كتب

قراءة في تحولات الموقف العربي من القضية الفلسطينية

كيف تحول العرب من اللاءات الثلاث إلى الاعتراف بالاحتلال والتطبيع معه؟ كتاب يجيب

الكتاب: فلسطين في قرارات القمم العربية والإسلامية.
الناشر: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، الطبعة الأولى، بيروت، 2020م.
من إعداد وتقديم: ماهر الشريف، وخالد فراج

أثبت الواقع أن الدول العربية والإسلامية لم تلتزم، مع مضامين القرارات التي أقرتها جامعة الدول العربية أو منظمة المؤتمر الإسلامي من جهة، ولم تتناسب القرارات، وفداحة الحدث الذي وقع في فلسطين ومدينة القدس بشكل خاص من جهة ثانية، ولم توضع آلية واضحة لتطبيق قراراتهما، ولو بالحد الأدنى لنصرة القضية الفلسطينية، وحماية المقدسات في أصعب الأحداث التي ألمت بها.

ومع ذلك، لازالت قضية فلسطين مدرجة على جدول أعمال معظم القمم العربية، التي أكدت عروبة فلسطين، وظلت تمثل مركزية في القرار العربي، ولكن ذلك لم يستمر طويلا بسبب متغيرات عدة، أشار إليها الشريف وفراج: "بيد أن فلسطين لم تعد، في الواقع، قضية العرب المركزية ومسؤولية قومية عامة، وإنما طغت عليها، وخصوصا في السنوات الأخيرة، قضايا أخرى راحت تحتل موقع الأولوية على جدول الأعمال الرسمي العربي، ولم يعد الخطر الصهيوني يمثل تهديدا للأمن القومي العربي"(ص2).

تضمن الكتاب ثلاثة أقسام: القسم الأول، قرارات القمم العربية بشأن قضية فلسطين، وسبق كل قرار مقدمة موجزة، أوضحت تدرج القرار في سياقه التاريخي والسياسي، في حين جاء القسم الثاني بقرارات القمم الإسلامية، منذ مؤتمر القمة الإسلامي الأول عام 1969م، ردا على قيام أحد المستوطنين بإحراق المسجد الأقصى، وصولا إلى القمة الإسلامية الرابعة عشر، التي عقدت في مكة المكرمة 2020م، فضلا عن القسم الثالث، الذي جاء في مقتطفات لكلمات قادة عرب في القمم العربية بشأن قضية فلسطين.

يتساءل المقدمان كيف أصبحت المبادرة العربية التي تبنتها قمة بيروت عام 2002م وراء الظهر، وهي مبادرة السلام العربية، التي اعتبرت انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي العربية المحتلة عام 1967م، والتوصل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، وعاصمتها القدس الشرقية؛ شرط ومدخل لاعتبار الصراع منتهيا، ودخول الدول العربية في اتفاقية سلام مع إسرائيل، ولكن الأمر اختلف"، يبدو واضحا اليوم أن دولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين، والسودان التي سارعت إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل، والدول العربية الأخرى التي ربما تسير على هذا الطريق، لا تلتزم هذا الشرط، ويضيف مدى سلبية الموقف العربي أن اجتماع وزراء الخارجية العرب 8/9/2020م، رفض المصادقة على مشروع قرار يدعو إلى إدانة اتفاق التطبيع الإماراتي الإسرائيلي". (ص2).

تبوأت القدس حيزا كبيرا في جدول القمم العربية، التي شددت على التحرير بأنه واجب ديني، والتزام قومي، ورفضت جميع الإجراءات التي قامت بها إسرائيل، وقررت قطع جميع العلاقات مع أي دولة تعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، "بيد أن الواقع يبين أنه لم يكن هناك احترام لهذه القرارات، خصوصا القرار المتعلق بقطع جميع العلاقات، مع أية دولة تعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، أو تنقل سفارتها إليها"(ص3).

