قضايا وآراء

جنين في مواجهة إرهاب الدولة

الاحتلال يصعد عدوانه- جيتي
العدوان على جنين براً وجواً وارتكاب قوات الاحتلال لجرائم حرب بحق المدينة ومخيمها وتجريف بعض أحيائها، بعد أسابيع قليلة من هجوم عصابات المستوطنين على مدن الضفة الفلسطينية المحتلة، بعمليات قتل وحرق الأرض ومنازل الفلسطينيين، يُعيد الصورة الأولى التي ارتكز عليها قيام "إسرائيل" في إعادة حية لفعل وإجرام أحفاد عصابات الأرغون وتسيحي والبلماخ والهاجاناه، مؤسسي قلب المشروع الصهيوني الاستعماري في فلسطين التاريخية.

إرهاب المستوطنين للسكان المدنيين، ثم ممارسة إرهاب الدولة المنظم باستخدام قوتها الفاشية ضد أصحاب الأرض، تعبير عن حقيقة راسخة بالعمق عن الصراع الذي يخوضه الشعب الفلسطيني وحيداً ضد المشروع الاستعماري الذي تمثله إسرائيل كدولة وحكومات مختلفة؛ اتخذت من الإرهاب والعنصرية غاية وعقيدة، لتنفيذ مخططات السيطرة على الأرض، وفرض الهزيمة على الشعب الفلسطيني المقاوم لهذه السياسة ومشاريعها العدوانية.

إرهاب المستوطنين للسكان المدنيين، ثم ممارسة إرهاب الدولة المنظم باستخدام قوتها الفاشية ضد أصحاب الأرض، تعبير عن حقيقة راسخة بالعمق عن الصراع الذي يخوضه الشعب الفلسطيني وحيداً ضد المشروع الاستعماري الذي تمثله إسرائيل كدولة وحكومات مختلفة؛ اتخذت من الإرهاب والعنصرية غاية وعقيدة، لتنفيذ مخططات السيطرة على الأرض، وفرض الهزيمة على الشعب الفلسطيني
المقاومة الفلسطينية في جنين وفي كل الشارع الفلسطيني، تُعتبر مثار قلق كبيرة في حلق المشروع الصهيوني، وبناء على ذلك، عملت الحكومات الإسرائيلية على تكثيف سياسة عدوان التهويد والاستيطان والاستهداف المباشر لها، من حصار للمدن والقرى الفلسطينية بكتل استيطانية، إلى مصادرة الأراضي المحيطة لكسر هذه المقاومة ومحاولة هزيمة أصحاب الأرض. مع استفحال التطرف والإرهاب الصهيوني وتغذيته داخل المستعمرات، خصوصاً بسيطرة اليمين الاستيطاني والتيار الصهيوني المتدين على مفاصل الحكم في إسرائيل بزعامة نتنياهو وبن غفير وسموتريتش، يغدو الحديث السياسي المرتبط بالقضية الفلسطينية وإعادة الاهتمام بمسار التسوية والمفاوضات بكل المفردات الملتصقة بها وعوائقها؛ ضرباً من الخيال الجامح مع ظاهرة توسيع العدوان الشامل بالاستيطان والتهويد المستمر.

الأمر الأبرز على مستوى مواجهة الشعب الفلسطيني لإرهاب إسرائيل، حكومة وقوانين وسياسة واستيطان وجيش وشرطة وعصابات، هو تماهي وتماسك المواقف الصهيونية حيال قضية نسف كل الأسس المتعلقة بعملية السلام وتوابع التطبيع العربي المتذرع بها وتجاه كل جولة عدوان، والذي سعى من خلالهما المشرع الصهيوني لتحقيق مكاسب على الأرض بتصعيد العدوان. ومن درس العدوان على جنين اليوم بروز موقف واضح لزعيم ما تسمى المعارضة في حكومة الاحتلال بيني غانتس؛ بتأييده المطلق للعدوان على جنين.

في المقابل يبرز غياب التماسك العربي والفلسطيني على الأقل في تقليد صلابة العدو لنسف كل مزاعمه وسياساته، فالأخبار الواردة عن انسحاب قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية من جنين ومحيطها، بعد إبلاغ الاحتلال لها عن بدء العدوان، ثم اعتقال أجهزة أمن السلطة أحد مؤسسي "كتيبة جبع" وأحد مقاومي "سرايا القدس" مراد ملايشة من بلدة جبع قرب جنين، ورفيقه محمد براهمة، وهما في طريقهما من مدينة طوباس إلى جنين لإسناد المقاومة.. هذه الأخبار تؤكد منطق دواخل السلطة الفلسطينية البعيدة عن واقع توفير الحماية للشعب الفلسطيني ومقاومته.

