كتاب عربي 21

متى يتعلم السيسي؟

1300x600
أخيرا، تمكن الرئيس الشرعي في مصر محمد مرسي، من الحديث بحرية أمام فريق دفاعه. في المحكمة، سجل موقفا تاريخيا، وكسب جولة من جولات الصراع، لكنها لم تكن فرصة ليتحدث بحرية ولوقت مناسب. لم يضف فريق الدفاع جديدا، لكنه أصل بشكل مفصل الموقف التاريخي لزعيم فضل الموت على خيانة أمانة الشعب.  كان بإمكانه أن يكرر سيرة الملك فاروق بالتنحي، أو سيرة حسني مبارك، وينعم هو وعائلته بحياة كريمة. لكنه عرى الانقلاب أخلاقيا منذ اللحظة الأولى إلى اليوم.

لا شك في أن مرسي مدين لوزير الدفاع عبدالفتاح السيسي في نقله من حاكم فقد بريقه، إلى بطل صامد في وجه جلاديه. كسب مرسي بريقا لم يحظ به حاكم في تاريخ مصر؛ أول رئيس مدني منتخب. لكنه فشل في الانتصار على دولة العسكر العميقة التي تمكنت، في عام، من تحطيمه من خلال أدواتها الإعلامية والأمنية، وصولا إلى الانقلاب عليه. لو بقي مرسي رئيسا، فالمرجح أن يخسر الانتخابات، وعلى الأقل كان سيخسر مجلس الشعب الذي سيتمكن من الإطاحة به "ديمقراطيا" بموجب الدستور المصري الذي أقر في عهده.لكن هل السيسي مدين لمرسي؟

ربما. فقد نقله إلى الصف الأول بعدما أطاح بالمشير محمد حسين طنطاوي وسامي عنان، وتقدم إلى الصدارة بوصفه وزير الدفاع. وهو اليوم رئيس مصر غير المتوج. لكن هل هذه هي النهاية؟ هل سيكون رئيس مصر، أم سيبقى وزير الدفاع الذي يتحكم بكل أجهزة الدولة؟

لقد فعلها قبله الجنرال التشيلي أوغستو بينوشيه؛ انتقل من وزارة الدفاع إلى رئاسة الجمهورية، ثم عاد وزيرا للدفاع ليتحكم من موقعه بمفاصل الدولة. ولم لا يفعلها السيسي؟ لكن بالنتيجة، سيق بينوشيه إلى المحاكمة وهو في التسعين من عمره، وكانت حجة دفاعه أنه خرف. لكن المحكمة لم تقبل بخرفه، وواجه قصاصا تاريخيا. هل يعيد السيسي السيرة؟

ينتمي الجنرال السيسي إلى مدرسة ماركيز الروائية "الواقعية العجائبية". يمكن القول فيه "الجنرال في متاهته". وهو يفتقر للخبرة السياسية، تماما كافتقاره للثقافة التاريخية. وفي حواره مع الصحفي ياسر رزق الذي طالب فيه بتحصينه 15 عاما، كشف عن سذاجة غير متوقعة؛ فلو كُسر الانقلاب فستُكسر معه كل مخلفاته، ولو بقي فلن يحتاج للحصانة، لا هو ولا أصغر جندي أطلق الرصاص في المجازر التي لم تتوقف منذ لحظة الانقلاب.

لم يتعلم من دروس الجنرالات الأتراك الذين قتلوا خمسة آلاف، وهو عدد مشابه للقتلى في مصر؛ وأعدموا رئيس الجمهورية، ثم في النهاية سيقوا إلى العدالة وهم في أرذل العمر. كما لم يتعلم درس الجنرال الباكستاني برويز مشرف الذي يحاكم اليوم. والأهم أنه لم يتعلم من درس الجنرال بينوشيه.

لكن إذا كان الجنرال في متاهته لا يتعلم، فالواضح أن الشعب المصري تعلم. وهو يبدع يوميا في مقاومة الانقلاب؛ من دماء "رابعة" إلى إشارة "رابعة"، وربما يقرر السيسي إلغاء الرقم 4 حتى يرتاح من كابوس المجزرة. وإن كانت مقاومة انقلاب هندوراس استمرت 88 يوما، فإن مقاومة الانقلاب في مصر تستمر إلى اليوم؛ من رياض الأطفال إلى ملاعب الرياضة.

تعلم الشعب المصري دروس التاريخ القاسية بدماء أبنائه، وهو يواصل صمودا أسطوريا، ويحاكم الانقلاب، داخل مصر وخارجها. لكن السؤال الكبير: متى يتعلم السيسي؟.