قضايا وآراء

منظومة الاستعمار الداخلي أو الحقيقة المقموعة

يتحرك جميع الفاعلين في تونس في ظل التطبيع مع منظومة الاستعمار الداخلي- جيتي
تصدير: "من جملة القواعد المستخلصة من التطور التاريخي، ثمة قاعدة تُبين بجلاء أنّ المجتمع لا يقوم بالتحولات الجذرية المطلوبة ولا يبدأ عصرا جديدا- من حيث الشكل على أدنى تقديد- إلا بعد أن تندلع أحداث مأساوية رهيبة" (كارل غيورك تسين، الرخاء المفقّر: التبذير والبطالة والعوز).

منذ الأشهر الأولى التي أعقبت "تهريب" المخلوع من تونس، كان واضحا أنّ مأسسة استحقاقات الثورة وضمان "الانتقال الديمقراطي والإصلاح السياسي" لن تكون مسألة سهلة، بل لن يُكتب لها النجاح المأمول شعبيا أو ذاك المبشَّر به من لدن النخب "شبه البديلة". ونحن لم نستعمل تعبير النخب شبه البديلة، إلا من جهة استقراء السرديات/الخطابات/الشخصيات التي هيمنت على إدارة الدولة ومجتمعها المدني وإعلامها ونقاباتها وهيئتها التأسيسية الأولى (الهيئة التي ترأسها الأستاذ عياض بن عاشور قبل انتخابات المجلس التأسيسي).

فرغم غلبة التفاؤل على المواطنين الذين أحسّوا للمرة الأولى منذ تأسيس الدولة-الأمة بأن الدولة لم تعد جسما غريبا عنهم، فإن النخب "شبه البديلة" قد اختارت أن تتحرك بمنطق "استمرارية الدولة". وهو منطق لم يكن يعني واقعيا إلا "شرعنة" الخيارات الاقتصادية والثقافية الكبرى للنظام القديم مع توسيع القاعدة "الزبونية" لنواته الصلبة، دون التصادم المباشر والصريح مع المزاج العام المسكون بوهم "الثورة" في الحد الأقصى، وبأفق انتظار إصلاحي في الحد الأدنى.

النواة الصلبة للمنظومة القديمة ورعاتها الأجانب، قد نجحوا في تحويل "الثورة" إلى لحظة اختلال مؤقت في المنظومة السلطوية، واستطاعوا توجية مساراتها وتحديد مخرجاتها بطريقة تضمن لهم حماية مصالحهم المادية والرمزية، بصرف النظر عن شكل النظام السياسي وأيديولوجيا "الوكلاء" و"الشركاء"، بدءا من المرحلة التأسيسية وانتهاء بـ"تصحيح المسار".

ولذلك، فشلت الديمقراطية "التمثيلية" والهيئات الدستورية والتوافقات السياسية في إحداث أي قطيعة جذرية مع المنظومة القديمة، سواء من جهة السردية الجامعة (سيطرة البورقيبية)، أو من جهة الرساميل البشرية والميراث المؤسسي (هيمنة ورثة التجمع أو المنتفعين منه)، أو من جهة السياسات الاقتصادية الكبرى (المحافظة على امتيازات العائلات الريعية الكبرى واستمرار منطق التداين والتفقير الممنهج للفئات الشعبية الأكثر هشاشة). فتحول "الانتقال الديمقراطي" إلى آلية من آليات إعادة التوازن للنظام القديم والانقلاب "الشرعي" على الانتظارات المشروعة لعموم المواطنين (بحكم تأسسه على إرادة شعبية متلاعب بها مهمشة أو مغيبة عند اتخاذ القرارات).

وإن شئنا الوضوح الأكثر، فإننا سنقول بأن النواة الصلبة للمنظومة القديمة ورعاتها الأجانب، قد نجحوا في تحويل "الثورة" إلى لحظة اختلال مؤقت في المنظومة السلطوية، واستطاعوا توجية مساراتها وتحديد مخرجاتها بطريقة تضمن لهم حماية مصالحهم المادية والرمزية، بصرف النظر عن شكل النظام السياسي وأيديولوجيا "الوكلاء" و"الشركاء"، بدءا من المرحلة التأسيسية وانتهاء بـ"تصحيح المسار".

