كتب

هل فقدت الشعوب حقها في تقرير مصيرها؟ كتاب يجيب

حين ثار العرب من أجل الديمقراطية كانت شعوب أخرى كثيرة تعبر عن نفاد صبرها من الديمقراطية

الكتاب: "الشعب يريد.. حين تأكل الديمقراطية نفسها"
المؤلف: أيمن البوغانمي
الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022


يسجل الباحث والأكاديمي التونسي أيمن البوغانمي في بداية كتابة ملاحظة "أساسية" ينبه فيها القارئ إلى أن ما سيقرؤه في الصفحات التالية لا ذكر فيه للعالم العربي عموما أو حالة الانتقال الديمقراطي في تونس خصوصا، لكنه من جهة أخرى مرتبط بشكل كبير بها سيما في ما يتعلق بالرد على فكرة "الاستثناء التونسي"، إذ يواصل العديد من المثقفين والسياسيين التونسيين الحديث عن "الاستثناء التونسي" لأن جلهم، بحسب البوغانمي، يجهلون ما يدور حولهم ولا يعرفون إلا يوميات السياسة في بلدهم، وهو ما يعتبره "فخا ذهنيا" لا خلاص منه إلا بتوسيع دائرة المعرفة وضعا للأمور في سياقها الأشمل. وهو ما يطمح إليه في كتابه هذا من خلال دراسة الديمقراطية وتطورها في علاقة بما اصطلح عليه بموجة دمقرطة الديمقراطية ، التي تعتبر أن الديمقراطية التمثيلية ليست إلا مرحلة على درب الاقتراب المتواصل من مثل الديمقراطية المباشرة وتحقيق إرادة الشعوب.

يقول البوغانمي: إن أكثر المجتمعات تشهد اليوم قناعة بأن الشعوب قد فقدت حقها في تقرير مصيرها. لا يختلف في ذلك الأمريكيون مع المجريين أو الهنود. كلهم يشتركون في الإحساس بعدم القدرة على التأثير، رغم أنهم يختلفون حول طبيعة القوة التي يرى كل واحد فيهم أنها قد حرمتهم من حقهم الديمقراطي. لكن ثمة مشترك بينهم هو أيديولوجيا غير معلنة تتكون عناصرها من معاداة النخب، وتبني نظريات المؤامرة، والتشكيك في مختلف أشكال السلطة، ومساءلة جميع أسس الشرعية. 

ويضيف أنه حين كانت الشعوب العربية تطالب بالديمقراطية وتسعى لمأسستها بعد عام 2011، كانت شعوب أخرى كثيرة تعبر عن نفاذ صبرها من الديمقراطية وتسعى لتجاوز أزمة 2008ربعدما شاهدت حكوماتها تقدم مصالح البنوك،المسؤولة عنها، على مصالح أولويات عموم الشعب. وعندما اعتقد من يعيش تحت ويلات الدكتاتورية أن الديمقراطية هي الحل، ذهبت الشعوب التي تنعم بها نحو الكفر بمؤسساتها القائمة. 

ويوجه البوغانمي نقدا لكل من يعتقد أنه بالإمكان تعميق الديمقراطية بلا نهاية، وأنه من الضروري تعميم إجراءاتها على مختلف أشكال التنظيم السياسي، وأنها دواء لكل داء في السياسة، ويظن أن ليس لإجراءاتها تكلفة من حيث الوقت والنجاعة. ويقول أن غياب الديمقراطية يوهم بأن حضورها كاف لحل كل المشاكل، فإذا بدأ الانتقال الديمقراطي وبقيت المشاكل أو تفاقمت فالحل في المزيد من الإجراءات الديمقراطية، وهي، بحسب ما يرى، دوامة قد تؤدي إلى تفكك السلطة أو عودة السلطوية، وإلى خدمة المصالح الضيقة ودعم دور المال السياسي، وليس إعادة السلطة للشعب. وبالتالي تقوم أطرحة الكتاب على أن الكثير من الخيارات التي تبدو في ظاهرها داعمة للديمقراطية ومعمقة لها، كثيرا ما تؤدي إلى نقيض ما وضعت لأجله.

