كتاب عربي 21

رؤية في الإصلاح في تونس: إدارة الدولة (1-5)

1300x600
الانتخابات القادمة في تونس ليست الانتخابات العشرين في تجربة ديمقراطية عريقة. هي انتخابات مؤسسة للتجربة مثل سابقتها، وهي الثانية التي من المفترض أن تكون حرة ونزيهة. إقامتها في حد ذاته كان تحديا أمام الردة على مسارات الديمقراطية في المنطقة خاصة في مصر. لكن أيضا رغبات بعض القوى المحلية في تونس خاصة منها التي تحن للنظام القديم لوقف المسار الديمقراطي عبر الدعوات المتكررة خلال كل أزمة أمنية بالدعوة لحل المؤسسات المنتخبة، في سياق الإيهام بأنه تقرر لها مدى زمني بسبب مرسوم أصدره رئيس غير منتخب تم تنصيبه بعد الثورة مباشرة، وإرساء حكام جدد غير منتخبين خاصة في قصر قرطاج بدون مدى زمني وتحت عنوان "التوافق". وبسبب الصعوبات الأمنية والاقصادية والكثير منها ترجع جذوره إلى النظام القديم تعود قوى هذا النظام للبروز ومحاولة العودة إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع. بمعنى آخر هذه الانتخابات هي إحدى آخر المعارك، وليست حتى آخرها، لإقرار الديمقراطية واستقرارها في تونس وليست انتخابات أخرى في سياق تنافس سياسي تقليدي مثلا بين اليمين واليسار. فهناك يسار واحد الآن في تونس وهو الدفاع عن الديمقراطية، أما اليمين فهو محاولات الانقلاب عليها حتى لو تلبس ذلك اليمين بـ "التقدمية" و"الحداثة". وعليه لن تكون هذه الانتخابات أساسا حول برامج اقتصادية واجتماعية للأسف بل على خلفية صراع سياسي عميق داخل النخبة السياسية والمجتمع. 

يبقى أن الواقع يتمثل في أن التجاذب السياسي الحاد يخفي حاجة ملحة لتقديم برامج إصلاحية أحيانا هيكلية للخمسة سنوات القادمة. إذ الصراع من أجل ترسيخ الديمقراطية لا يمكن أن يخفي الحاجة الملحة وغير القابلة للتأخير للبدء في إصلاحات فورية على أكثر من مستوى. وهنا سأحاول عرض رؤية في ذلك تمثل الحزب الذي أنتمي إليه أي حزب المؤتمر من أجل الجمهورية. إذ إن من أدوات إنقاذ الديمقراطية إنقاذ الدولة والاقتصاد. إذ إن جوهر معارك السياسة ليس ضرورة في السياسة على المدى الاستراتيجي. 

في هذا المقال الأول سأركز على المحور الأول أي الدولة ذاتها، وهي الأداة الرئيسية لتفعيل السياسات العامة. فيما يلي بعض مستويات الإصلاح الضرورية التي نعتقد في المؤتمر أنها ضرورية:
أولا، حكومة مصغرة بعشرين وزارة على أساس إعادة تنظيم العمل الحكومي وفق سبعة أقسام حسب الاختصاص (الدفاع والأمن، العلاقات الخارجية، الاقتصاد، الشؤون الاجتماعية، التنمية البشرية، التنمية المستدامة، العدالة). وعليه هناك حاجة لإصلاحات في هياكل الوزارات المختلفة على سبيل الذكر لا الحصر إحالة الشؤون الجهوية من وزارة الداخلية إلى وزارة التنمية الجهوية، ودمج وزارة التعاون الدولي في وزارة الخارجية. 

ثانيا، فيما يخص مقاومة الفساد هناك ثلاثة توجهات أساسية ضرورية الآن: التدقيق في حسابات عشريتين على الأقل للمؤسسات العمومية التي تتسبب في خسارة خاصة منها المشرفة على الوضع الطاقي حيث لدينا أكبر نزيف في الميزانية، مشاريع قوانين يتم تقديمها في المئة يوم الأولى وبعضها حاولت تقديمه كتلة المؤتمر منذ سنتين ولم تتحصل على أغلبية (مثلا قانون الاثراء غير الشرعي) بالتوازي مع مراجعة ترسانة القوانين التي تم إرساءها قبل الثورة وساهمت في حماية الفساد، وأخيرا إعادة هيكلة المنظومة القضائية والرقابية بما يقوي استقلاليتها وقدرتها على الحسم. 

