قضايا وآراء

قمة بل لقاءات عبثية في العلمين

1300x600

عقدت قمة أو للدقة لقاءات خماسية الاثنين والثلاثاء في مدينة العلمين أقصى شمال مصر، ضمّت الرئيسين المصري عبد الفتاح السيسي والإماراتي محمد بن زايد، والملكين الأردني عبد الله الثاني  والبحريني حمد آل خليفة، إضافة إلى رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، الذي شارك في الاجتماعات التحضيرية التمهيدية للقمة، أو للدقة اللا قمة، مساء الاثنين، قبل أن يغادر على عجل صباح الثلاثاء -كما قيل-؛ بسبب التطورات السياسية العاصفة في بغداد والاعتصام أمام مجلس القضاء الأعلى، ما أدى إلى تعطيل أعماله.

القمة التي عقدت بشكل مفاجئ ودون إعلان مسبق وعلى عجل، بدت عبثية تماما دون رؤية أو هدف أو حتى جدول أعمال منظم، ربما لأن رأس النظام المصري لا يحب دراسات الجدوى، ولذلك جاءت عشوائية بامتياز، وبدت تعبيرا عن أزمات المشاركين لا حلّا لها. ولذلك، لم يكن مفاجئا أبدا أن تطلق التسمية الجديدة لها "لقاء أخوي رباعي" لا قمة خماسية ولا حتى رباعية، بناء على تعليمات من المخابرات المتحكمة بالإعلام والسياسة والاقتصاد وكل شيء في مصر، ودون تقديم أي تفاصيل أو توضيحات وتبريرات رسمية عن أسباب تغيير المسمى المعلن مسبقا، أو عن أسباب مغادرة الكاظمي صباح الثلاثاء قبل فترة وجيزة من انعقاد اللقاء الرباعي بين الأطراف الأخرى المشاركة.

بداية، بدت القمة العبثية التي أضحت لقاء أخويا حسب تعليمات المخابرات المصرية عبر إعلامها المسيّر، وكأنها دمج بين ثلاث مجموعات أو لقاءات، ضمّت الأولى الإمارات ومصر والبحرين قبل أن ينضم إليها الأردن فيما بعد، والثانية ضمّت هذا الأخير إلى مصر والعراق قبل أن تنضم إليها الإمارات فيما بعد. والثالثة ضمّت هذه الأخيرة إلى مصر وإسرائيل التي تبدو وكأنها الغائب الحاضر في اللقاء الأخير واللقاءات المماثلة التي سبقته.

 

القمة التي عقدت بشكل مفاجئ ودون إعلان مسبق وعلى عجل، بدت عبثية تماما دون رؤية أو هدف أو حتى جدول أعمال منظم،  ربما لأن رأس النظام المصري لا يحب دراسات الجدوى، ولذلك جاءت عشوائية بامتياز، وبدت تعبيرا عن أزمات المشاركين لا حلّا لها.

 



المجموعة الأولى بدت إماراتية بامتياز، وكانت أيضا عبثية بامتياز ودون هدف أو رؤية محددة، اللهم إلا رغبة أبو ظبي في زيادة نفوذها وتأثيرها بالمنطقة، دون قدرة فعلية على حلّ مشاكل الدول الأخرى المستعصية والناجمة أساسا عن تبني سياسات داخلية كارثية، والهروب من مواجهة أصل وجذر الأزمة المتمثل بتزاوج وتجذّر الاستبداد والفساد تحديدا في مصر والأردن.

بينما بدت المجموعة الثانية التي ضمّت مصر والأردن والعراق مأزومة أكثر، وجاءت تعبيرا عن التخبط والقفز في الفراغ والمجهول؛ للشعور أن ثمة حركة أو نشاطا فيما يشبه الهروب إلى الأمام من المشاكل الداخلية لأطرافها الثلاثة، كما كانت نتاجا لرغبة أمريكية في تعويم ودعم لرئيس وزراء العراق مصطفى الكاظمي؛ بحجة إخراج البلد الفاشل والمنهار من الوصاية والهيمنة الإيرانية إثر الانتفاضة الشعبية ضد الأحزاب والمليشيات التابعة لإيران، التي أوصلت البلد إلى ما وصل إليه من انهيار وإفلاس.

أما المجموعة الثالثة التي ضمّت الإمارات ومصر وإسرائيل، ورغم أنها عقدت لقاء علنيا واحدا على مستوى القمة "آذار/مارس الماضي في شرم الشيخ"، إلا أن الاتصالات لا تزال مستمرة بين أطرافها على المستوى الثنائي والجماعي، مع دعم وانفتاح أردني وبحريني على أجندة تلك القمة. ومن هنا، تبدو إسرائيل غائبا حاضرا في لقاءات المجموعات الأخرى، خاصة مع العلاقة التي تأخذ شكل التحالف السياسي الاقتصادي الأمني بين أطرافها، حتى مع الحديث الدعائي المضخّم عن أزمة مزعومة في علاقات النظام المصري مع إسرائيل، لتبرير التخاذل أو للدقة تواطؤ النظام قبل وفي أثناء وبعد العدوان الإسرائيلي الأخير ضد غزة.

