سياسة دولية

ما تأثير اتفاق إسطنبول على أسعار القمح العالمية؟

الكمية التي يشملها اتفاق نقل الحبوب ليست مؤثرة كثيرا - جيتي

نجحت تركيا في جمع الطرفين الروسي والأوكراني لمناقشة نقل الحبوب العالقة في الموانئ الأوكرانية، وأثمرت هذه النقاشات، حيث نتج عنها اتفاق تم توقيعه في إسطنبول يوم الجمعة الماضي.

وسيساهم هذا الاتفاق في الإفراج عن شحنات الحبوب الأوكرانية العالقة نتيجة الحرب، كذلك كان من ضمن بنوده تخفيف القيود على تصدير الحبوب والأسمدة الروسية.

وجاءت هذه المناقشات والاتفاق من بعدها عقب حدوث أزمة عالمية في عمليات توريد الحبوب نتيجة الحرب في أوكرانيا، والتي أيضا ساهمت في رفع أسعار الحبوب وتحديدا القمح.

انخفاض نسبي


وكانت الحبوب قد ارتفعت عقب الحرب الأوكرانية، حيث شهدت العقود الآجلة لشحنات القمح في شباط/ فبراير ارتفاعا ملحوظا، كذلك سجلت أسعار فول الصويا أعلى مستوى لها منذ 2012.

حيث قفزت أسعار العقود الآجلة للقمح لشهر أيار/ مايو في مجلس شيكاغو للتجارة 5.7 في المئة إلى نحو 9.34 دولار للبوشل، وهو أعلى سعر منذ تموز/ يوليو 2021، وارتفعت الذرة 5.1 بالمئة إلى 7.16 دولار للبوشل، مسجلة أعلى مستوى منذ حزيران/ يونيو 2021.

كذلك زادت عقود فول الصويا لشهر أيار/ مايو 4.2 في المئة إلى 17.41 دولار للبوشل، مسجلة ارتفاعا لسادس جلسة على التوالي، وبلغت في وقت سابق من الجلسة أعلى مستوى منذ سبتمبر/ أيلول 2021 عند 17.56 دولار.

أيضا، أعلنت منظمة الأغذية والزراعة "فاو" في بداية شهر حزيران/ يونيو الماضي عن ارتفاع أسعار القمح بنسبة 5.5 في المئة على أساس شهري، كذلك شهد مؤشر المنظمة لأسعار الغذاء تراجعا بشكل محدود، للشهر الثاني على التوالي، مقارنة بمستواه في آذار/ مارس الماضي.

وشهدت أسعار المواد الغذائية في مؤشر منظمة الفاو تباينا واضحا، ففي الوقت الذي انخفضت فيه أسعار السكر والزيوت النباتية والألبان نتيجة تراجع الطلب وتخفيف بعض قيود التصدير، ارتفعت أسعار اللحوم لمستوى غير مسبوق، كما ارتفعت أسعار القمح والحبوب.

ويأمل خبراء اقتصاديون أن يساهم اتفاق إسطنبول بخفض أسعار الغذاء العالمي، وتحديدا الحبوب، وعلى رأسها القمح، خاصة أن أوكرانيا تُعد أحد أهم مصادر الحبوب العالمية، فهي تساهم في إنتاج 42 في المئة من زي عباد الشمس الذي يتم تداوله ونقله في السوق العالمية، و9 في المئة من القمح العالمي، و16 في المئة من الذرة.

ويرى الخبير الاقتصادي محمود وهبة أن "اتفاق إسطنبول ساهم فعلا في خفض الأسعار نسبيا، لأنها كانت قد انخفضت إلى النسبة التي كانت عليها ما قبل حرب أوكرانيا، ومن أسباب ذلك أيضا زيادة زراعة القمح في أمريكا وكندا، والذي ترافق مع انخفاض الطلب العالمي نسبيا".

واستدرك وهبة بالقول لـ"عربي21": "لكن الكمية التي يشملها هذا الاتفاق ليست مؤثرة كثيرا، فهي فقط 20 مليون طن، والمقارنة مثلا بمصر التي تستهلك 12 مليون طن".