تكفي مشاهد العدوان على جنين في وحشيتها مع مشاهد الحرق الجماعي لمنازل المدنيين الفلسطينيين وأرضهم وأشجارهم ومركباتهم، لتذكير العالم بجرائم الحرب وضد الإنسانية، وتكفي العرب المُكبلين بعلاقات مع الاحتلال للتحلل منها، وتكفي السلطة الفلسطينية خديعة ربع قرن من مخاطبة المجتمع الدولي المتمسك بالنفاق وازدواجية المعايير إزاء إرهاب إسرائيل؛ للخروج من خلف ساتر التمسك بالأوهام، بوضعه أمام مسؤولية تاريخية اليوم، بمطالبة الأنظمة التي تقيم علاقة "سلام" وتطبيع وتحالف مع إسرائيل بالوقف الفوري لها والانسحاب منها، لكن من الذي يقول إن النظام الرسمي العربي يرغب بتلك الحقائق لتصليب موقفه، بعد الانهيارات التي أحدثها وكشفها الربيع العربي في الأنظمة المستبدة التي تتلطى بشعارات فلسطين، بينما يحرس جيشها المستعمرات الصهيونية وآلته الأمنية منشغلة ببطش مجتمعاتها؟

النتيجة شبه الثابتة، أن من يخوض المواجهة والصراع هم الفلسطينيون وحدهم، ولأن عدوهم في المؤسسة الصهيونية مُدرك لهذه النتيجة ويُصعد في عدوانه بعدما ضمن ترويض سياسات النظام الرسمي العربي وخبِر سقف سياساته المؤطرة بتنديد وشجب فارغ لسياساته، في كل مراحل تطوير مشروعه العدواني على الأرض. ولأن الاحتلال مدرك لمخاطر أن يتسلح الفلسطيني بإيمانه في حقه والتمسك بأرضه ويذود عنها، يركز العدوان عليه، إذ لا تخيف المؤسسة الصهيونية لا برامج التسليح العربي، ولا خطط المواجهة الرسمية العربية والفلسطينية لسياسات عدوانه، فالطمأنينة عالية على حدود المشروع الاستعماري المحروس والمحمي من جيوش وأمن أنظمة عربية تنظر بالعين الأخرى لساحة المواجهة في فلسطين؛ بنفس المخاطر التي تراها العين الصهيونية للفلسطيني وحقوقه ومقاومته.

التقدير السائد لدى المؤسسة الصهيونية وحكوماتها، أن الساحة الفلسطينية رغم ضعفها وانكشافها وهشاشة سلطتها، ورغم عقود محاولة إلحاق الهزيمة بالشارع الفلسطيني، بقي المجتمع الفلسطيني يؤرق ويقض مضجع أوهام المؤسسة الصهيونية، وهو الخطر المحدق بأساطير الصهيونية ومزاعمها للأرض والشعب، تقدير يرى في كل فلسطيني على أرضه خطراً تجب إزالته ونفيه وطرده وقتله ومحوه من الوجود
التقدير السائد لدى المؤسسة الصهيونية وحكوماتها، أن الساحة الفلسطينية رغم ضعفها وانكشافها وهشاشة سلطتها، ورغم عقود محاولة إلحاق الهزيمة بالشارع الفلسطيني، بقي المجتمع الفلسطيني يؤرق ويقض مضجع أوهام المؤسسة الصهيونية، وهو الخطر المحدق بأساطير الصهيونية ومزاعمها للأرض والشعب، تقدير يرى في كل فلسطيني على أرضه خطراً تجب إزالته ونفيه وطرده وقتله ومحوه من الوجود، لأنه واقع يناقض كل أكاذيب التهويد وأساطير التلمود التي تتسلح بها عصابات الإرهاب الصهيوني.

ومن هنا تبرز أهمية فائقة لفعل مقاومة الشعب الفلسطيني لهذا الإرهاب بكل مستوياته لكشفه المستمر عن هشاشة أساطير الأمن الصهيوني في كل المواجهات، من غزة وجنين ونابلس والقدس والجليل والنقب والمثلث، إلى كل حي وزقاق عربي في حيفا ويافا وعكا والناصرة وأم الفحم يقبض على جمر الهوية.

يبقى التقدير العربي الرسمي عن فلسطين سيئا، من حيث تكرار السياسات والمواقف ذاتها، وتقدير فلسطيني رسمي عن الشارع الفلسطيني وقدرته على المواجهة، وفي الحالتين تقدير أكثر سوءاً عن إسرائيل وسياساتها بالاستمرار العربي والفلسطيني والانبطاح أمام سياسة العدوان لإحداث تغيير في جلد وعظم المؤسسة الصهيونية الثابتة على الإرهاب المنظم.

وفي النهاية كل التقديرات التي تحاول تلطيف العدوان بتناغم موجة تصريحات منددة له، دون فعل للمحاسبة عن الجرائم، إنما هي إشارات فعلية للمجرم لإنجاز مزيد منه ريثما يتم تحقيق ما تريده إسرائيل، لا الضحايا الذين فهموا المغزى والمضمون الحقيقي لكل ما أشيع من أكاذيب التضامن الرسمي معهم وإشاعة التقدير الرديء عن الذات العربية الحرة التي تواجه إرهاب الاحتلال وقمع أنظمتها.

twitter.com/nizar_sahli