قضايا وآراء

العدالة أو الانفجار ..العراق نموذجا (1-3)

1300x600
استيقظ العالم علي زلزال سياسي من نوع جديد حيث أذاعت كل وكالات الأنباء نبأ استيلاء داعش علي مساحات شاسعة من ارض العراق وان الجيش فر أمام هذه الجماعات المسلحة تاركا عتاد عسكري كبير ومتنوع ما بين دروع وطائرات وأسلحة خفيفة ..

تلقت القوي العالمية هذه الأخبار بشئ من الصدمة والدهشة كما أحجم المتابعون عن التعليق لوجود أزمة معلومات من ناحية ولحساسية الموقف في العراق وتعقيده من ناحية أخري.

تكشفت بعد أيام قليلة بعض المعلومات التي تسمح بسبر أغوار المشهد وتفكيك أجزاءه تمهيدا لتناوله بالدراسة والتحليل ودراسة شبكة التأثير والتأثر وفق المحاور الآتية :
1- الأوضاع الداخلية
2- الأجندات الإقليمية
3- التجاذبات الدولية 

أولا:الأوضاع الداخلية 
شهد العراق وضعا سياسيا متأزما منذ أن شغل الرئيس العراقي السابق صدام حسين العالم أجمع إبان توليه السلطة عام 1979م حيث دخل بعدها بعام حربا مع الجارة إيران استمرت ثمان سنوات 1980-1988 ثم دخل بعد انتهائها بأقل من عامين حرب أخري عندما احتل الكويت في العام 1990 واجبر علي تركها عام 1991 بعد عملية عاصفة الصحراء التي نفذتها أمريكا وقوات التحالف الدولي ضد القوات العراقية الغازية.

 فرض بعدها حصار اقتصادي خانق لمدة 13 عام ثم دخلت القوات الأمريكية والبريطانية إلي العراق في العام 2003 وتم حل الجيش العراقي وتعيين حاكم عسكري أمريكي ثم اعتقال صدام وإعدامه في 30ديسمبر 2006 أول أيام عيد الأضحى.

خلال هذه الفترة لم يهنأ الشعب العراقي بأي نوع من أنواع العدالة والمساواة كما غابت مفاهيم حقوق الإنسان والحريات العامة و دولة القانون فقد كان يعيش بين ثلاثية الاستبداد الشهيرة التخلف والجهل والمرض أضاف إليها صدام بعض السياسات الفرعونية السائدة في كل الأنظمة الشمولية كالفرقة والبطش والاستخفاف والاستعباد مما خلف شعبا علي ما يتمتع به من ثروات فقير وما يملكه من مقومات حضارية وتاريخية ودينية وتنوع ثقافي ومعرفي مشتت ومفرق وممزق.

المسألة الطائفية 

يري علماء الانثروبولوجي أن المجتمعات التي تتكون من اثنيات متعددة هي في الحقيقة مجتمعات هشة وغير متماسكة لا سيما إذا اتسمت تلك المجتمعات بالحكم الشمولي والسلطوي وغاب عنها الوعي السياسي وعدم الانخراط في الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني بل يذهب بعضهم إلي القول بان التغييرات المفاجئة التي حدثت في بعض الدول العربية ساهمت بشكل كبير في عودة الانتماءات الجماعية المبنية على الهوية التقليدية وأواصر تضامن ما قبل الدولة القُطرية. فالفرد عاد، في لحظات الأزمة والشك وعدم اليقين وعدم الثقة في المستقبل، إلى ما يضمن له نوعًا من الحماية والاطمئنان. إنها أنظمة حكمت المجتمع بيد من حديد على مدى عقود مكرِّسة الفكر الأحادي، مما خلق فراغًا في الوعي السياسي لغياب أحزاب حقيقية ونقابات ومجتمع مدني يساهم في بناء هوية سياسية مبنية على علاقات تحددها برامج سياسية ومصالح مشتركة بين المنتمين إليها مع تكريس لتقاليد ديمقراطية. ولما انهارت هذه الأنظمة وجد الفرد نفسه وحيدًا في مواجهة المجهول لذا سيعود إلى الهويات التقليدية الجاهزة: اجتماعية (إثنية-القبيلة)، أو دينية (السلفية وغيرها من الحركات الدينية أو الصوفية (او الشيعة)). ومن الطبيعي في مثل هذا المناخ ستطفو على السطح الأقليات القبلية والإثنية التي ستحاول الدفاع عن مصالحها وسط مرحلة انتقالية غير واضحة المعالم.