هذا الكتاب الوثائقي يحمل بين طياته القرارات الصادرة عن القمة العربية كافة، منذ تأسيها حتى عام 2020م، ولكن مجمل تلك القرارات قامت الجامعة العربية بتصنيفها وتبويبها في مجلدات متوفرة لديها، ولكن ما أضافه الشريف وفراج هو جمع تلك القرارات في إصدار فلسطيني، ووضعهما الإرهاصات التاريخية لفحوى عقد القمم العربية والإسلامية؛ إلا أنهما لم يظهرا الأهداف الخاصة لرؤساء وملوك الدول العربية لعقد مثل تلك القمم، ودعواتهم لعقد جلسات استثنائية، للخروج من المأزق الداخلي الذي عانوا منه داخل دولهم، أو اتخاذ القضية الفلسطينية رافعة لوجودهم، وكان الأجدى لو تم وضع قراءة نقدية لفحوى تلك القرارات وما نتج عنها، وما طبق منها، وما لم يطبق. وعلى الرغم من تراجع الوعي القومي العربي، في مقابل ازدهار الوعي بالهويات الجزئية، وتنكر بعض الأنظمة العربية لالتزاماتها إزاء قضية الشعب الفلسطيني، فإن أغلب استطلاعات الرأي تبين الشعوب العربية والإسلامية ما زالت ترى في القضية الفلسطينية قضية مركزية.

 

إن مقر استضافة منظمة التعاون، جعلها توظف في خدمة صراعات وحروب إقليمية، ضد الدول الأعضاء، وليس ضد العدو الرئيس إسرائيل، حيث ساهمت كل من إيران والسعودية، بسبب صراعهما المستمر في إضعاف المنظمة، وعدم تطبيق قراراتها، بينما يعيش العالم العربي والإسلامي على المحك من شطب للقضية الفلسطينية،

 



لم تخرج قرارات جامعة العربية عن لغة التنديد والمناشدات، وغلب عليها الطابع الإنشائي الاستعطافي، منذ القمة الأولى التي عقدت بدعوة من الملك فاروق عام 1946م، ردا على قيام لجنة التحقيق الإنجلو أمريكية نشر تقريرها الخاص بفلسطين، الذي أوصى بقبول هجرة 100.000 يهودي إلى فلسطين، وعلى أهمية تلك القمة، إلا أنها أخدت الطابع السلمي البحت، فأكدت أن فلسطين قطر عربي لا ينفصل عن الأقطار العربية الأخرى، والصهيونية خطر داهم ليس على فلسطين وحدها (ص9 ـ 10).

إن عقد تلك القمم، كانت بمنزلة الملاذ لبعض القيادات العربية، ففي خطاب لعبد الناصر عام 1963م، طالب بتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية؛ لاحتواء الطريق على المقاومة الفلسطينية وعدم توريط دول الطوق العربي في أي حرب مع إسرائيل، والضرب بيد من حديد لكل ما يحاول مهاجمة الحدود مع إسرائيل من أراضي دول الطوق.

على خطورة الأحداث التي مرت بها القضية الفلسطينية، تأخر عقد القمة الثانية حتى عام 1964م، أي أي بعد عقد ونيف من المؤتمر الأول" عقدت بدعوة من الرئيس جمال عبد الناصر عام 1964م، بعد شروع إسرائيل بتحويل مجرى نهر الأردن، وضع هذا المؤتمر حدّا للخلافات العربية، ورأى في إسرائيل الخطر الأساسي الذي يتوجب على الأمة العربية بأسرها دفعه"(ص11).

لم يتطرق الشريف وفراج إلى حيثيات عقد مؤتمر القمة العربي الثالث الذي عقد بالدار البيضاء عام 1965م، بدعوة من الملك الحسن الثاني، الذي نص على ميثاق التضامن العربية، ودراسة مطالب منظمة التحرير، بتوفير الحرية الكاملة للتنظيم الشعبي لأبناء فلسطين (ص13)، فحسب صحيفة يديعوت أحرنوت عام 2016م، سمح الملك الحسن الثاني للمخابرات الإسرائيلية بالتجسس على هذه القمة العربية مقابل تصفية المعارض المهدي بن بركة، وهو ما أكده رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الأسبق شلومو غازيت، بأن الموساد سجل مداولات جلسات القمة كافة من أحد طوابق الفندق.

أما مؤتمر اللاءات الثلاث، الذي عقد في الخرطوم عام 1967م، لتدارس سبل مواجهة الهزيمة التي لحقت بالدول العربية، حيث أكد المشاركون فيه، لا صلح  مع إسرائيل ولا اعتراف، ولا تفاوض، ولكن سنوات قليلة فصلتنا عن إلغاء تلك اللاءات مع الاحتلال بعقد تحالفات ومعاهدات التطبيع، ومن ثم جاءت قمة عمان عام 1987م، لتحدث تغيرا جذريا في توجهات الجامعة التي جعلت من إيران هي العدو، وليس إسرائيل، ولم تكن فلسطين حاضرة في ملفات تلك القمة.
 