 ثالثا، إرساء اللامركزية التي تم إقرارها دستوريا والتي تستجيب لمطالب أجزاء واسعة من التونسيين خاصة في المناطق الداخلية والتي تركز ديمقراطية أكثر قوة عبر ترسيخها في أطر محلية. وهنا جزء من المسار لا تقرره الحكومة أو مجلس الشعب وحدهما لكن هناك إجراءات تنفيذية وتشريعية يمكن أن تكون شروطا أساسية لإرساء لامركزية ناجعة. ومن أول الخطوات هو البدء بانتخابات بلدية في أسرع وقت (كنا في المؤتمر دعونا إلى إقامتها مباشرة بعد الانتخابات السابقة مباشرة اذ بالنسبة لكثير من المواطنين "السلطة" هي السلطة البلدية وغيابها الفعال أثر على علاقة المجتمع بالسلطة الجديدة). وصياغة جديدة لمفهومة "الجماعة المحلية" سواء عبر توسيع مجالها لتضم المجال الريفي مع الحضري أو تركزها في المدن الكبرى بما يجعلها أدوات فعالة لجلب الاستثمار. وعلى هذا الأساس المصغر يمكن بناء الأطر اللامركزية الأكبر خاصة منها الإقليم. تعريف الأخير ستعتمد معايير ثابتة ودولية (مجالات متعددة الاختصاص تجمع مناطق داخلية بأخرى ساحلية أفقيا) يبقى أن تحديدها بدقة يستوجب استشارات موسعة. 

رابعا، إصلاح المنظومة العقارية حيث على سبيل الذكر لا الحصر "الأراضي الاشتراكية" (أراضي العشائر والقبائل) تمثل عوائق حقيقية أمام تفعيل برامج التنمية خاصة في المناطق الأكثر تهميشا. وهنا من الواضح أن تقوية هياكل وادوات المحكمة العقارية طريق أساسي لتصفية هذا الموضوع وهو ما يمكن أن يتم في ظرف خمس سنوات. 

خامسا، الحوكمة الرشيدة والاستثمار. إذ من بين أهم مشاكل الاستثمار خاصة منه الوطني (هناك أولوية لما هو وطني في الفصل العاشر من الدستور) عوائق بيروقراطية كانت تساهم في عهد الاستبداد والفساد في تعسير مسار المستثمر النظيف لجعله فريسة أمام العائلة الحاكمة. هناك أربعة مستويات أساسا من الحكومة الرشيدة لتيسير الاستثمار: الإحاطة والمساندة (مثلا تشخيص المشاريع في إطار المنظومات الاقتصادية بالجهات وتنظيم التظاهرات للتعريف بهذه المشاريع وبإمكانيات التمويل المتوفرة)، والتشريعات (مثلا مراجعة الإجراءات الإدارية المتعلقة بالرخص وبآجال إجابة الإدارة)، والتمويل (مثلا الترفيع في سقف قروض المال المتداول المسند على التوالي للحرفيين وللمؤسسات الحرفية من أربعة آلاف دينار إلى سبعة آلاف دينار بالنسبة للحرفي كذات طبيعية ومن 10 آلاف إلى 15 ألف دينار للذوات المعنوية)، والتنظيم الإداري (مثلا تجميع الهياكل التي تعنى بالاستثمار خصوصا على المستوى الجهوي). 

هذه بعض مجالات إصلاح الدولة في مدى الخمس سنوات القادمة. في بقية الأجزاء سأتعرض تباعا لتطوير القطاعات الانتاجية والسياسة الاجتماعية والتنمية البشرية والتنمية المستدامة والعدالة والثقافة والامن والعلاقات الخارجية.