مقابلات

العاني: كل حراك يحقق الحرية والكرامة لصالحنا جميعا

محمد العاني المدير العام لمؤسسة "مؤمنون بلا حدود" - عربي 21
العاني:  ليس لدينا اهتمام بالشأن السياسي ولسنا طرفاً في أية خصومة فكرية

دافع محمد العاني، المدير العام لمؤسسة "مؤمنون بلا حدود" للدراسات والأبحاث، بقوة عن الهدف البحثي المحض لمؤسسة "مؤمنون بلا حدود" نافيا أي صلة فكرية أو سياسية بحزب معين أو دولة أو جهة سياسية ما، وأكد العاني في حواره مع "عربي21" أن كل ما هنالك هو اشتغال "خارج إطار البحوث والرؤى الدينية التقليدية بمختلف أطيافها وتجلياتها، سواء الإسلام السياسي أو الرسمي أو الشعبي"، وانهم إنما يطرحون مواضيع ثقافية وفكرية دون خلفية قومية أو ليبرالية أو غيرها.

 وعن ميزانية "مؤمنون بلا حدود" التي يراها البعض كبيرة وسخية بالنظر للأعمال المنجزة، رفض المدير العام للمؤسسة ذي الجنسية السورية، تقديم رقم مضبوط على الرغم من سؤالنا الصريح، مكتفيا بالقول "أما ما يخص الميزانية، فلو كشفنا هذا الموضوع، فسوف يسبب صدمة للكثيرين"، ملمحا على ضعفه بالنظر للأعمال المنجزة.

 أما عن استهداف المؤسسة لما يعرف بحركات الإسلام السياسي، فنفى الأستاذ الباحث بالمؤسسة أن يكون فيما يقومون به أي استهداف أو تهجم على جهة معينة، العاني ذكر في هذه المقابلة أيضا أن خروج المؤسسة لا صلة له بالارتداد عن الربيع العربي وأن فكرتها سابقة عليه، بل رحب بكل ربيع فيه الحرية والكرامة والعدالة لشعوبنا العربية والإسلامية.

وعن اختيار المغرب دون غيره من الدول العربية مقرا ل "مؤمنون بلا حدود" قال الرأس الأول في المؤسسة إن ذلك جاء بسبب ما " لمسناه من وجود تيار كبير من الباحثين المهتمين بالطروحات التجديدية والنقدية، فعقدنا العزم على اتخاذ مقر للمؤسسة في المغرب".

 وفيما يلي ينص المقابلة:

* كيف تردون على من يربط سياق خروج "مؤمنون بلا حدود" لحيز الوجود سنة 2013 بموجة الارتداد عما يعرف بالربيع العربي، وهل لكم من موقف حول واقع الربيع العربي اليوم؟

انبثقت فكرة المؤسسة من خلال حاجة ثقافية وفكرية لوجود بديل آخر خارج الإطار البحثي والأكاديمي للتيارات الفكرية الإسلامية التقليدية والسياسية، وخارج التيارات المعرفية الأخرى ذات التوجهات المختلفة، سواء العلمانية أو القومية أو الليبرالية أو اليسارية.

نحن لم نصنع هذا البديل، فأفكار الإصلاح الديني ونقد الموروث، وطرح رؤية تجديدية للدين موجودة منذ نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر مع الأفغاني ومحمد عبده وغيرهم...ما فعلناه هو إتاحة حاضنة علمية لحوار هذا الأفكار، وما يتبع ذلك من نقد وتحليل وتركيب ودعم للباحثين وترويج لهذه الأفكار.

أما اسم المؤسسة، فهو بحد ذاته يعبر عن إشكالية حقيقية ليس في الفكر الديني فقط، وإنما لدى كل إنسان يعلي من قيمة المعرفة والعلم والعقل، وفي الوقت نفسه لا يريد التنكر للمعطى الإيماني، بل يريده حافزاً ومسانداً لرشده العقلي. تستشف "مؤمنون بلا حدود" أيضاً إشكالية العلاقة مع الآخر الذي نتشارك معه بالقيم الإنسانية والكونية مع اختلاف الانتماء الديني والعقائدي، وتفكيك الحدود التي صنعتها تعريفات الإيمان السائدة، والتي أحدثت شرخاً عميقاً بين العالم الأخلاقي الإنساني الذي نريده وبين العالم الأيديولوجي الذي نعيشه. ولا نعني هنا الأيديولوجيا الدينية فقط، وإنما الأيديولوجيا العلموية والعرقية والحزبية أيضاً.