ليس هدفنا في هذا المقال أن نوثق بالأرقام والإحصائيات حجم "التفاوت" ومظاهر التهميش التي أنتجتها منظومة "الاستعمار الداخلي" منذ الاستقلال الصوري عن فرنسا وتأسيس ما يُسمى بالدولة-الأمة، فتلك المعطيات مبسوطة في التقارير الرسمية ذاتها، وهي تقارير تكمّم (أي تعطي بعدا كمّيا قابلا للضبط الإحصائي الموضوعي) لسياسات الدولة "الوطنية" قبل الثورة وبعدها في مجالات الاقتصاد والتعليم والصحة والثقافة وغيرها. ولكنّ هدفنا هو أن نؤكد أن فشل الانتقال الديمقراطي وهشاشة مؤسساته وأجسامه الوسيطة، وعودة المنظومة القديمة للحكم تحت غطاء "التوافق" ثم "تصحيح المسار"؛ هو أثر منبثق عن سبب توليدي أساسي هو "مأسسة الثورة"، في ظل منظومة "الاستعمار الداخلي"، وتحت وصايتها الصريحة أو الخفية.

وقد أبدع المهندس صغير الصالحي في التأريخ لتلك المنظومة ونقدها في طيّات كتابه الذي يحمل عنوان "الاستعمار الداخلي والتنمية غير المتكافئة: منظومة التهميش في تونس نموذجا". ولكنّ المؤلف رغم مجهوده التفكيكي العظيم ظل مهمشا خارج الدوائر الأكاديمية والجمعياتية، وبقي مصطلح "الاستعمار الداخلي" من المصطلحات المقموعة في "الخطوط التحريرية" لوسائل الإعلام العمومية والخاصة.

بحرف الرأي العام عن حقيقة "الاستعمار الداخلي" باعتباره العدو الأصلي للشعب التونسي ولمشروع التحرر الوطني وبناء مقومات السيادة والاستقلال، وبنجاحها في فرض "البورقيبية" خطابا كبيرا أو سردية جامعة لمختلف الفرقاء في "الثورة"، استطاعت "النواة الصلبة" للمنظومة القديمة (أي المركّب المالي-الجهوي-الأمني) أن تدفع بالسجال العمومي نحو دائرة الصراع الثقافوي الهوياتي، الذي تحوّل فيه العدو من "المنظومة القديمة" إلى "الإسلام السياسي".

ورغم الخيار الاستراتيجي لحركة النهضة في "التطبيع" مع المنظومة القديمة وممارسة دور "وكيل" من وكلاء النواة الصلبة للحكم (مثلما كان شأن الوطد)، فإن الابتزاز السياسي (بصيغتيه الإعلامية والأمنية- القضائية) ظل متواصلا لتحقيق غرضين: أولا؛ ابتزاز حركة النهضة وتهرئة قاعدتها الانتخابية قصد تحجيم قوتها التفاوضية، أو حتى إخراجها من دائرة الفعل السياسي باعتبارها جسما غريبا عن جسد السلطة جهويا وثقافيا. ثانيا؛ تجميع القوى "الحداثية" وحثها على التطبيع مع الميراث التجمعي للدفاع عن خرافات "النمط المجتمعي التونسي"، وما يعنيه واقعيا من الدفاع عن منظومة" الاستعمار الداخلي".

لا يتمثل الخطر الحقيقي لحركة النهضة على منظومة الاستعمار الداخلي في "خلفيتها الإسلامية"، (فقد استطاعت المنظومة أن تمرر مصالحها الاقتصادية والثقافية في عهد الترويكا والتوافق أكثر مما فعلت زمن المخلوع ذاته)، بل إن خطرها الحقيقي هو في أنها تهدد خارطة الاستعمار الداخلي من جهة هندستها "الجهوية". فتلك المنظومة قد تأسست على تقسيم السلطة بين الجهات على الأساس التالي: العقل السلطوي والمال للسواحل بالمعنى العام الذي يتجاوز منطقة الساحل بالمعنى الاصطلاحي، واليد العاملة والأيديولوجيا للدواخل ومناطق الظل/ الذل.