الاستثناء الأمريكي

في الفصل الأول من الكتاب يركز البوغانمي على فكرة أن الفصل بين السلطات قد مثّل نقطة ضعف بنيوية في هندسة الأنظمة السياسية الرئاسية، جعلتها قليلة الحيلة في مواجهة الدمقرطة. ويوضح أن شخصنة السلطة، التي هي أبرز من أبرز المنزلقات التي تؤدي إليها هذه الموجة متأصلة في الأنظمة الرئاسية، لا تكاد تغادرها. 

وعليه ينقلب مبدأ تقاسم السلطات وتوازنها من أكثر القيم إغراء في الديمقراطية إلى أشدها خطورة على فعالية السلطة، بل وعلى ديمقراطية الفعل السياسي . ويبدأ بحث البوغانمي بمناقشة التجربة الأمريكية باعتبارها المثال المرجعي للأنظمة الرئاسية. حيث لا تكمن أهميتها فقط في الانحرافات الشعبوية التي شهدها هذا البلد خاصة بعد وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، بل تشمل أيضا ما تعانيه منظومة الحكم الأميركية من صعوبات هيكلية في استباق الإصلاحات الضرورية حين لا تتفق وأولويات المصالح المتنفذة. 

ويرى البوغانمي أن النموذج الأمريكي محكوم بمنطق "العطالة البنيوية"، بحيث يكاد يستحيل الإصلاح فيه إلا من خلال الصدمات العنيفة والأزمات العميقة. لكنه يلفت إلى أن واضعي الدستور الأمريكي أدركوا في وقت مبكر أن منصب الرئيس يمثل خطرا على الحريات، إذ يمنحه اعتماده على شرعية الانتخابات وقدرته على ادعاء تمثيل الإرادة العامة إمكانات استثنائية لتجاوز مختلف أشكال الشرعية الأخرى، ومن ثم كان لا بد من تقييد صلاحياته بحيث لا يقدر على فعل شيء بمفرده. وقد نجحت الولايات المتحدة في تجنب أسوأ تبعات هذه المنظومة، وذلك لتدرجها في الديمقراطية ولحيوية اقتصادها ومجتمعها المدني، وهي ظروف لم تتوفر لغيرها تقريبا.

 

دمقرطة الليبرالية انقلبت من سبعينيات القرن الماضي إلى لبرلة تدريجية للديمقراطية في سياقات لم يعد للوعود الديمقراطية فيها قدرة على التحشيد والتعبئة. ومن ثم ظهور المشكلة الهيكلية مع العولمة التي أعادت رسم خطوط الصراع السياسي داخل المجتمعات التي تسود فيها الديمقراطية.

 



بعد ذلك ينتقل البوغانمي إلى التجربة الفرنسية لبيان ما تخفيه هندسة جموريتها الخامسة من مفارقات. فنظامها الرئاسي الذي جاء أصلا لتجنب حكم الأحزاب ولإعطاء الأولوية للزعامة الطبيعية من خلال مبدأ التقاء القائد مع شعبه، أفرز، بحسب ما يقول، ثغرات تسربت منها الأحزاب لاستعادة الهيمنة. ويزداد سوء هذا الوضع مع ندرة القيادة الطبيعية بين السياسيين. ما جعل منظومة الحكم تراوح بين ملكية منتخبة وديمقراطية برلمانية مقنّعة، وتحولت أولوياتها من ضمان فعالية السلطة التنفيذية إلى تجنب خطر الشعبوية. 

وينهي البوغانمي هذا الفصل بأمثلة من دول أميركا اللاتينية توضح كيف حاولت أن تحافظ على مبدأ تقاسم السلطة مع تجنب الوقوع في الثنائية الحزبية ضمانا لعدالة أكبر في التمثيل البرلماني، لكن النتيجة كانت شللا كامنا يتهدد المؤسسات التشريعية، وهو ما فتح الباب أمام شخصنة السلطة وهيمنة المصالح الضيقة. إذ يضطلع الرئيس بدور عراب التفاهمات السياسية خارج الأطر البرمجية للأحزاب، وحيث تؤدي الامتيازات دور الوسيلة للتقريب بين وجهات النظر.

