كتاب عربي 21

مفاوضات فيينا إلى أين؟

1300x600
ما كان أسهل من أن تنتهي مفاوضات فيينا بجلسة واحدة، أو حتى دون مفاوضات، لو كان لدى إدارة جو بايدن رغبة في العودة إلى الاتفاق النووي لعام 2015، أو لو كانت متحررة من الضغط الصهيوني الأمريكي.

إدارة بايدن لا تريد أن تعود إلى الاتفاق وفقاً لشروطه السابقة، وإنما لديها أجندة جديدة تريد إضافتها، وهي بالتحديد إلغاء، أو تقييد، البرنامج الصاروخي البالستي الإيراني، وما يصحبه من تطويرات تقنية، إلى جانب عدم خروج صواريخ من إيران إلى لبنان وفلسطين وسوريا. ويمسّ هذان البعدان توازن القوى العسكري مع الكيان الصهيوني الذي أُريدَ له، أمريكياً وأوروبياً، أن يتمتع بتفوّق عسكري كاسح، وبيدٍ مطلقة لشنّ الحرب أو العدوان على أيّ بلد عربي، أو في المنطقة، متى وجد ذلك ضرورياً.

أما ما وُضِع من عقوبات على إيران؛ صاحبت انسحاب إدارة دونالد ترامب من الاتفاق، ومن ثم محافظة إدارة بايدن عليها بل التهديد بتصعيدها، فإن المراد منها الضغط لربط البُعدين الآنفين بالعودة إلى الاتفاق، وليس العودة إليه وفقاً لاتفاق 2015، مع رفع العقوبات، كما تشترط إيران.
موقف أمريكا والدول الأوروبية المشارِكة في مفاوضات فيينا، يسعى لإقحام موضوع البرنامج الصاروخي، وما يتهدّد الكيان الصهيوني من علاقات إيرانية- عربية. وهو موقف ضعيف في المفاوضات التي عنوانها العودة إلى الاتفاق النووي المعقود في 2015؛ لأنه يُفاوِض في موضوعين لا علاقة مباشرة لهما بالعودة إلى اتفاق 2015

المشكل في الحقيقة، لا علاقة له كما تدعي أمريكا بالبُعد النووي، أو منع إيران من الوصول إلى ما يُسمى العتبة النووية. فإيران مستعدة للعودة إلى كل البنود المتعلقة بالاتفاق النووي، بما في ذلك مستوى التخصيب، أو المراقبة الدقيقة من قِبَل الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وليس لها من شرط غير رفع العقوبات التي أنزلت بها لفرض القبول بشروط جديدة تتعلق بالبرنامج الصاروخي البالستي وبكل ما يُهدد الكيان الصهيوني في علاقة إيران بفلسطين.

موقف أمريكا والدول الأوروبية المشارِكة في مفاوضات فيينا، يسعى لإقحام موضوع البرنامج الصاروخي، وما يتهدّد الكيان الصهيوني من علاقات إيرانية- عربية. وهو موقف ضعيف في المفاوضات التي عنوانها العودة إلى الاتفاق النووي المعقود في 2015؛ لأنه يُفاوِض في موضوعين لا علاقة مباشرة لهما بالعودة إلى اتفاق 2015، والعقوبات التي أنزلت بسببه (الموضوع النووي).

موقف إيران هو العودة إلى اتفاق 2015، وما ورد فيه من شروط وبنود، مع رفع العقوبات التي فُرضت بعد الانسحاب الأمريكي منه. ومن ثم فأية إضافة لشروط أو بنود أخرى جديدة فليس مكانها المفاوضات المتعلقة بالاتفاق النووي، ولها حديث آخر.

ولهذا فإن أي اتفاق يخرج من مفاوضات فيينا، ولا يقترب من موضوعي الصواريخ وسياسات إيران المواجهة للكيان الصهيوني، ويتضمن رفعاً للعقوبات، سيمثل كسباً لإيران، وتراجعاً عن الموقف الأمريكي- الأوروبي. كما سيشكل صدمة هائلة للكيان الصهيوني الذي هو وراء عدم الوصول لاتفاق يتضمن رفعاً للعقوبات، ولا يمسّ برنامج الصواريخ البالستي لإيران، أو سياستها بالنسبة إلى المواجهة مع الكيان الصهيوني بدعم المقاومات ضده.
التركيز الاستراتيجي لأمريكا ضد الصين وروسيا يفترض ممارسة مرونة أكبر مع إيران في موضوع العودة إلى اتفاق 2015. ولكن الذي يضغط على أمريكا للتشدد فيه، والتشدد في مواصلة العقوبات، يأتي بالدرجة الأولى من اللوبي الصهيوني، والالتزام الأمريكي- الغربي بكل ما يتعلق بأمن الكيان الصهيوني، وضمان تفوّقه العسكري في المنطقة

