قضايا وآراء

بين النموذج التونسي والنموذج الطالباني

1300x600

حدث أن نتابع في هذه الأيام المهمة والحاسمة من تاريخ الأمة وربما العالم؛ مشهدين لنموذجين مختلفين في التغيير: المشهد الأول في تونس التي كانت مهد الربيع العربي وانطلاقته، حيث سعت القوى الثورية وتحديداً حركة النهضة على مدى 11 سنة لتقديم التنازلات تلو التنازلات؛ على أمل أن ترعوي القوى المناهضة للثورة، والتي إنجازها الوحيد تجذرها مع استبداد ماض عتيق، ولذلك فهي تتسلح به. لكن ذلك كله لم يُفلح ولم ينجح في تقديم نموذج عربي، ولم يُقنع الشباب العربي بسلمية التغيير والانتقال السياسي، ما دامت القوة الخشنة مع الاستبداد، يقاتل بها ويفرض أجندته من خلالها، لا سيما مع انهيار مشاريع التغيير الديمقراطي في الربيع العربي نتيجة تآمر القوى الاحتلالية الغربية والاستبدادية الغربية والعربية على وليد الديمقراطية العربية.

بالتأكيد ثمة أخطاء قاتلة للقوى الثورية التي لم يكن لها حظ في الدفاع عن مشروعها، ولم تحسن قراءة الساحة السياسية بشكل جيد وواقعي، فوثقت بشخصيات تبين كذبها كما حصل مع الرئيس الحالي قيس سعيّد، وغيره من قبل. أما العالم الغربي الذي صدّع رؤوسنا لعقود بالحديث عن الدمقرطة والحوكمة الرشيدة والشعارات البراقة؛ وجدناه وقد ابتلع تلك الشعارات فجأة، ووقف مع الاستبداد صفاً واحداً في مواجهة شعوب متمردة تطالب بحريتها وكرامتها المهدورة لعقود، فذهبت شعارات ومشاريع الغرب التي كان يبشر بها ويتحدث عنها أدراج الرياح.

اللافت أن الانتكاسة والهزيمة العسكرية في أفغانستان جاءت بعد ما وصفها سياسي أوروبي بالانتكاسة السياسية في سوريا، مما يشير إلى أن الأحداث حلقات في سلسلة مترابطة، ولا يمكن فصل قصة عن قصة. فقد عجزت واشنطن، بنظر السياسي الأوروبي، عن فرض حل سياسي، وتركت الأمور ليتحكم بها الروسي أكثر فأكثر.

في مقابل المشروع التونسي، ظهر المشروع الأفغاني الطالباني أخيراً، الذي استطاع بعد عشرين عاماً من المقاومة في مواجهة تحالف دولي ربما لم يُسبق إليه تاريخياً ومكوّن من 38 دولة بقيادة أمريكا، ضد حركة وليس ضد دولة، لنصحو على انصياع هذا التحالف بعد عقدين من الزمن للحركة الطالبانية، ويدخل في مفاوضات ماراثونية تفضي إلى الانسحاب المتسرع والعاجل الذي رأيناه ورآه العالم، فتنهار كثبان رمال أقامتها قوى الاحتلال على مدى عشرين عاماً في رمال أفغانستان الغدارة، بحسب وصف رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت ثاتشر، فتهوي بأصحابها في غضون أيام..

لعل القاسم المشترك بين النموذجين هنا فيما يخص الجانب الغربي والأمريكي تحديداً هو خسارة المصداقية، فلا المشروع الديمقراطي عزز مصداقية الغرب الذي تابع الكل تأييده ودعمه لقوى الاستبداد العربية في مواجهة الشعوب، فضلاً عن عمله الدؤوب والمتواصل في تفكيك شتلات القوى الديمقراطية العربية، فتم قتلها في المهد، ولا المشروع الأفغاني العسكري الذي أتى لفرض دولة بمواصفات ديمقراطية معينة نجح في كسب وتعزيز مصداقية مشروعه، فانسحبت القوى الغربية كلها وتفاوضت مع طالبان، دون أن يكون للحكومة الأفغانية حتى شرف الحضور كمراقب في هذه المفاوضات.

وبعد أن كانت واشنطن تتحدث عن عملية انتقال سياسي للسلطة في كابول، وتشدد على ضرورة إشراك الحكومة الأفغانية الحالية، ها هي اليوم تحاول إقناع طالبان في الدوحة بعدم التعرض لسفارتها خلال عملية إخلائها، بينما تترك عملاءها وأتباعها في أفغانستان لمصير مجهول. ونحن نتحدث عن جيش مكون من عشرات الآلاف من الأتباع والمؤيدين المترجمين والمتعاونين والمخبرين والمتعاقدين، ولعل بتكبير الصورة نرى غياب الثقة المستقبلية بين الدول وواشنطن، حيث بات تخلي الأخيرة عن حلفائها متكرراً وبشكل مهين ومذل..

فقد العالم الغربي تماماً مصداقيته أمام الشعوب، ولعل الجيل الشبابي الحالي وهو يتابع انتصارات طالبان ورضوخ العالم لإملاءاتها؛ سيُعيد التفكير تماماً بمنهجية العمل السلمي والديمقراطي الذي أطلقه الربيع العربي، يوم تراجع مشروع العمل الجهادي والقاعدي والطالباني، مما يعني أن الزخم الذي أطلقه الانتصار الطالباني اليوم قد يدفع جيل المخيمات في سوريا وفلسطين وغيرهما من خيام العالم العربي (لا فرق بين خيام وبيوت ما دامت النتيجة الافتقار إلى الحرية والكرامة هو القاسم المشترك للجميع) للثقة أكثر بمشروع العمل المسلح والعسكري، بعد أن سُدت الأبواب بوجهه، وحينها سيتحمل المسؤولية الغرب والشرق الداعم للأنظمة الاستبدادية في مواجهة الشعوب..