ولا شك أن الشعب العراقي بتكوينه (الاثني والقبلي) لا يبتعد كثيرا عن هذا التحليل النفسي الذي يبدو منطقيا اذا طابقنا بين المقدمات والنتائج ,إذ يتكون الشعب العراقي من ثلاث مكونات رئيسية سنة وشيعة وأكراد كانوا سواسية في تلقي الظلم والبطش من النظام البعثي ولعل أصداء هذا القمع صادفت رضا في بعض الأوساط علي اعتبار أن (العراق ارض الفتن ولا يصلح معه إلا السيف) هذا ولا شك مبدأ فرعوني تبريري يهدف الي تهيئة الأجواء لاستقبال جرائم القتل والسحل والتشريد بنوع من الرضا والطمأنينة لرعاية الحاكم لمؤيديه وأبوته لهم  (إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد).

 لم يكن صدام طائفيا بقدر ما كان مستبدا يقمع الاحتجاجات بالقوة المفرطة ويمارس سلطاته بالحديد والنار نعم حافظ علي وحدة الدولة فترة من الزمان تحت هواجس أهمها (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) و(نحن أمه مستهدفة من أعداء الخارج وخونة الداخل) الأمر الذي مزق النسيج الوطني ومهد للاستقطاب السياسي الحاد وجعل البيئة مواتية لنوازغ الطائفية وقد أستغل الاحتلال الأمريكي استخدام هذا الملف للولوج من باب أفغنة المجتمع العراقي تمهيدا لاستمرار النفوذ العسكري والسياسي إلي الأبد وقد بدأ التقسيم الطائفي مع دخول القوات الأمريكية إلي العراق باستخدام مصطلحات من قبيل المثلث السني والمقاومة السنية وغيرها الأمر الذي قاد إلي التجييش الطائفي ضد السنة فظهرت ازرع عسكرية تقاتل إلي جانب أفكار وأيدلوجيات ضيقة علي حساب سلامة الوطن ووحدة أراضيه. 

الممارسات التنافسية والصراع علي حشد دعم كتل تصويتية لمشروعات سياسية مختلفة دعما للنفوذ السياسي الطائفي الذي عمقته المحاصصة الطائفية لمنصب الرئاسة ورئاسة الوزراء ورئاسة البرلمان أفرزت ثلاث قوي رئيسية في المجتمع العراقي :- 

الأولي : الشيعية وهي كتلة غير متجانسة تتكون من جماعات متعددة لكل منها حساباته السياسية أحيانا والعشائرية أحيانا أخري إلا أن هذه الحسابات لم تخرج الجميع من كونه يفكر بأسلوب طائفي فمثلا علي الرغم من أن المالكي قاد حملة عسكرية علي جيش المهدي الذي أسسه مقتدي الصدر في البصرة بعد إعلان الصدر معارضته لسياسات المالكي ووصفها بالدكتاتورية إلا انه عندما تحالف مع برزاني والقوي السنية لسحب الثقة من المالكي في البرلمان لم يفوته أن يعلن أن الأكراد والسنة وافقوا علي تولي رئيس وزراء شيعي بعد الإطاحة بالمالكي . 

وقد عزز الشيعة نفوذهم في العراق بعد أن اختير المالكي لرئاسة الحكومة وبسط سيطرته علي كافة مفاصل الدولة واستدعاء مصطلح محاربة الإرهاب الذي أصبح كلمة السر في ضمان العون الدولي وغض الطرف عن جرائم انتهاك حقوق الإنسان.
 وفي الحقيقة أن المالكي أفصح عن حربه الطائفية بقوله أمام تجمع شيعي في كربلاء واصفا ما يجري  علي انه "جيش علي يحارب جيش يزيد" أما المرجعيات فقد استنفرت الشيعة ودعتهم إلي حمل السلاح لقتال السنة وحماية الأماكن المقدسة ولا يخفي علي احد أن
الشيعة يمتلكون عدة فيالق مقاتلة تتمتع بتسليح وتدريب عالي المستوي منها :
• التيار الصدري وجيش المهدي : الذي يرأسهما مقتدى الصدر ويشكل أنصاره أعدادا كبيرة جداً في مدن جنوب ووسط العراق أبرزها مدينة الصدر في بغداد والناصرية والعمارة والسماوة وبنسب متفاوتة في النجف وبعض مناطق بغداد والبصرة وواسط و ديالى
• المجلس الأعلى للثورة الإسلامية : يتألف من فيلق بدر الذي تأسس من العراقيين في الداخل غير المنتمين أصلا إلى فيلق بدر أثناء تواجده في إيران وهناك أيضا عدد من المنظمات الشيعية المرتبطة بشكل أو بآخر بالمجلس الأعلى منها القواعد الإسلامية ومنظمة 15 شعبان وحركة حزب الله 
• عصائب أهل الحق : وهو تنظيم عسكري ومدني يقوده قيس الخزعلي انشق عن التيار الصدري .

