كتاب عربي 21

الجوهر الحقيقي للاستقلال

1300x600
في عام 1936م عقدت مصر مع إنجلترا – التي كانت تحتل مصر – معاهدة أطلق عليها معاهدة "الإستقلال".. ويومها اختلف عدد من كبار المفكرين حول معنى وجوهر هذا الاستقلال.. فاكتفى البعض بتحقيق الاستقلال السياسي – العلم والنشيد والعضوية في المنظمات الدولية – مع بقائنا تابعين لأوربا في الحضارة، حلوها ومرها، خيرها وشرها، ما يحب منها وما يكره، ما يحمد منها وما يعاب .. ولقد دعا البعض إلى أن نسير سيرة أوربا في الحكم والإرادة والتشريع، باعتبار أن ذلك كله من مستحقات "الاستقلال"!.

لكن، على الجبهة الأخرى، كان هناك من تحدث عن ضرورة "الاستقلال الحضاري" – استقلال المدنية والقانون والتشريع – والذي يمثل الجوهر الحقيقي للاستقلال.. وفي هذا المعنى كتب فقيه الشريعة والقانون الدكتور عبد الرزاق السنهوري (1313 – 1391 هـ ، 1895 – 1971م) يقول: "إننا في هذا العهد الجديد، عهد الاستقلال، يجب علينا أن نستقل بفقهنا، فلا نبقى عيالا على الفقه الفرنسي.. يجب أن نقدم للعالم فقها مصريا – كما صنع الفرنسيون والألمان – فنساهم بذلك في حركة الفقه العالمية.. إننا أمة صاحبة فقه قديم، وقد أظلت سماء هذه البلاد على مدى قرون طويلة شريعة من أقوى الشرائع نظاما وأصلبها عودا، هي الشريعة الإسلامية، فما بالنا نتنكر لها اليوم، وقد وسعت في الماضي إمبراطورية من أكبر وأضخم الإمبراطوريات التي عرفها العالم.

إن الشريعة الإسلامية بشهادة فقهاء الغرب أنفسهم من أكبر الشرائع العالمية، ولم يعرف العالم شريعة أوسع انتشارا وأرسخ أساسا إلى جانب الشريعتين الرومانية والإنجليزية مثل الشريعة الإسلامية. 

فما بال الغريب يعرف هذا هذا الفضل ونحن ننكره؟!

وما بال هذه الكنوز تبقى مغمورة في بطون الكتب ونحن في غفلة عنه، نتطفل على موائد الغير ونتسقط فضلات الطعام؟!.

إن مهتمتنا - في الفقه – ليست عسيرة، فنحن لا نحتاج فقها جديدا، لأن فقها قديم موجود، وعلينا إن نأخذ في دراسة الشريعة الإسلامية طبقا للأساليب الجديدة، وأن نقارن بينها وبين شرائع الغرب، وإني على يقين بأننا سنجد من ذخائر الشريعة الإسلامية من المبادئ والنظريات ما لا يقل في رقي الصياغة وفي إحكام الصنعة عن أحدث المبادئ والنظريات وأكثرها تقدما في الفقه الغربي.

ومتى تمت لنا دراسة الشريعة الإسلامية ومقارنتها بالشرائع الغربية على هذا الأسلوب الجديد، أمكننا أن نطالع العالم بفقه مصري له طابعه الخاص وله مقوماته وأدلته الذاتية، فإن الشريعة الإسلامية هي شريعة الشرق ووحي احكامه، ومتى ألفنا بينها وبين الشرائع الغربية، فروح من الشرق وقبس من نوره يضئ طريقنا للمساهمة في نهضة الفقه العالمية.

يجب ألا نكرر الخطأ الذي وقعنا فيه في القرن التاسع عشر، فنقصي الشريعة الإسلامية، التي هي مصدر خصب لتشريع يوضع لبلاد شرقية عربية.. وإن هناك من مبادئ الشريعة الإسلامية ما لو أدخل في القانون المصري لعد متقدما على الشرائع الغربية..
إن مصر الآن في مفترق الطرق، فهي بين الشرق والغرب يتنازعها الجانبان، وهي بعد أن استقلت ينبغي أن ترسم لنفسها خطة تسير عليها.

هل هي تريد أن تميل إلى جانب الغرب، وأن تستعير المدنية الغربية فتلبس ثوبا غير ثوبها، وتقلد مدنية غير مدنيتها، فتبقى متخلفة عمن تقلده، وتقنع من كل ذلك بالإنتماء إلى المدنية الغربية ذات الصولة والبأس؟ أم تريد أن ترجع إلى أحضان الشرق دون أن تجافي المدنية الغربية، وتحتل مكانها بين البلاد العربية فترفع لواء الشرق العربي بين أمم الغرب، فإذا مصر المستقلة وحولها أمم يغضبون إذا غضبت ويرضون إذا رضيت؟..

فلنرجع في ثقافتنا القانونية إلى الفقه الإسلامي، ولنجعل من هذا الفقه صلة بيننا وبين سائر الأمم العربية لنوثق روابطنا بهذه الأمم، فنحن أمة شرقية، ولنا ماض مجيد في زعامة الشرق، فمن الخير أن نصل حاضرنا بماضينا، وأن نتعاون مع جيراننا الأقربين ونحن إخوانهم في اللغة والدم".

هكذا تحدث السنهوري عن الإستقلال الحضاري - في المدنية والفقه والتشريع – باعتباره الجوهر الحقيقي للإستقلال.