بدا واضحا من طول الفترة بين عقد القمة والتالية لها مدى اتساع فجوة الخلافات بين الدول العربية، فما بين عام 1990، وبعد انقطاع دام نحو ست سنوات، عقد مؤتمر القمة العربي في القاهرة عام 1996م، وذلك بعد توقيع اتفاق أوسلو، وفوز اليمين الإسرائيلي في الانتخابات التشريعية عام 1996م، وتمخض المؤتمر عن ارتياح عربي لتحقيق التسوية المنقوصة للقضية الفلسطينية؛ لإزاحة الهم الفلسطيني عن كاهل الجامعة العربية، ومن ثم ظهرت المبادرة العربية للسلام في قمة بيروت عام 2002م، وبدأ دور الجامعة بالتلاشي، وذلك مع تفشي الخلافات الداخلية للبلدان العربية، واندلاع الربيع العربي في أكثر من دولة، وطغيان الأزمة السورية، وعاصفة الحزم السعودية على اليمن، كلها أزمات أفقدت القضية الفلسطينية مركزتيها في القرار العربي (ص98).

جاءت قمة الظهران عام 2018م، وحملت اسم قمة القدس، وذلك في أعقاب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، القدس عاصمة لإسرائيل، وأكد  المؤتمر" عدم شرعية القرار الأمريكي وبطلانه، وطالب دول العالم بعدم نقل سفاراتها إلى القدس أو الاعتراف بها عاصمة لإسرائيل" (ص121)، إلا أن بعض الدول حضرت القمة، وهي تنسق لعقد اتفاقات التطبيع كالإمارات، ورفضت الجامعة الطلب الفلسطيني؛ عقد جلسة طارئة لإدانة الموقف الإماراتي المتواطئ مع دولة الاحتلال، الذي مهد الطريق للتوغل والتغلغل الإسرائيلي في الخليج العربي.

عالجت الدارسة في قسمها الثاني موقف المؤتمر الإسلامي من قضية فلسطين، التي أسست عام 1969م، واستبدل اسمها بمنظمة التعاون الإسلامي عام2011م، وجدت المنظمة بهدف تعزيز التضامن ودعم جميع الشعوب العربية والإسلامية للمحافظة على كرامتهم والدفاع عن حقوقهم الوطنية، ولما كانت فلسطين إحدى دول هذه المنظمة، فقد أولتها عناية خاصة وقدمت لها سبل الدعم السياسي والمالي، كيف لا وهي المنظمة التي أسست بعد جريمة إحراق المسجد الأقصى عام 1969م (ص130)، وأخذت على عاتقها حماية المقدسات الإسلامية، إلا أنها لم تستجب بشكل كاف لمتطلبات الصراع، وتلبية طموحات مليار ونصف مليار مسلم، والدفاع عنها، وصولا إلى القمة الإسلامية عام 2020م.

انبثقت لجنة القدس التي أقيمت عام 1975م، عن المؤتمر الإسلامي، للدفاع عن المقدسات الإسلامية والقدس؛ إلا أن علاقة التطبيع والتعاون مع دعوة الملك الحسن الثاني لإسحاق رابين لزيارة المغرب عام 1976م، قيضت مهمة هذه اللجنة حتى يومنا هذا، وجعلت مهام محدودة، حيث  دعمت "إسرائيل" الملك، لتحسين صورته أمام الدول الأوروبية والولايات المتحدة، إذ عدت "إسرائيل" أن المغرب بوابتها للعالم العربي، والشمال الأفريقي، بينما اعتبر الحسن الثاني أن "إسرائيل "مفتاح واشنطن، ولذلك لا ضير من تجميد نشاط تلك اللجنة.

جاء إعلان الجهاد المقدس في القمة الإسلامية الثالث عام 1981م، بعد إعلان البرلمان الإسرائيلي القدس عاصمة لإسرائيل عام 1980م، أي بعد عقود من احتلال القدس، "الجهاد المقدس كواجب على كل مسلم ومسلمة فرضته شريعة الإسلام... فجميع المسلمين المقيمين في البلاد الإسلامية، وخارجها، مدعوون لتأدية هذا الواجب، والدول الإسلامية تعلن الجهاد المقدس لإنقاذ القدس الشريف ونصرة الشعب الفلسطيني" (ص153).

 

كان صوت منظمة التعاون أعلى صوتا من الجامعة العربية، التي لم تنتقد التطبيع الإماراتي مع إسرائيل، فقوة رفض منظمة التعاون نابع من ناحية عدد دولها الأعضاء، ودعمها للحقوق المسلوبة، وهي أغلبها دول إسلامية مثل إندونيسيا وماليزيا وتركيا وإيران.