الثانية:السنة الذين شعروا منذ غزو العراق بالاضطهاد والتمييز لا سيما بعد التقاء المشروع الصفوي الأمريكي علي إزاحة صدام العدو الرئيسي للجمهورية الإسلامية وتدمير الجيش العراقي القوه الأكثر تدريبا وجاهزية في الوطن العربي كما ساعدت المرارات التي تركها صدام و خلفيته السنية في تأجيج روح الانتقام والثأر من السنة الذين كان لهم دور كبير في تشكيل الرافعة الجماهيرية والسياسية لصدام هذا بالطبع من وجهة النظر الشيعية الأمر الذي جعل الساحة العراقية تبدو كساحة حرب باستهداف سياسيون ورجال دين وشخصيات عامه فضلا عن أعمال العنف التي راح ضحيتها الآلاف من الطرفين وأصبح كل طرف يحمل الطرف الأخر المسئولية.

 تمكن الطرف الشيعي ممثل في رئيس الوزراء نور المالكي من بسط سيطرته الكاملة علي مقاليد الأمور وإحكام قبضته علي مفاصل الدولة بل وصل الأمر إلي طرد نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي من العراق وملاحقته قضائيا بتهمة دعم الثوار السنة وفي تقديري أن الفاعل الأساسي في تسخين الساحة العراقية هو الاحتلال وإيران بهدف بسط السيطرة والنفوذ من جهة وتأمين موارد الطاقة من جهة أخري في غياب تام لرؤية واضحة لما ينبغي فعله من دول الجوار السنية الأمر الذي دفع القوي السنية في العراق إلي تطوير ذاتها ورفع كفاءة مجموعاتها الجهادية التي كانت معدة بالأساس لحرب القوات الأمريكية الغازية حتى بات للسنة جماعات مسلحة أهمها وفقا لبيان هيئة علماء مسلمي العراق:

- ثوار العشائر، وهم مستقلون، دفعهم الشعور بالظلم الواقع عليهم من النظام إلى الانخراط بالثورة، هدفهم الدفاع عن أنفسهم، ورفض الاهانة التي لحقت بهم من دون مراعاة للأعراف العشائرية التي تحكم العراق.
- فصائل المقاومة العراقية الكبرى على غرار "جيش الراشدين"، و"جيش التابعين"، و"كتائب ثوار العشرين"، و"جيش محمد الفاتح"، وغيرها... وهي فصائل قاومت الاحتلال الأميركي، وبعد خروجه توقف نشاطها خوفاً من أن يقتل العراقي أخاه العراقي، ولإعطاء فرصة لإصلاح الأمر من دون قتال، لكنهم عادوا بعدما تأكد لهم أن المالكي ليس صاحب أجندة وتوجهات عراقية، بل هو مرتبط بأميركا وإيران، وتعتبر هذه الفصائل القوى الأكبر في الثورة اليوم.
- المجلس العسكري لثوار العراق، تأسس أثناء أحداث الأنبار، وأصبح ممثلاً في العديد من المحافظات العراقية، وينشط فيه ضباط مستقلون خدموا في الجيش العراقي السابق.
- تنظيم الدولة الإسلامية في الشام والعراق "داعش"  

الثالثة:الأكراد وهم عرقية لها مطالبها التاريخية في الاستقلال وقد بدأت مشكلتهم في العصر الحديث  

عند اصطدام الدولتين الصفوية والعثمانية عام (1514م) في معركة جالديران التي كانت كبيرة وغير حاسمة، كان من اهم نتائجها تقسيم كردستان عملياً بين الدولتين الصفوية والعثمانية تلها عدة معاهدات واتفاقيات كرست هذا القسيم وعمقت من مشكلة الأكراد وبات الوجود الكردي يتوزع على خمس دول تتقاسم المشكلة الكردية بنسب متفاوتة وهى بترتيب أهميتها: تركيا، العراق، إيران، أرمينيا، سوريا.
ويعد وضع الأكراد في العراق الوضع الأفضل حيث يتمتعون بحكم ذاتي في إطار فدرالي بعد سقوط نظام صدام حسين ويتقاسمون السلطة والثروة وتعد المناطق الكردية آمنه ومستقره إذا ما قورنت بغيرها من الأقاليم العراقية الأخرى وفي إطار الحفاظ علي هذه الامتيازات في بلد مفكك ومقسم تم تشكيل قوه عسكرية من أفراد تابعين للحزبين الرئيسيين في الإقليم أطلق عليها "قوة البشمركة"