وبالتالي، فإن المؤسسة تبتغي في جوهر رؤيتها تجلية العلاقة والتوفيق، دون تلفيق، بين العلم والدين والأخلاق والإيمان؛ فالإنسان غالباً ما يعيش هذه العوالم كلها منفصلة ومتباعدة عن بعضها البعض، فإذا ما أراد تصحيح هذه العلاقة بناء على التصورات الثقافية السائدة فسيخلص إلى نكران بعضها لحساب البعض، ويقع في فخ التركيبات المؤدلجة سواء كانت علموية أو دينية. 

أما بخصوص سنة تأسيس مؤسسة "مؤمنون بلا حدود"، فهي لم تتأسس سنة 2013. فقد بدأ نشاطها المنظم الأول في 18 مايو (أيار) 2012 بندوة في مدينة المحمدية في المغرب عنوانها: "الإصلاح الديني والتغيير الثقافي نحو رؤية إنسانية"، ولكن التحضير لفكرة المؤسسة والتخطيط لاستراتيجيتها بدأ منذ نهايات العام 2010، حيث بادر الأستاذ يونس قنديل، ولاسيما من منظور فلسفي، إلى طرح مفهوم "مؤمنون بلا حدود" وبلورة الفكرة من خلال نقاشات وتخطيط مطول بيني وبينه حول ما يمكن عمله في مجال البحوث والدراسات الدينية وتطوير الفكر النقدي والتجديدي. وبعد اتضاح الرؤية بشكلها العام وعمقها الإنساني الديني؛ بدأنا بلقاءات ومشاورات مع العديد من الباحثين والمفكرين إلى أن استقرت استراتيجية العمل ومراحلها بشكل جيد، وجاءت الندوة الأولى في المحمدية منتصف العام 2012 كجهد منظم لهذا العمل. وبعد ذلك ومن خلال ما لمسناه من وجود تيار كبير من الباحثين المهتمين بالطروحات التجديدية والنقدية، عقدنا العزم على اتخاذ مقر للمؤسسة في المغرب، وتفعيل العمل البحثي وتجهيز منصة إلكترونية لنشر هذه الأعمال، فافتتحناها في المؤتمر السنوي الأول منتصف العام 2013.أما ما يتعلق بالموقف من ثورات الربيع العربي، فإن كل حراك يحقق الخير والحرية والعدالة والكرامة للشعوب العربية يصب في مصلحتنا جميعاً. 
 
* اعتبر أكثر من باحث ومحلل أن هدف مؤسستكم غير المعلن هو مواجهة ما يعرف بحركات الإسلام السياسي وإن قدمتم أنفسكم بلبوس علمي، كيف تعلقون على ذلك؟

ليس لدينا اهتمام أو تعاط مع الشأن السياسي، وإنما نناقش ونطرح مواضيع ثقافية وفكرية تتناول الفكر الديني التقليدي والسائد بمختلف توجهاته، والإسلام السياسي أحد هذه التوجهات. ولو نظرت إلى مضمون الدراسات التي تنشرها المؤسسة وعناوينها؛ فهناك أربعة مشاريع بحثية: مشروع عن فلسفة الدين، ومشروع حول مفهوم الإيمان، وآخر عن المعتزلة، ومشروع حول سوسيولوجيا الإسلام، وهذه كلها لا علاقة لها بالإسلام السياسي. لقد نظمنا حوالي 25 ندوة، منها أربع ندوات فقط لها علاقة بالإسلام السياسي من الناحية الثقافية والفكرية، ونسبة الدراسات والأبحاث التي تتناول ثقافة وفكر الأحزاب الإسلامية أو الإسلام السياسي بشكل عام لا تتجاوز 10% من إجمالي ما ننشره من دراسات ومقالات وكتب.

حقيقة، لا أرى أن هناك صراعاً أو هجوماً، ولسنا طرفاً في أية خصومة فكرية. هناك بعض الانتقادات أو الملاحظات، ومعظمها لا يتعلق بالأمور العلمية والبحثية، وهناك العديد من المحسوبين على تيار الإسلام السياسي شاركوا في عدة ندوات نظمتها المؤسسة.

لا نقدم أنفسنا بلبوس علمي، فدراساتنا تُعنى، على نحو منهجي ومنضبط أكاديمياً، بقضايا التجديد الديني، والغايات الإنسانية للدين، ونعلي من قيمة العقل والعلم في البحث، وتدعو معظم منشوراتنا للحرية والديمقراطية بمعناها العميق وليس السياسي السطحي، ونركز على الإيمان كسند حقيقي للالتزام الأخلاقي والقيمي.

* تثار ملاحظات قوية أيضاً حول مصادر التمويل المالي للمؤسسة الذي يبدو لهم سخيا من خلال ما تقدمون عليه من أعمال كبيرة في ظرف سنة واحدة، ما تعليقكم، وماهي الميزانية المرصودة للمؤسسة في السنة، وماهي الجهات أو المؤسسات التي تمول كل أعمال "مؤمنون بلا حدود"؟

من السهل أن أجيبك وبكل بساطة بأنه لا علاقة لنا بأية جهة سياسية، ولكنني أريد تجلية بعض النقاط لمن لا يعرف طبيعة عمل المؤسسة ونشاطها، أو لديه لبس ما.