لا يتمثل الخطر الحقيقي لحركة النهضة على منظومة الاستعمار الداخلي في "خلفيتها الإسلامية"، (فقد استطاعت المنظومة أن تمرر مصالحها الاقتصادية والثقافية في عهد الترويكا والتوافق أكثر مما فعلت زمن المخلوع ذاته)، بل إن خطرها الحقيقي هو في أنها تهدد خارطة الاستعمار الداخلي من جهة هندستها "الجهوية". فتلك المنظومة قد تأسست على تقسيم السلطة بين الجهات على الأساس التالي: العقل السلطوي والمال للسواحل بالمعنى العام الذي يتجاوز منطقة الساحل بالمعنى الاصطلاحي، واليد العاملة والأيديولوجيا للدواخل ومناطق الظل/ الذل.

فمناطق السواحل تنتج المال (بفضل التشريعات الريعية) والكفاءات (بفضل التضامنات العائلية والجهوية)، التي تسير الدولة وتهيمن على الاقتصاد الريعي، (وهي مناطق متخففة عموما من الأيديولوجيات والسرديات الكبرى)، أما الدواخل، فإنها تنتج اليد العاملة الرخيصة والأيديولوجيات الوظيفية (اليسارية والقومية)، التي كانت وما زالت في خدمة الدولة أيديولوجيا (في النقابات والمجتمع المدني والإعلام.. إلخ). ولكنّ الإسلام السياسي يهدد هذه القسمة التاريخية؛ لأنه قد يؤدي إلى خروج القرار السياسي والاقتصادي من "السواحل"، كما قد يهدد في المدى البعيد الأساس "البورقيبي" لهذه المنظومة (بحكم التحالفات الإقليمية "غير المرضي" عنها للنهضة)، وما يعنيه ذلك من إمكانية مراجعة بعض الخيارات الثقافية و"الشراكات" الاقتصادية التي جعلت من تونس "حديقة خلفية" لمصالح فرنسا الاقتصادية والثقافية.

رغم إجماع كل الفاعلين الجماعيين في تونس على واقع التخلف والتبعية والجهوية والزبونية الذي تعيشه البلاد، فإنهم بلا استثناء قد تحركوا وما زالوا (بحكّامهم ومعارضتهم بما في ذلك الرئيس الحالي ومعارضته "الراديكالية")، في ظل "التطبيع" مع منظومة الاستعمار الداخلي، وهو ما يجعل من مطلب "التحرر الوطني" و"تحقيق السيادة" و"مكافحة الفساد" مجرد مجازات لا محصول تحتها.

فكيف يمكن أن يتحرر الوطن وأن يعاد التفاوض في شأن توزيع أكثر عدلا للسلطة والثروة في ظل منظومة تتحكم فيها عشرات العائلات الريعية الكبرى، حسب ما ذكر مفوض السياسات الخارجية للاتحاد الأوروبي؟ وكيف يمكن بناء مقومات السيادة في ظل منظومة مالية، ينتفع فيها رأس المال من تأزيم الوضع والدفع به إلى نهايات كارثية (عجز الدولة سيفيد الرأسمالية الوطنية عند بيع المنشآت العمومية، أو خوصصة التوريد في المواد التي تحتكر الدولة توريدها الآن، بالإضافة إلى استفادة اللوبي المالي من إقراض الدولة بفوائض كبيرة)؟

وكيف يمكن أخيرا أن نتحدث عن مشروع للتحرر الوطني في ظل الصراعات الهوياتية، بل في ظل السردية البورقيبية التي أسست منظومة الاستعمار الداخلي باعتبارها مجرد وكيل لمصالح القوى الخارجية، أو باعتبارها مجرد "مدير تنفيذي" لإملاءات الخارج الحريص على تأبيد علاقات "الإذلال المزدوج": إذلال الخارج للسلطة وإذلال السلطة للمواطنين اقتصاديا وثقافيا؟

twitter.com/adel_arabi21