منذ البداية كنت قد اخترت العنوان "قمة عبثية" حتى قبل تعديله من قبل النظام المصري، علما أن العشوائية والعبثية حضرت منذ الإعلان الأول عن القمة- اللقاء مساء الأحد، بادعاء أنها ستناقش ملفات "فلسطين واليمن وليبيا" الشائكة والمعقدة، علما أن معظم الحاضرين عاجزون حتى عن التأثير على مصير ومآلات الأحداث في بلادهم، كما هو الحال في مصر والعراق، وبدرجة أقل الأردن.

قيل كذلك في الإعلان؛ إنها ستتم مناقشة الأزمات الناجمة عن الغزو الروسي لأوكرانيا، علما أن معظم الدول العربية للأسف ظهرت ضعيفة هامشية غير ذات صلة، وعاجزة حتى عن تخفيف تداعيات الغزو الكارثية عليها، بينما تراجع تأثير الدول المصدرة للنفط في الأسابيع الأخيرة بعد تراجع أسعاره لعدة أسباب لا تتعلق بها حصرا، وإنما بتحوّلات لها علاقة بالاقتصاد العالمي ككل، بما في ذلك عودة الطاقة الإنتاجية كاملة في ليبيا، واستعداد السوق لاستقلال النفط الإيراني بعد رفع العقوبات الأمريكية عن طهران.

كان لافتا في الأجندة الأولى غياب الحديث ولو التقليدي والفضفاض عن ملف سدّ النهضة، الذي كان حاضرا في كل لقاءات النظام المصري السابقة، وحتى اجتماعات الثرثرة للجامعة العربية، حيث بات الكلام بلا جدوى وفائدة، بعدما فرضت أديس أبابا إرادتها أمرا واقعا على أكبر دولة عربية وأفريقية، أو من يفترض أنها كذلك.

هذا فيما يتعلق بالحضور، أما فيما يخص الغيابات، فقد كان لافتا جدا غياب السعودية، رغم حضور جيرانها المباشرين بالمعنى الجغرافي والجيو سياسي، ربما كان ذلك ناتجا عن رغبة النظام المصري في التعبير عن الاستياء من تراجع الدعم السعودي، والتلويح بالورقة الإماراتية في وجه الرياض، وعلى الأغلب كان العامل السعودي سبب تغيير اسم القمة وتحوّلها إلى لقاء أخوي؛ كي لا تظهر كمحور ضد السعودية أو على الأقل استفزازا لها، ونقاش قضايا تمسّها مباشرة في غيابها.

غياب السلطة الفلسطينية ـ المستاءة حسب علمي من تجاهلها وتهميشهاـ ، بات مألوفا أيضا في لقاءات المجموعات، رغم ادعاء الحديث عن دعم القضية، ما يعني أنها غير مطروحة جديا وعمليا على بساط البحث والنقاش، ناهيك عن أن سقف المواقف المتخذة لا يرضي حتى سلطة رام الله على علّاتها.

 

العشوائية والعبثية حضرت منذ الإعلان الأول عن القمة- اللقاء مساء الأحد، بادعاء أنها ستناقش ملفات "فلسطين واليمن وليبيا" الشائكة والمعقدة، علما أن معظم الحاضرين عاجزون حتى عن التأثير على مصير ومآلات الأحداث في بلادهم، كما هو الحال في مصر والعراق، وبدرجة أقل الأردن.

 



إلى ذلك، بدا المكان نفسه تعبيرا صارخا عن العبثية والعشوائية، كون مشروع مدينة العلمين واحدا من المشاريع الوهمية والاستعراضية والعبثية للجنرال السيسي التي استنزفت مقدرات البلاد، وأفلست خزينتها وأغرقتها في الديون، وحتى ذلك فشل فيه الجنرال البائس في خريفه، بعدما تحوّلت إلى لقاء هزلي مع تغيير الاسم وإعطاء تعليمات بعدم نشر أي تفاصيل عنها، ما يعني أن الجنرال فشل حتى في عقد قمة، كما تم الإعلان عنها ثم تحوّلت إلى ما يشبه المهزلة، مع مغادرة الكاظمي المريبة والمثيرة للشك، وتحوّلها إلى لقاءات بدون عنوان وهدف وعشوائية وبدون رؤية، بحيث باتت تعبيرا عن أزمات ومشاكل، أطرافها ليست جزءا من الحلول لها.

في الأخير وباختصار، مشهد القمة ـ اللقاء جاء عبثيا وصوريا، وهدف إلى تعويم النظام والترويج لإنجازاته المزعومة، بينما تحوّل إلى تأكيد لأزماته المتفاقمة، وعندما يسقط قريبا بإذن الله، سنعرف ضمن أشياء وحقائق مهولة، ستشكف أنه سعى عبر القمة الملغاة والعبثية إلى إعطاء انطباع مغاير عن واقعه المتداعي والآيل للسقوط.

*باحث وإعلامي