مدونات

مبروك يا تونس الحضارة

صهيب عبد الرحمن
الحوارُ والتوافقُ مُجتمعيْن –بدلًا من الغلبة والإقصاء– هما الركن الضامن لنجاح عملية التحول من دولة الاستبداد إلى دولة الديمقراطية؛ وهذا هي كلمة السر في التجربة التونسية الحضارية!

على الرُّغم من أنّ النهضة أكبر كتلة سياسية في المجلس التأسيسي، وعلى الرَّغم من أنها تمسك بزمام السلطة التنفيذية بتفويض انتخابي، فإنها اختارت تقديم تنازلات كبيرة لخصومها السياسيين؛ وقرَّرت أن يكون انتصارها لمنطق التوافق، بدلا من منطق الغلبة، وللمصلحة العامَّة، بدلا من الحسابات الحزبية والفئوية الضيِّقة. وتمثَّلت البداية بوضع الشرعية الانتخابية جانبا والقبول بمبادرة الحوار الوطني، ثمّ بالتزام رئيس حكومة الترويكا علي العريض باستقالة حكومته إثر تشكيل هيئة للانتخابات، وهو ما جرى مؤخرا.

لقد ترجم خصوم النهضة هذه التراجعات ضعفا، عادِّين أنهم، وبإجبارهم الحركةَ على التراجع والخضوع لكلّ شروطهم، حقّقوا نصرا كبيرا، ورأوا أنّ النهضة ما كانت لتذعن لذلك لولا إصرارُهم وقدرتُهم على الحشد في الشارع. كما أنّهم عدُّوا النزول عند مطالبهم تأثُّرا بما جرى في مصر، سواء تعلَّق الأمر بإسقاط حُكم الإسلاميين أو تصنيف جماعة الإخوان جماعة إرهابية. هذا فضلا عن الضغط الذي تعرضت له الحركة عبر السفراء الأجانب -الأوروبيين تحديدا- من أولئك الذين بعثوا رسائل تنبيه عبَّرت عن مخاوفهم من تدهور الوضع الأمني وتراجع تصنيف تونس الاقتصادي؛ ما جعل النهضة تذعن، من وجهة نظر خصومها.

لكنّ حركة النهضة لم ترَ الأمر كذلك؛ إذ علَّق زعيمها راشد الغنوشي على إقرار الدستور بأنّ "حركة النهضة على رغم كل ما قدمته من تنازلات هي في الطريق الصحيح وليست مهزومة ما دامت تونس هي الرابح الأول من هذه التنازلات، فنحن إن خسرنا السلطة فإننا سنعود إليها ولكن إن خسرنا أمن تونس واستقرارها فستكون خسارة للجميع". ولا شكّ في أنّ حركة النهضة وفق هذا المنطق كانت الأكثر استفادة؛ فهي بظهورها بمظهر الحريص على المصلحة الوطنية الرَّحبة، بدلا من المصالح الحزبية الضيِّقة، زادت من شعبيتها، وحوَّلت غضب قواعدها إلى رضا. كما أنها، من جهة أخرى، سجَّلت بسلوكها هذا قطيعة نهائية بينها وبين المجموعات السلفية، وقدَّمت نفسها للداخل والخارج، على حدٍّ سواء، نموذجًا للحزب الإسلامي المتسامح والمعتدل.

وقد أدَّى الطرح التوافقي لزعيم النضهة الشيخ راشد الغنوشي دورا بارزا في توصيل تونس إلى بر الأمان، ولقد جاء هذا الطرح نتيجة للقراءة الموضوعية الواعية للتنوع الاجتماعي والفكري للمجتمع التونسي، ووعيت حركة النهضة الدرس المصري جيدا، وعلى هذين الأساسين جرى الاحتكام إلى حلول سياسية، في أُطُر توافقية، مع أكبر عدد ممكن من الأطراف السياسية والمجتمعية، بدلا من الاستسلام لشعور عابر بالغلبة، واستمراء السلطة، والاندفاع نحو سياسة الإقصاء والتهميش التي كانت سببا من أسباب فشل الإخوان المسلمين في مصر وانتصار الثورة المضادة. وكان لقوى المجتمع المدني دور بارز في إنجاح التجربة، وعلى وجه الخصوص ذلك الدور المتميِّز الذي لعب به الاتحاد العامّ التونسي للشغل في تقريب وجهات النظر بين الفرقاء السياسيين، وتغليب لغة الحوار والاحتكام إلى الحلول السياسية الوُسطى.

على الرَّغم من خصوصية التجربة التونسية، يجب على الساعين إلى التحول الديمقراطي في الوطن العربي والإسلامي تعلُّم الكثير من هذا المسار الذي جرى في دولة عربية، تشترك مع البلدان العربية والإسلامية في كثير من الأوضاع والقواسم. لهذا يصحُّ القول إنّ تصديق الدستور التونسي الجديد يُمثِّل منعطفا مُهمّا في عملية التحول الديمقراطي في المنطقة العربية، ويُمثّل، فضلا عن ذلك، رسالة مهمّة بشأن سُبل شروط نجاح أيِّ عمليةِ انتقال سياسيٍ في إطار توافقي يعترف بجميع حقوق المواطنين المتساوية في تقرير مستقبل بلدهم.

فمن تونس بدأ سطوع نجم الربيع العربي وبه نجح فيما فشل به أخرون.. فمبروك يا تونس الحضارة.