 

اقرأ أيضا: تركيا تعلن التوصل لاتفاق بين روسيا وأوكرانيا حول نقل الحبوب

خطوة إيجابية


بالمقابل، اعتبر الخبير الاقتصادي نهاد إسماعيل "اتفاق إسطنبول خطوة إيجابية، حيث سيساعد الدول التي تستورد القمح في جميع أنحاء العالم، لا سيما في القرن الأفريقي الذي يعاني من القحط مع وجود 50 مليون إنسان مهددين بالمجاعة، حسب تقديرات برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة، أيضا هناك 200 مليون إنسان في أفريقيا عموما مهددون بالمجاعة".

وأوضح إسماعيل خلال حديثه لـ"عربي21"، أن "الاتفاق فعلا سيساهم في خفض الأسعار التي ارتفعت نتيجة للنقص الشديد في الأسواق، ومع الوفرة الآن المنطق يقول إن الأسعار أولا ستتوقف عن الصعود قبل أن نلحظ هبوطا كبيرا".

وأكد أنه "على الرغم من أن الأمم المتحدة وتركيا تضمنان الاتفاق، إلا أن هناك حذرا شديدا ومخاوف من أن بوتين قد يجد ذريعة لتوقيف أو تعطيل الاتفاق لأسباب عسكرية أو جيوسياسية".

ولفت إلى أنه "نتيجة لهذه المخاوف، رحب المجتمع الدولي بهذا الاتفاق، ولكن بحذر، وربما إذا تم التنفيذ سنرى بوادر لنهاية أزمة الغذاء، ونرى هبوطا تدريجيا في الأسعار".

اتفاق الطاقة نهاية وليس بداية


وجاء هذا الاتفاق نتيجة للأزمة في سوق الغذاء العالمي، التي نجمت هي وأزمة اقتصادية عالمية متوازية عن الحرب في أوكرانيا، وكما دفعت أزمة الغذاء العالمية طرفي الصراع لتوقيع اتفاق إسطنبول، هل تدفع الأزمة الاقتصادية وأزمة الطاقة في أوروبا على توقيع اتفاقيات مماثلة، وكذلك أنهاء الصراع الدائر هناك؟

أوضح إسماعيل أن "نهاية الصراع العسكري أكثر تعقيدا، لكن الاتفاق حول نقل الحبوب العالقة قد يكون مرحلة جديدة لبناء الثقة والتفاوض لإنهاء حالة الحرب، ورغم أن أوكرانيا في وضع صعب جدا اقتصاديا وإنسانيا، إلا أن موسكو أيضا منهكة، وتريد حلا يحفظ ماء وجه بوتين".

وحول إمكانية توقيع مشابه لاتفاق إسطنبول، ولكن لنقل الطاقة بين روسيا وأوروبا، وكيف يمكن أن يساهم ذلك في حل الصراع إذا تم، قال إسماعيل: "مسألة اتفاق الطاقة تحتاج إلى مراجعة شاملة للعقوبات الغربية المفروضة على موسكو، وبدء التفاوض؛ من أجل الوصول إلى اتفاق قبل فصل الشتاء البارد في أوروبا، التي تعاني أزمة نقص الغاز الطبيعي".

من ناحيته، أوضح الخبير الاقتصادي محمود وهبة أن "أي اتفاق روسي أوروبي حول الطاقة سيكون نتيجة لانتهاء الصراع وليس بداية لإنهاء الصراع، لأن الغاز الروسي الآن هو أحد الأسلحة التي يستخدمها بوتين، ولن يتنازل عنه".

وأكد أن "الأزمة تتعلق بتخوف بوتين من انضمام أوكرانيا إلى الناتو، والتي تقدمت رسميا بطلب الانضمام، ورغم أن بوتين واجه تعثرا في سرعة الغزو، إلا أنه لم يتوقف أو ينهزم".

وتابع وهبة: "بوتين برأيي معتدي يشعر بقوته ويخشى الغرب، وله حق في ذلك، إلا أن حل الأزمة عبر الحرب التي دمرت أوكرانيا وأدت إلى شبه مجاعة بالعالم الذي أيضا وصل إلى مرحلة شبه الكساد، ليس حلا مرضيا".

واعتبر أن "القرار في يد بوتين، وهو من أذكى وأدهى السياسيين بالعالم، والذي يشعر الآن بأنه منتصر، ولهذا أؤكد مرة أخرى أن اتفاق الطاقة سيكون في نهاية الصراع، لكن أوروبا ستعاني خاصة في الشتاء القادم، وهذا سيدفعها للبحث عن بديل، بالتالي إضعاف سلاح الغاز في يد بوتين".