قضايا وآراء

مصر.. الدواء فيه سم قاتل

عربي21
عنوان المقال الذي قرأته عزيزي القارئ ليس المقصود به هذا الفيلم العبقري للمخرج كمال الشيخ، لكنه للأسف الحال الآن في مصر، حيث تعددت القرائن التي ترتقي لدرجة الدليل على أن هناك ثمة خطأ ما متعلقا بسلامة الدواء وبخاصة الحقن المطروحة في الصيدليات.

بدأت القصة عندما توفي طفلان على إثر أخذ حقن عضل في إحدى صيدليات الإسكندرية، إلا أن الواقعة كانت مصحوبة بما جعل الصيادلة يرتابون في سلامة الدواء مثل:

* تعدد حالات وفيات أخرى نتيجة تناول حقن، حيث بلغ العدد وفق نقيب الصيادلة ١٤ حالة، كما صرح على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك.

* هناك حالات لا يمكن من ملابساتها تفسير الأمر على أنه نتيجة خطأ عند إعطاء الحقن، مثل واقعة وفاة طفل بعدما أعطته والدته رئيسة التمريض وزوجة الطبيب الحقن.

* حالات الوفيات ليست من دواء معروف عنه صدمة حساسية تفضي للموت كعرَض جانبي.

* صاحب جلسات القضية الخاصة بوفاة الطفلين قرار منع النشر، وفسّر أغلب الصيادلة بأنه سيترتب عليه تغييب الرأي عن متابعة ملابسات الوفاة، متسائلين عن ما يمكن أن يكون مبررا لمنع النشر في مثل هكذا قضية.

لكن في كل الأحوال دفع الصيادلة الثمن، فحُبست إحدى الزميلات وأُلصقت بالصيادلة منفردين خطايا منظومة تداول الدواء وباتوا في مرمى نيران الرأي العام.

ومما فاقم الأمر تخلي الجهات المعنية عن مسؤولياتها، فرغم أن المتعارف عليه علميا على مستوى العالم أن الصيدليات ليست المكان الأنسب لإعطاء الحقن بل إن أغلب الدول تحظر ذلك، إلا أن وزير الصحة بنفسه خرج ليعلن عن استمرار الصيدليات في هذه الممارسة، وما ذلك إلا لسبب لم يعلنه ألا وهو ضعف الإمكانات المادية والموارد البشرية عن استيعاب العدد الهائل من المرضى الذين يحتاجون للحقن يوميا، بل وذهب الأمر إلى أن مديريات الشؤون الصحية في المحافظات نبهت على العاملين فيها بعدم إعطاء حقن لمرضى قاموا بشراء الدواء من الخارج، معللة ذلك بحماية لهم من المساءلة القانونية حال حدوث مضاعفات.

وهنا بات كل من الصيادلة وأهل المرضى بين المطرقة والسندان. الصيادلة يوميا يطلب منهم عشرات المرضى إعطاء الحقن لأبنائهم في الصيدليات، فإن استجابوا أصبحوا تحت مقصلة ما جرى مع زميلتهم من حكم بالحبس، وإذا لم يستجيبوا قابلوا عاصفة غضب من أمهات وآباء يحملون أبناءهم المرضى بحثا عن مكان يتناولون فيه الدواء. وأهل المرضى ما بين مطرفة عدم القدرة على تحمل تكلفة الانتقال لمستشفى خاص بعدما رفضت الجهات التابعة لوزارة الصحة إعطاء الحقن المشتراة من الصيدليات، وما بين تعريض حياة أبنائهم للخطر إذا ما تناولوا الحقن في إحدى الصيدليات.

المشهد مأساوي والصيدليات باتت أماكن مشادات بين الصيادلة وبين المرضى، إلا أن ما يجري أمام الأعين وراءه أوجه قصور مسكوت عنها لتنفجر تداعياتها في وجه ضحايا لا يستطيع أحد توقع أعدادهم.

- فوزارة الصحة تتهرب عن مسؤوليتها بتوفير مكان آمن في مؤسساتها لإعطاء الحقن.

- الجهات الرقابية المنوط بها مراقبة سلامة الدواء المتداول لم يُسمع لها رِكزا.

- قِصر ذات يد المواطنين يمنعهم من دفع كلفة إعطاء الحقن في مكان آمن.

- صيادلة مهددون بالحبس جراء إعطاء دواء غير آمن أو للاعتداء من أهل المريض إذا امتنعوا.

لقد باتت المشكلات اليومية في كل تفاصيل الحياة أكبر من قدرة العقل على تصديق أنه بإمكان المصريين تحمل تلك الأوضاع لوقت أكبر من ذلك.