فإن كان المقصود منه التدليل على أننا نعمل لصالح جهات معينة، فليس لدينا من توضيح بهذا الشأن سوى ما ننشره من أعمال وما ننظمه من نشاطات لا تمت بصلة لأي توجه سياسي في أية دولة عربية.

إن طبيعة العمل نفسه هي التي تبين وتفصل في هذا الموضوع، والمشتغلون في حقل التجديد والإصلاح الديني كُثر، وهذا ما وجدناه حقيقة في كل الدول العربية. عندما تتمكن مؤسسة من إنجاز هذا الكم الكبير من الدراسات والكتب والندوات، شارك بها مئات الباحثين في غضون سنة واحدة، فهذا لا يعني أنهم صنيعة المؤسسة، هم موجودون بالفعل ولكننا قدمنا لهم الفرصة المناسبة لتخرج أعمالهم إلى النور.

إذن سؤال العلاقة بجهات ما لا يعكس اتهاماً حقيقياً، وإنما ربما يعكس هاجساً سياسياً لدى البعض، ومن الخطأ إسقاط الرؤى والاصطفافات السياسية على واقع المؤسسات البحثية التي لا تعمل على الأبحاث والدراسات السياسية.

تمويل المؤسسة مستقل، ويتحمل العبء الأكبر فيها الباحث ورجل الأعمال الأستاذ يونس قنديل، والأجزاء الأخرى تأتي من شركة دال للإنتاج الإعلامي التي تمتلكها مؤسسة مؤمنون بلا حدود في القاهرة، وهي شركة تجارية ربحية، إضافة لما يأتي من دخل كتب ومنشورات المؤسسة، وبعد ظهور المؤسسة للعلن، بدأ يأتي للمؤسسة هامش بسيط من قبل بعض أصدقاء الأستاذ يونس قنديل المؤمنين بالفكرة وضرورتها. والمؤسسة مفتوحة لمناقشة أية تبرعات غير مشروطة.

أما ما يخص الميزانية، فلو كشفنا هذا الموضوع، فسوف يسبب صدمة للكثيرين لو تمت مقارنته بحجم العمل المنجز، ولن يصدق أحد ما سنعلنه. وهنا أترك لك الإجابة، وأتساءل لو كانت هناك دولة تمول المؤسسة، فلماذا هذا التقشف الزائد، ومؤخراً عقدنا المؤتمر في فندق أربعة نجوم، وجمعنا أكثر من خمسين باحثاً في غرف مزدوجة لعدم قدرتنا على تكاليف الفنادق الكبيرة؟!.

* يسجل بعض الباحثين أن ما تحاولون الدفع به من مبدأ التجديد ضد التقليد هو في العمق خدمة للفقه السلطاني، وتقديم أفكار تخدم الاستبداد في النهاية، كيف تردون؟ 

لا أعرف ما هي العلاقة بين إنتاج الأفكار وخدمة الاستبداد؟ نحن لسنا حزباً سياسياً ولسنا جماعة أو دولة، نحن مؤسسة دراسات وأبحاث تعنى بالدراسات الدينية والفلسفية والإنسانية.

إن جوهر الاستبداد يخرج من رحم الجهل وقلة المعرفة والعلم، ومن محاربة حرية الفكر والاعتقاد والتعبير، ونحن بكل وضوح نعمل ضد الفكر الإقصائي والمتطرف، وضد استلاب جوهر الكينونة الإنسانية، وأعني هنا الحرية والوعي. وكل الدراسات التي ندعمها وننشرها تدفع بذلك، وتسند هذه الرؤيا بأفكار ومناهج وتصورات متعددة ومختلفة، وموقعنا مفتوح لمن يرغب في التأكد من ذلك، وليست لدينا دراسات سرية أو مخفية. 

نشتغل خارج إطار البحوث والرؤى الدينية التقليدية بمختلف أطيافها وتجلياتها، سواء الإسلام السياسي أو الرسمي أو الشعبي، ونرفض حشر البحث في القضايا الدينية في زوايا السياسة، وليس من الموضوعية أن يحول البعض موقفه السياسي ليصبح معياراً لتقييم العمل البحثي وجِدّته وعلميته. 

إذا كان هناك مَن لا يرضى عما ننشره من بعض الأعمال؛ فهذا أمر طبيعي ولا مشكلة فيه، ونأمل أن يتحول هذا الاعتراض إلى نقاش علمي وجاد.