إن التركيز الاستراتيجي لأمريكا ضد الصين وروسيا يفترض ممارسة مرونة أكبر مع إيران في موضوع العودة إلى اتفاق 2015. ولكن الذي يضغط على أمريكا للتشدد فيه، والتشدد في مواصلة العقوبات، يأتي بالدرجة الأولى من اللوبي الصهيوني، والالتزام الأمريكي- الغربي بكل ما يتعلق بأمن الكيان الصهيوني، وضمان تفوّقه العسكري في المنطقة. فالعقدة التي تمنع أمريكا من تغليب أولويتها الاستراتيجية ضد الصين، في معالجتها لمفاوضات فيينا، هي التقاء ذلك الضغط بذلك الالتزام الاستراتيجي التاريخي، وقد أُعطيَت الأولوية لخدمة الكيان الصهيوني في الاستراتيجية الأمريكية، لعشرين سنة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي في 1991.

من هنا فإن موقف إدارة بايدن منقسم على نفسه في مفاوضات فيينا مع غلبة للتشدد والتصعيد، وصولاً إلى تكرار التهديد باستخدام السلاح، أو اللجوء إلى المزيد من العقوبات. وقد أثبتت هذه الإدارة ضعفاً ظاهراً، حتى الآن، أمام تغليب الأولوية الاستراتيجية للكيان الصهيوني على الصين وروسيا. وراحت تسمح لنفسها حتى بالقعقعة بالسلاح، إلى جانب التشدّد والتهديد بمزيد من العقوبات. وهو الموقف الذي يتجاوب مع الموقف الصهيوني الذي لا يرى حلاً لهذا التناقض غير استخدام القوّة المسلحة، وقد جعلت حكومة نفتالي بينيت تهدد باستخدامها تكراراً، يوماً بعد يوم.

لو وقع هذا التناقض، ولو بحجم أقل، قبل عشر سنوات مثلاً، لعولِج بالحرب دون تردد. وهذا ما مارسه الكيان الصهيوني وبالتوافق مع أمريكا طوال الخمس والخمسين سنة بعد قيام الكيان.

هذا التناقض من وجهة النظر الاستراتيجية الصهيونية والأمريكية التقليدية، لا يُحلُّ إلاّ بالحرب. وليس مبالغة إذا ما قيل إن قرار الحرب موضوع على الطاولة منذ خمس سنوات في الأقل، ولم يمنع من استخدامه إلاّ الخوف من خسارة الحرب ونتائجها، فضلاً عن التردد في تحمل الخسائر التي يمكن أن تنزلها إيران ومحور المقاومة في الكيان الصهيوني إذا ما أقدم على الحرب بالنيران فقط، الأمر الذي يجعل القيادة الصهيونية تعيش أصعب مراحل تاريخها، ذلك التاريخ السهل الذي تمتعت به، إما تحت الحماية البريطانية المباشرة، قبل 1948، أو الحماية الثلاثية (أمريكا، بريطانيا، فرنسا) في بداية الخمسينيات، ثم تمتعها بخوض الحروب السهلة والسريعة والمضمونة، عدا هزة في حرب تشرين 1973، وقد عادت بعدها إلى تفوّقها بعد "المعاهدة المصرية- الإسرائيلية".
عندما تصبح الحرب اليوم ضد إيران ومحور المقاومة غير مضمونة، بل مرجحة بالخسارة، وعندما تصبح حرب النيران بالطيران والصواريخ مكلفة جداً في عمقها الداخلي، فعلى أمريكا ألاّ تنام الليل، وأن تعيش انفصاماً حاداً بين قرار الحرب والخوف من الذهاب إليها

فعندما تصبح الحرب اليوم ضد إيران ومحور المقاومة غير مضمونة، بل مرجحة بالخسارة، وعندما تصبح حرب النيران بالطيران والصواريخ مكلفة جداً في عمقها الداخلي، فعلى أمريكا ألاّ تنام الليل، وأن تعيش انفصاماً حاداً بين قرار الحرب والخوف من الذهاب إليها. وهذا مع التراجع الملحوظ في نفوذ أمريكا والغرب عالمياً، إلى جانب اختلال في ميزان القوى العسكري لم يسبق له من مثيل على مدى مائتي عام في الأقل.

فالعالم اليوم يعيش حالة حرب على مستوى الدول الكبرى، مثلاً في بحر الصين وحول تايوان، أو حول أوكرانيا التي كان يجب أن يُحسَم أمرها بالحرب، حسب رأي روسي رسمي، في عام 2014. وكذلك يعيش إقليمنا حالة حرب تحت سقف التردد بإطلاق الطائرات الغادرة، ومواجهة الصواريخ البالستية.

طبعاً هذه النتيجة بعيدة عن التقديرات التي تتوقع قرب التوافقات والمساومات على المستويين الدولي والإقليمي.