مقاومة الدمقرطة

في الفصل الثاني من الكتاب يتوقف البوغانمي عند نماذج للأنظمة البرلمانية مشيرا إلى أنها تبدو الأقدر،نظريا، على مقاومة دوامة الدمقرطة وما تدفع إليه من شخصنة للسلطة. وفي هذا السياق يتحدث عن التجربة البريطانية باعتبارها من أكثر النماذج استعصاء على موجة الدمقرطة وآثارها السلبية، وذلك بحكم تاريخها الديمقراطي العريق وهندستها السياسية القائمة على مبدأ سيادة البرلمان وعلى نظام انتخابي أغلبي أفرز ثنائية حزبية صريحة. مع ذلك ورغم هذه الحصانة تبدو مقاومة بريطانيا اليوم أضعف من أن تدفع انحرافات الدمقرطة عن مؤسساتها. 

 

إن أكثر المجتمعات تشهد اليوم قناعة بأن الشعوب قد فقدت حقها في تقرير مصيرها. لا يختلف في ذلك الأمريكيون مع المجريين أو الهنود. كلهم يشتركون في الإحساس بعدم القدرة على التأثير، رغم أنهم يختلفون حول طبيعة القوة التي يرى كل واحد فيهم أنها قد حرمتهم من حقهم الديمقراطي.

 



يقارب النموذج البريطاني في صلابته النموذج الألماني بما راكمته ألمانيا نخبا وشعبا من عبر تاريخية راسخة تركت في الوعي الألماني حذرا غريزيا من كل أشكال التطرف في طلب المُثل يمينا أو يسارا. وهو نموذج نجح في التوليف بين توفير إيجابيات المنظومات الانتخابية المختلفة والابتعاد عن سلبياتها، لكن مع موجة الدمقرطة كثيرا ما تنقلب هذه الايجابيات إلى سلبيات، بحسب البوغانمي، الذي يشير إلى أن انعكاسات موجة الدمقرطة تبدو أعمق في دول أوروبا الشرقية، التي سعت بعد انتهاء الحقبة الشيوعية عام 1989 إلى الاقتداء بنجاحات الديمقراطيات في أوروبا، وهو ما أدى إلى دمج معظمها في الاتحاد الأوروبي، ما يضمن لها نوعا من الاستمرارية والحصانة الديمقراطية. لكن بعض هذه الدول مثل المجر وتشيكيا وبولندا يشير وضعها إلى أن الديمقراطية فيها قد أصبحت فعلا محل مساءلة بعد أن كانت موضوع إجماع.

في المحور الثالث والأخير من الكتاب يتناول البوغانمي بالتحليل التحولات التي عرفها دور الطبقة الوسطى في ترسيخ الديمقراطية الليبرالية في البلدان المصنعة منذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم، متأملا في البنية التحتية التي قامت عليها الديمقراطيات النيابية وما اعتراها من تغيرات من شأنها أن تساعد على فهم ظاهرة الدمقرطة. 

ويركز بشكل أساسي على التجارب السياسية في الدول الاسكندنافية، حيث تأسس استقرارها على جاذبية الطبقة الوسطى ودورها كدعامة للديمقراطية وضامن لتوازنها. كما يعرض خلاصة تاريخيةعن سيرورة دمقرطة الليبرالية من خلال التأثير الاقتصادي والسياسي للطبقة الوسطى، ويقول في هذا الصدد أنه على عكس ما توقع كارل ماركس، لم تؤد الطبقية وهيمنة المسألة الاقتصادية والوعي بها إلأى تأجيج الصراع، بل إن هذا النوع من الشروخ أثبت أنه يمكنه أن يتحول، في حال توفر النمو الاقتصادي، إلى عامل استقرار هيكلي. 

من جهة أخرى يشير إلى أن دمقرطة الليبرالية انقلبت من سبعينيات القرن الماضي إلى لبرلة تدريجية للديمقراطية في سياقات لم يعد للوعود الديمقراطية فيها قدرة على التحشيد والتعبئة. ومن ثم ظهور المشكلة الهيكلية مع العولمة التي أعادت رسم خطوط الصراع السياسي داخل المجتمعات التي تسود فيها الديمقراطية.

 

ويضيف أنه يمكن وصف الانقسام الجديد بأنه يفصل بين مستفيدين من الآفاق الجديدة التي تتيحها العولمة ومتضررين، بما يفسح المجال أمام موجة الدمقرطة وانحرافاتها الشعبوية.