن تصورات البنا وقطب والمودودي، فما هي الأفكار الحالية الأقرب لمنهج هؤلاء ؟!