 



ولم يمض وقت قصير على إعلان الجهاد المقدس، حتى تبنت القمة الإسلامية عام 1984م خطة السلام العربية التي أقرتها القمة العربية عام 1982م، وطالبت بالعمل بالوسائل والطرق كافة؛ لشرح مبادئ وأبعاد خطة السلام العربية، وكسب التأييد الدولي لتنفيذها، مما يعني أن المنظمة اعترفت ضمنيا بإسرائيل، شرط موافقتها على إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، والشروع بالحل التدريجي للقضية الفلسطينية، هو ما لم يتم الإشارة إليه أو التعليق عليه من المحررين.

عقد مؤتمر القمة الإسلامي عام 2019م، بدعوة من الملك سلمان بن عبد العزيز، الذي دان نقل سفارتي كل من الولايات المتحدة الامريكية وغواتيمالا إلى مدينة القدس الشريف والاعتراف غير القانوني بها عاصمة لإسرائيل، كما دان فتح دولة هنغاريا مكتبا تجاريا لها في القدس، في مخالفة واضحة للقانون الدولي ولقرارات الأمم المتحدة، معتبرا أن أي إجراءات أو قرارات، ترمي إلى تغيير الوضع التاريخي والقانوني ولا يتسم بأي شرعية، وحث جميع دول المنظمة على مقاطعة الدول التي افتتحت بعثات دبلوماسية لها في مدينة القدس (ص330).
 
ومن ثم عقدت المنظمة جلسة طارئة؛ لمناقشة اتفاقية أبراهام 2022م، بدعوة من فلسطين، إلا أن الاجتماع لم يعقد؛ تجنبا لإحراج الإمارات واتخاذ موقف معارض لقرارها، وعلى الرغم من ذلك، عبرت منظمة عن رفضها لاتفاقات التطبيع العربية ـ الإسرائيلية، عبر بيانات صحفية صادرة عن أمانة مجلس المنظمة ورئيسها.

وبذلك، كان صوت منظمة التعاون أعلى صوتا من الجامعة العربية، التي لم تنتقد التطبيع الإماراتي مع إسرائيل، فقوة رفض منظمة التعاون نابع من ناحية عدد دولها الأعضاء، ودعمها للحقوق المسلوبة، وهي أغلبها دول إسلامية مثل إندونيسيا وماليزيا وتركيا وإيران، في ظل رفض جامعة الدول العربية لطلب فلسطين بعقد اجتماع لمناقشة التطبيع، وعدم تطرق رئيس الجامعة العربية محمد أبو الغيظ للتطبيع من قريب أو بعيد، وتأكيده التمسك بالمبادرة العربية، بالرغم من تداعيات اتفاق التطبيع الإماراتي على القضية الفلسطينية، والمنطقة العربية برمتها.

يمكن رصد بعض الملاحظات لمخرجات قمم جامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي:
 
1 ـ أيدت كلّ من الجامعة العربية ومنظمة التعاون، مشاريع التسوية كافة، الداعية إلى إقامة دولة على حدود عام 1967م، وهذا مثل اعترافا من 57 دولة بوجود دولة الاحتلال.
 
2 ـ مثل عام 1982م بداية التحول في الموقف العربي والإسلامي، عبر تبنيها لاستراتيجية التسوية لحل القضية الفلسطينية، من خلال خطة السلام العربية.

3 ـ شكل قبول منظمة التعاون باتفاق أوسلو وما تمخض عنه، اهتماما واضحا بقبول إسرائيل والتعايش معها، ويعد مخالفة صريحة لميثاق المنظمة ومبادئها.

4 ـ لم تمتلك جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الأدوات المناسبة لتنفيذ قراراتها، التي غلب عليها طابع الاستنكار والشجب والتنديد.

وأخيرا؛ إن مقر استضافة منظمة التعاون جعلها توظف في خدمة صراعات وحروب إقليمية ضد الدول الأعضاء، وليس ضد العدو الرئيس إسرائيل، حيث ساهمت كل من إيران والسعودية، بسبب صراعهما المستمر في إضعاف المنظمة وعدم تطبيق قراراتها، بينما يعيش العالم العربي والإسلامي على المحك من شطب للقضية الفلسطينية، وتنفيذ عملية الضم، وظهر ذلك بشكل واضح في القمة الأخيرة بعدم موافقة المملكة العربية السعودية لوفد إيران بالمشاركة في الاجتماع.